إسرائيل تراقب تطورات إدلب:المهم أن لا تنتصر تركيا

أدهم مناصرة

الأربعاء 18/03/2020
بالرغم من عقدة تشكيل الحكومة التي تعيشها إسرائيل بموازاة انشغالها بمنع تفشي وباء كورونا، إلا أنّ دوائرها الأمنية لم تتوقف عن مراقبتها المكثفة والدقيقة لمآلات التفاهُم الروسي-التركي الأخير بشأن إدلب ومُجمل الوضع في هذه المنطقة الواقعة في شمال غرب سوريا.

من خلال تتبع "المدن" لقراءات صحافة إسرائيل ومحطات تلفزتها منذ اليوم الأول لمعارك إدلب بين تركيا والنظام السوري قبل التوصل الى اتفاق بين أنقرة وموسكو، يتضح أن تل أبيب تراقب بانزعاج أي نتيجة حاسمة لأي طرف كان وخاصة تركيا.

فتل أبيب يقلقها نجاح تركيا في تحقيق نصر على نظام الأسد، و بدرجة أقل حسم النظام للمعركة ضد أنقرة. لكن، يبدو أن "انتصار" روسيا هو الأفضل لإسرائيل بمنظور النسبية؛ ما دام ذلك يلجم النفوذ الإيراني في سوريا ويكون عائقاً أمام أي دور مؤثر لتركيا في الإقليم انطلاقاً من سوريا.

ولهذا تُفضل إسرائيل استمرار "حالة اللاحسم" التي تضمن استنزاف جميع القوى، وبشكل يؤدي إلى انشغال الجميع عن دائرة الصراع مع تل أبيب.

اللافت أن القراءةَ الاسرائيليةَ الأكثر جلاءً في التنبّؤ بمصير الاتفاق الروسي- التركي قد صدرت عن معهد "الأمن القومي"؛ إذ وصف الاتفاق ب"المؤقت" ولن يطولَ وأنَّ خرقَه سيتمُّ على غرار اتفاقيات سابقة.

وتحت عنوان: "وقف إطلاق النار في إدلب: نجاح تكتيكي تركي إلى جانب ضعف سياسي".. أدرج باحثون إسرائيليون من معهد "الأمن القومي" موافقة تركيا على وقف إطلاق النار في 5 آذار/مارس بعد اجتماع الساعات الستة الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة موسكو، رغم أن أنقرة لم تحقق غايتها من عملية "درع ادلب" التي أطلقتها في السابع والعشرين من الشهر الماضي، بدفع  قوات نظام الأسد إلى ما وراء مواقع المراقبة التركية في إدلب وإلى الخطوط التي حددها أردوغان وبوتين في سوتشي، في سنة 2018.

فعلياً، وافقت أنقرة، كأمر واقع على الأقل حتى الآن، على قبول بقاء نظام الأسد في المناطق التي سيطر عليها مجدداً في محافظة إدلب.

ورجح معهد"الأمن القومي" الاسرائيلي ألا يكون مستقبل مواقع المراقبة التركية في المحافظة مضموناً، ويبدو أن تركيا ستضطر إلى إخلاء جزء منها قريباً، كما يعتقد.

وترى تحليلاتٌ إسرائيلية أنه باستثناء وقف إطلاق النار والتعهد الروسي ببحث إخراج شركة الأمن الخاصة "فاغنر" من القتال في ليبيا إلى جانب قوات الجنرال خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، "لم تحقق تركيا إنجازات سياسية".

وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك حينما رأت أن جولة القتال الأخيرة في إدلب انطوت على "ثمن باهظ"، تمثل بمقتل عشرات الجنود الأتراك.. واعتبرت أن وقف إطلاق النار سيسمح لقوات الأسد والوكلاء الإيرانيين والمؤيدين له باستعادة قوتهم وتنظيم صفوفهم من جديد، قبل السيطرة النهائية على محافظة إدلب، بحسب التقديرات العبرية.

غير ان الدوائر الإستراتيجية الإسرائيلية  ترى في هذه التطورات تذكيراً بالقيود السياسية على تركيا، على خلفية محاولتها انتهاج سياسة مستقلة والسير في خط متعرّج بين روسيا والغرب.

التحليلات الإسرائيلية لم تُغمض العين عن قدرات الجيش التركي التي تجلّت في معركة إدلب، موضحةً أنّ ثمة نقطة إضافية يجب الانتباه إليها، ألا وهي قدرته في مجال استخدام طائرات من دون طيار، ذات قدرات هجومية، مبينة أن القوات التركية وجهت ضربات قاسية إلى جيش الأسد بواسطة استخدام أكثر من مئة طائرة من دون طيار.

الواقع، أن جولة القتال الأخيرة في إدلب يمكن أن تشكل بالنسبة إلى إسرائيل حالة اختبار لأزمة حادة من المحتمل أن تنشأ مع روسيا بشأن استراتيجية "المعركة بين الحروب" التي تنتهجها في سوريا.. من منطلق أن تركيز موسكو على اللاعبين الآخرين في سوريا سيتيح حرية أكبر للقصف الإسرائيلي.

بدورها، اعتبرت صحيفة "اسرائيل اليوم" أن إنخراط تركيا في الحرب الدائرة في سوريا إلى درجة الصدام العسكري مع قوات النظام مدعومة بإيرانيين وعناصر حزب الله، بمثابة تطور درامي بالشرق الاوسط يضاف الى حدث آخر ألا وهو اتفاق السلام بين أميركا وحركة طالبان في أفغانستان.. وترى الصحيفة العبرية أن هذين التطورين خطران بالنسبة إلى إيران، ومن شأنهما أن يهددا مكانتها، بشرط وجود من يعرف تشبيك الخيوط وقيادة عملية دولية وإقليمية ضدها.

وينصح المستشرق الإسرائيلي ايال زيسر إسرائيل أن تعود وتقوم بأداء "دور نشيط ومُبادِر في قيادة عمليات إقليمية ودولية جرّاء العواصف التي تهب على المنطقة"..لا الاكتفاء فقط بدور المُراقِب الجانبي لتطورات درامية من شأنها أن تؤثرَ أيضاً عليها في المستقبل.

بينما يشدد المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت احرونوت" رون بن يشاي في مقال، على أنه في إسرائيل ممنوع أن تتسبب أزمة لاجئي إدلب بتحويل الاهتمام عن "التطورات المقلقة" في مشروع إيران النووي، وعن حقيقة "تبدُّد الأمل في أنّ وريث قاسم سليماني سيكون أقل عدائية وأقل إبداعاً"، على حد تعبيره.

أما صحيفة "هآرتس" فحاولت أن تقرأ "تكتيك" تركيا الآن، إذ تعتقد الصحيفة أن أنقرة تحاول أن تبني لنفسها، منظومة دفاع سياسية تضعها على أرضية مُساوية مع روسيا.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020