جنوبي دمشق: لا أمان لـ"مُصالِح"

المدن - عرب وعالم

السبت 14/12/2019
اعتقلت دورية من "فرع الدوريات" التابع لـ"الأمن العسكري"، علي خليفة الملقب بـ"أبو صطيف"، والمتطوع في صفوف "الفرقة الرابعة"، من أمام منزله في بلدة يلدا جنوبي دمشق، بحسب مراسل "المدن" تيسير محمد.

ويواصل النظام حملة الاعتقالات بحق أعضاء "لجان المصالحة" في الجنوب الدمشقي، ما يعتبر انقلاباً على اتفاق "المصالحة" الذي جرى في أيار/مايو 2018.

ولمع نجم خليفة، بسبب عبارته الشهيرة لوسائل إعلام موالية: "اثنان زعران بيصنعوا حرب.. بس الرجّال يلي بيصنع السلام"، ليقوم على إثرها قائد مليشيا "الدفاع الوطني" فادي صقر، بمعانقته بحرارة. وحصل ذلك أثناء توقيع أول اتفاق "مصالحة" مطلع 2014 مع بلدات الجنوب الدمشقي؛ يلدا وببيلا وبيت سحم، المحاصرة من قبل مليشيات النظام.

وتعكس قصة خليفة حالة التشتت والاضطراب التي سادت لدى شريحة كبيرة من السوريين في مناطق سيطرة المعارضة، خلال السنوات الماضية. فهو من مواليد 1975، متزوج وأب لأربعة أولاد، وقد درس ثلاث سنوات في "معهد الفتح الإسلامي" وتفرغ بعدها للعمل في الزراعة. ومع بداية الثورة شارك في الحراك السلمي، ومظاهرات حي الميدان الدمشقي، ومساعدة نازحي حمص، ليصبح خلال فترة قصيرة على قائمة المطلوبين للأجهزة الأمنية.

وبعد شهور قليلة في الأردن عاد خليفة، إلى يلدا، وبدأ توثيق الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، وكان شاهداً على مجزرتي البلدة الأولى والثانية، والحصار الخانق الذي تعرضت له.

وبعد موت العشرات جوعاً، قرر بعض وجهاء المنطقة التفاوض مع النظام لفك الحصار، لكن معظم أصحاب القرار في المعارضة رفضوا التفاوض مع قاتلهم، أو خوفاً من ردة فعل الفصائل المسلحة.

خليفة تطوع إلى جانب الشيخ صالح الخطيب، لتمثيل يلدا، في المفاوضات مع النظام، مبرراً ذلك بعدم وجود حل آخر، وممثلاً عن عائلته. وبعد أيام من المفاوضات، فُتح طريق سيدي مقداد في بلدة ببيلا، ورُفِعَ علم النظام على مبنى البلدية مقابل دخول كميات قليلة من الطعام، بالإضافة إلى السماح بخروج ودخول النساء والأطفال من وإلى المنطقة.

وعلى أثر تفاوضه مع النظام تلقى خليفة، تهديدات من تنظيم "داعش" الذي تربطه بزعيمه عبدالله طيارة الملقب بـ"أبو صياح فرامة" علاقة صداقة قديمة بحكم الجوار، ليقوم بعدها بإعلان "توبته" في "فايسبوك" والاعتراف بأن قراره كان خاطئاً، معتزلاً ممارسة أي نشاط يتعلق بالشأن العام. لكنه عاد ولعب لاحقاً دوراً بارزاً في المفاوضات بين "داعش" وفصائل المعارضة ومحاولة الوصول إلى هدنة بين الطرفين.

عند إعلان "داعش" نيته الخروج من المنطقة في أيار 2017، توجه خليفة مع عائلته إلى الحجر الأسود معقل التنظيم للخروج معهم من براثن الحصار، واتُهم بمبايعة التنظيم. وبعد فشل عملية التفاوض بين التنظيم والنظام عاد خليفة إلى البلدة رغم معارضة بعض الفصائل والتهديد باعتقاله ومحاكمته، ولكن وجهاء عائلته توسطوا له وأكدوا عدم مبايعته للتنظيم، والتزام منزله.

وبعد بضعة أشهر استطاع كسر عزلته وتوجه للعمل الإغاثي ضمن كوادر منظمة "شام الخير". وتسلم بعد مدة قليلة إدارة مكتبها في بلدة يلدا، إلى حين خروج الثوار من المنطقة في أيار 2018، خلال المفاوضات بين روسيا وفصائل المعارضة.

ومع خروج دوريات الشرطة العسكرية الروسية من جنوب دمشق نهاية 2018، بدأت أجهزة النظام الأمنية بملاحقة الناشطين السابقين واعتقالهم، فتطوع خليفة في صفوف "الفرقة الرابعة" بالرغم من كبر سنه، ظناً منه أنه بذلك سيحمي نفسه من الاعتقال والملاحقة الأمنية.

"أبو صطيف علي"، كما يعرفه أبناء بلدته، لم يكن الوحيد الذي صدّق وعود النظام، فمن بين 45 ألف نسمة كانت تفاوض عليهم فصائل المعارضة للخروج من جنوب دمشق، لم يتجاوز عدد الخارجين 10 آلاف، بمن فيهم النساء والأطفال.

وما زالت الأجهزة الأمنية تقوم بحملات الاعتقال بحق الشباب، على الرغم من انخراط معظمهم ضمن قوات النظام، ودفع آخرين ملايين الليرات لحماية أنفسهم من الاعتقال، لكن بلا جدوى، فكيف لنظام شمولي استبدادي أن يُسامح من كان كافراً به بالأمس وأصبح "مؤمناً" به اليوم؟
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020