استعاد تنظيم "الدولة الإسلامية" زمام المبادرة في بادية حمص ومركزها في مدينة تدمر، عبر تنفيذ هجمات على مواقع حساسة تابعة لقوات النظام. وتدارك التنظيم بذلك "الضربة القاسية" التي تلقاها أثناء سيطرة قوات النظام والمليشيات بدعم جوي روسي، على تدمر نهاية آذار/مارس الماضي. وبدأ الحديث الآن حول إمكانية عودة "الدولة" للسيطرة على مدينة تدمر.

ويبدو وكأن "الدولة الإسلامية" تسعى لحصار مدينة تدمر تمهيداً لمهاجمتها، وفقاً لمتابعة سير المعارك في المنطقة. وقد تمكن التنظيم، الثلاثاء الماضي، من قطع طريق تدمر-حمص الذي يُعدّ الطريق الرئيس لإمدادات النظام العسكرية نحو تدمر، بعدما سيطر التنظيم على "الكتيبة المهجورة" الواقعة على بعد كيلومترين غربي مطار "التيفور" العسكري.
ولم تدم سيطرة "داعش" على الكتيبة سوى ساعات قليلة، قبل انسحابه، بسبب صعوبة التمركز داخلها وجغرافية المنطقة المكشوفة على مطار "التيفور" أحد أهم المطارات العسكرية في سوريا والقريبة من تدمر، والذي يضمّ مروحيات قتالية روسية حديثة.
وتقول مصادر إن التنظيم لا يرى في مدينة تدمر هدفاً له، خاصة خلال الفترة الحالية. فالمدينة بنظر التنظيم "أرض محروقة" لا يمكن الاستفادة منها لا عسكرياً ولا اقتصادياً. وأشارت المصادر إلى أن استراتيجية التنظيم تهدف لاستهداف مواقع أكثر أهمية تعود بالفائدة على التنظيم من الناحية العسكرية والاقتصادية كحقول الغاز الموجودة في المنطقة.
وكان التنظيم قد سيطر قبل أيام على "حقل شاعر" النفطي، بالإضافة للسيطرة على أجزاء من "حقل المهر"، وتمكن التنظيم في تلك العملية من السيطرة على 20 دبابة من قوات النظام، وكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر. وتلك الهجمات توضح الأسلوب الذي عرف به التنظيم منذ نشأته.
واقع مدينة تدمر من الناحية العسكرية والأمنية يجعل من إمكانية سيطرة "الدولة الإسلامية" عليها أمراً مستبعداً، بعدما تحولت المدينة إلى "محمية عسكرية روسية" مع تواجد منظومة دفاع جوي وأجهزة رادار، بالقرب من قلعة فخر الدين المعني الأثرية غربي تدمر والتي تكشف مساحات واسعة من محيطها وتعمل على تأمين المدينة، بالإضافة إلى وجود مخيمات عسكرية قرب المتحف الأثري تضم الجنود الروس وآلياتهم العسكرية.
التواجد العسكري داخل تدمر، انحصر بالقوات الروسية، بشكل أساسي، برفقة مجموعات مقاتلة من مليشيات النظام السوري "الموثوق" بها، خوفاً من أي اختراق أمني. وتمّ نقل مقاتلين في قوات النظام ومليشياته، من أبناء تدمر، إلى مناطق أخرى بعيدة. فروسيا تخشى إمكانية تجنيد التنظيم لأحد أبناء تدمر في قوات النظام، لنقل المعلومات وتسريبها. الهلع الروسي من خسارات بشرية في صفوف القوات الروسية، دفع حتى إلى إبعاد المليشيات العراقية واللبنانية بعيداً عن تدمر. وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت الأربعاء عن مقتل عسكري روسي في ريف حمص.
وذكرت المصادر أن التنظيم يستعد لبدء عمليات نوعية تهدف إلى إلحاق أكبر ضرر بقوات النظام ومن يقاتل إلى جانبها، أسوةً بمعارك الرمادي في العراق التي برزت فيها كثافة مفخخات التنظيم واعتماده على حرب العصابات وبأسلوب خاطف، أنهكت القوات العراقية ومليشيات "الحشد الشعبي".
ولُوحظ مؤخراً قيام التنظيم بعمليات عسكرية خاطفة في مناطق متفرقة داخل بادية حمص، استخدم فيها أكثر من 6 مفخخات، على الجبهة الشرقية لتدمر وشرقي مدينة القريتين الواقعة إلى الجنوب الغربي من تدمر، وفي قرية حويسيس الملاصقة لحقل شاعر. وكان تنظيم "الدولة" قد أسقط طائرة مروحية لقوات النظام بالقرب من بلدة حويسيس.
يهدف التنظيم من خلال تلك العمليات إلى تشتيت جهود وتركيز قوات النظام والقوات الروسية، التي تستعد للتوجه إلى محطة "آراك" النفطية وبلدة السخنة انطلاقاً من تدمر، وكسب المزيد من "الغنائم" التي تساعد التنظيم في تذخير قواته. في ظل حديث، يبدو غير منطقي حالياً، عن نية النظام التوجه لفك الحصار عن قواته في مدينة ديرالزور ومطارها العسكري.
ويشرف على إدارة معارك "الدولة الإسلامية" في المنطقة الممتدة من حقل شاعر نحو مدينة تدمر ومحيطها وصولاً إلى محيط مدينة القريتين، أمراء عسكريون تابعون لـ"ولاية حمص" و"ولاية حماة" و"ولاية دمشق"، وكان قادة "ولاية حمص" هم من يديرون خطط التنظيم. وهو أمر يُظهر عزم التنظيم على قلب المعادلة مع قوات النظام، وإظهار التنظيم على أنه مازال موجوداً، والمعارك في بادية حمص لم تنتهِ بعد.