بين "داعش" والأسد.. هناك ناجون فقط

فادي الداهوك

السبت 14/11/2015

تلقت السلطات الفرنسية، يوم الجمعة، إنذاراً بوجود قنبلة في مقر إقامة المنتخب الألماني في الدائرة 17 في باريس، فأخلت المكان ونزلاء الفندق، ليتبيّن لاحقاً أن الإنذار كان كاذباً. في الواقع، لابد أن السلطات الفرنسية الآن تتمنى لو أن إنذار القنبلة كان صحيحاً، فالإجراءات الأمنية المشددة التي فرضت في محيط ملعب "دو فرانس"، عقب الإنذار، لم تمنع انتحاريي "الدولة الإسلامية" من تنفيذ مخطط احترافي دقيق من دون أن يتمكن أحد من إيقافه.

في الشهر الأخير من العام الماضي، طمأن وزير الخارجية الأميركية جون كيري، خلال الاجتماع الوزاري الأول للتحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، شركاء الولايات المتحدة الستين بأن تنظيم "الدولة الإسلامية" يتهاوى، وأن الدول المشاركة في التحالف ستقطف ثمار ذلك التهاوي قريباً. ثم فجأة أعلن التنظيم سيطرته على بيجي وتكريت في العراق، بعد يومين فقط من تصريح كيري.


وقبل ليلة واحدة من هجمات باريس، أيضاً، طمأن وزير الخارجية الأميركية جون كيري شركاء الولايات المتحدة، خلال حديثه عن الغارة التي استهدفت "السفاح جون" في الرقة، بالقول إن أيام "التنظيم باتت معدودة". في المرتين اللتين كذب فيهما كيري، كان التنظيم يعزز قدراته اللوجستية، وكانت عملياته لا تشهد تقلصاً، بل ازدادت مساحات الأراضي التي يسيطر عليها، فأخذ تدمر وسط سوريا، وانتقل من مرحلة السيطرة إلى الإدارة في الموصل العراقية.


بعد هجوم "شارلي ايبدو"، احتاج الإرهاب في أوروبا أقل من سنة ليطوّر سلوكه ويعود بعمليات أعنف، تنذر بأن رعب "الذئاب المنفردة" أصبح مركباً، بعد تحولها إلى قطعانٍ تتنامى بسرعة، ولم يعد لجمها سهلاً، في المنظور القريب. فقبل أن تنقضي التسعون دقيقة من مباراة فرنسا وألمانيا، تمكّن "داعش" من جمع جمهور السياسة وكرة القدم في ملعب واحد، وجعل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ينتقل خفية من الملعب الذي كان يتابع فيه المباراة في عطلة نهاية الأسبوع، إلى الاليزيه ليتابع اجتماعاً أمنياً على أعلى المستويات.


بعد ليلة باريس الدامية، أصبحت أوروبا كلّها أمام تهديد إرهابي غير تقليدي، لا يتعلق بمنطقة، أو دولة واحدة، ولا يشبه إرهاب منظمة "إيتا" في إقليم الباسك، على سبيل المثال، أو "الجيش الجمهوري الإيرلندي" وعملياته وتهديداته. الإرهاب، وانتحاريو "الدولة" الآن بجانب الحانات والملاعب والمسارح ودور العرض.. بمحاذاة فرانسوا هولاند الذي كاد أن يكون أحدى ضحايا تلك الليلة؛ يحملون الأحزمة الناسفة، ويتنقّلون بين الناس بسهولة في الشوارع، التي أصبحت نسخة أوروبية عن شوارع عواصم المشرق العربي مثل دمشق، أو بغداد، والقاهرة. ومن ذلك، فإن قراءة هذا الحدث لا بد أن تمتد الى المنطقة كلها، من تونس التي عادت حركة "النهضة" الإسلامية لتشكل الغالبية في البرلمان بعد انسحاب أعضاء الحزب الحاكم، إلى ليبيا التي تحتوي جيباً لـ"الدولة الإسلامية" على ضفاف المتوسط، وصولاً إلى مصر والديكتاتورية البلهاء التي تحكمها، فضلاً عن سوريا، التي تمثل لوحدها حالة خاصة في ميزان الأحداث، ولاجئوها الذين يحملون جواز السفر الأغلى والأخطر في العالم.


داخل البيت الفرنسي، أسهمُ اليمين المتطرف إلى ارتفاع، والاشتراكيون أمام طريق وحيد عبّده سواد "داعش".. وذلك كفيل ربما بتحويل موقف فرنسا المتشدد مع قطر والسعودية وتركيا من رحيل الأسد، إلى موقف في اتجاه آخر، يدفع بشدّة إلى التسليم لإرهاب "الدولة" السورية والإيرانية داخل سوريا، طالما أنه لن يتعدى الخريطة التي ينهشها الجميع منذ 5 سنوات.


إنه "جيش الدولة الإسلامية"، قال هولاند. الموقف مرعبٌ جداً، ولعل"داعش" ليس تلك التسمية الساخرة التي افترضها السوريون وروجها الغرب. "داعش" هو الدولة الإسلامية، التي تمتلك جيشاً أسطورياً، وعملة نقدية خاصة بها، ومؤسسات، ورعيّة.. وأي مكان قابل لأن يكون أرضاً لمعركة يفرضها متى شاء. الدولة التي نشأت حين كان المجتمع الدولي يبحث في الفارق بين كلفة بقاء الأسد أو الانتصار عليه، فأصبح البحث عن ناجين فقط.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2018