عبثاً تتجمّل مارين لوبن

علي مراد

الأربعاء 06/11/2013
 منذ استلامها رئاسة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة خلفاً لوالدها جان ماري لوبن، سعت مارين لوبن الى تحرير حزبها من شياطين الماضي الفيشي/الفاشي المعادي للسامية ولليسار ولكل شكل من أشكال تدخل الدولة في الاقتصاد.  
 
طبعاً، "الاستابلشمنت" الفرنسي، بيمينه ويساره، اعتبر على الدوام وارث الفيشية المهزومة بعد الحرب العالمية الثانية. هم خارج الإجماع الجمهوري وقيمه. لذلك منذ العام 2011، جهدت لوبن، الابنة، من خلال عملية مدروسة ومنهجية عرفت بالـ dé-diabolisation أي الى انهاء حالة أبلسة تنظيمها. وتطلب هذا الأمر عملا دؤوباً تراكمياً. 
 
بدايةً، كان على مارين أن تلجم شطحات الوالد اللاساميّة والمدافعة عن الحكم  الفرنسي المتحالف مع الاحتلال النازي.
لاحقاً قامت لوبن بطرد المجموعات التي تدور في فلك تنظيمها. منها القديم المؤلف من عملاء الاحتلال النازي وميليشيات القتال ابان احتلال الجزائر. ومنها الحديث كالمجموعات القومية التي تتبنى أفكار النازيين الجدد.
 
ثم عمدت لوبن الى تعيين الشاب فلوريان فيليبو، القادم من اليسار السيادوي المعادي للاتحاد الاوروبي، كمستشار، ثم كنائب لها. فاستطاع فيليبو أن يبني موقفاً اقتصادياً مركباً، عماده الايديولوجي العداء للاتحاد الاوروبي وللعولمة ولعالم المال والمضاربات. عماده العملي الخروج من اليورو واعادة السيادة الوطنية على الاقتصاد ولجم حرية انتقال الاموال والخدمات والبضائع وبطبيعة الحال. 
 
من الناحية الاجتماعية تعمدت لوبن تحييد نفسها عن اتخاذ موقف حاد من قانون زواج المثليين. أما بالنسبة إلى خطابها العنصري، فسعت لوبن إلى إلباسه رداءً غريباً على اليمين المتطرف الفرنسي، ففي الأصل، هم ورثة التنظيمات الملكية الفرنسية الكاثوليكية المناهضة للثورة الفرنسية ولعلمانيتها. لكنها سعت الى إلباس خطابها العنصري، "الاسلامُ فوبي"، رداء الدفاع عن قيم العلمانية وعن قيم الجمهورية المهددة، هذه المرة ليس من اليهود بل من العرب الذين أتوا لاحتلال شوارع وأزقة البلاد. كما انه امام الازمة البنيوية للجمهورية الخامسة، قدمت حزبها بصفته الحزب الوحيد القادم الـ" anti-système"والذي يقارع وحيدا "الإستابلشمنت"، اليساري- اليميني المسيطر.
 
لكن، مع تتالي السقطات العصبية للرفيق جان لوك ميلانشون، مرشح اليسار الراديكالي، استطاعت مارين لوبن ان تحصد في الانتخابات الرئاسية للعام 2012، أكثر من 19 في المئة  من الاصوات.
 
 ومنذ أشهر تتصرف لوبن كمن نجح في رهانه، وبدأت تتصرف كمن تحررت من عباءة العنصرية وحجزت مكاناً بين أحزاب الجمهورية، وصلت إلى حدٍ اعتبر معه البعض أن اليمين المتطرف يتجه ليكون الحزب الفرنسي الأول.
 
مارين لوبن  التي تدرك جيداً أن المجتمع الفرنسي لن يتقبل خطاباً عنصرياً مقيتاً كالذي تحمله هي ومحازبيها، سعت دائماً الى ضبط ايقاع تصريحات المسؤولين المحليين لديها. قام الحزب بتنظيم دورات اعلامية لكل مرشحيه حول كيفية التهرب من أفخاخ أسئلة الاعلاميين.  
رغم ذلك، لم يكن يمر اسبوع إلا وتخرج فضيحة عن مرشح او محازب غير منضبط: مرشح محلي يؤدي التحية النازية، آخر يرتدي بذلة ميليشيات "الأس أس"، وآخر الفضائح، قيام مرشحة للانتخابات المحلية بوضع صورة على صفحتها على "فايسبوك" تشبه وزيرة العدل كريستيان توبيرا، ذات البشرة السمراء والقادمة من إقليم غويانا الفرنسي بالقرب من البرازيل. طبعاً لم يتأخر رد فعل الحزب الذي كان يسارع في كل مرة الى طرد هؤلاء "المخالفين" للخط الايديولوجي الجديد. ومع احتدام صراع السلطة داخل اليمين الفرنسي والارتباك الكبير في حكم الرفيق فرانسوا هولاند، بدت طريق الانتصارات معبدة امام لوبن، التي اتقنت السير بين تاريخ والدها الحزبي. حتى مؤخراً...
 
ما حدث هو أن إحدى الإذاعات الفرنسية استضافت السيدة لوبن للتعليق على تحرير أربعة من الرهائن المحتجزين عند تنظيمات جهادية في أفريقيا. هذه المرة لم تستطع لوبن ان تسيطر على شياطين العنصرية الكامنة فيها وفقدت كل سيطرة على رصانتها وراحت تتساءل عن سر طول وتهذيب لحية الرهائن وعن سبب ارتداء الرهائن الشالات الطويلة! من شاهد المقابلة (في فرنسا المقابلات الاذاعية تُبثّ مصورة كذلك) يمكنه ان يرى بوضوح ان لوبن حاولت السيطرة على عصابها العنصري، لكن الامور خرجت عن سيطرتها. 
 
تجرأت وطالبت المواطن الفرنسي العائد من سنوات الاعتقال، بلحية وشال طويلين، أن يشرح اسباب هذا الهندام. وحين سألها المذيع: هل تقولين انهم اعتنقوا الاسلام؟ تهربت من الإجابة وقالت إن على الرهائن المفرج عنهم أن يوضحوا "للفرنسيين" ويردوا على "هواجسهم". بدت كأنها، بجملة واحدة، أطاحت كل الجهود الاعلامية والسياسية من أجل اعادة تهذيب صورة حزبها. 
 
اليمين المتطرف الاوروبي يحمل عبء التاريخ المتعامل مع النازية القائم على التفوق العرقي للجنس الأبيض الأوروبي. في الماضي، كان اليهود والبلاشفة هم أعداء الأمة والسرطان الذي يهددها من الداخل. اما اليوم فقد جرى استبدال العدو. بات المسلم والعربي هو الخطر الذي يتهدد اوروبا وقيمها المسيحية. ليست المشكلة في أولاد المهاجرين القابعين في الضواحي ويعانون التهميش الاجتماعي والفقر والبطالة، بل في أنهم كانوا ينتمون الى أعراق أدنى لا تسمح لهم بالاندماج في المجتمع. 
 
 وفي ظل الازمة الاقتصادية والمالية التي تعانيها أوروبا، يصبح المهاجرون مسؤولين عن مصائب الامة. ولأنه لا يمكن لأحد ان يتقبل هكذا خطاب، جرت كل محاولات  اخفاء الموقف العنصري الاسلاموفوبي وراء رداء الدفاع عن مصالح الأمة جمعاء. الكثير من الفرنسيين صدقوا ان اليمين المتطرف قد تغيّر بالفعل. أحد المنسحبين من الحزب يؤكد أن جلّ النقاش الداخلي ينصب على العداء للمواطنين من أصول عربية وإسلامية، حيث يتم استحضار أفظع التوصيفات من زمن الحقبة الاستعمارية، واعتبار ان معركة اليوم هي تتمة لمعركة بواتييه، حين اوقف شارل مارتيل تقدم العرب الى فرنسا بعد احتلالهم لاسبانيا، لا حديث في الاقتصاد أو الأزمة المالية المعولمة. لسان حال القيادات الحزبية: قولوا ما شئتم في الاجتماعات الضيقة، لكن تجنبوا هكذا أحاديث في الأماكن العامة أو أمام الإعلام. 
 
على الرغم من هذه السقطة، لن تؤدي جملة واحدة غير منضبطة الى إخراج لوبن من المعادلة السياسية الفرنسية. قوة مارين لوبن ليست التعبير الأسطع عن أزمة المجتمع الفرنسي والخوف الذي يسكن كل مواطن فرنسي. ففي ظل الواقع الاقتصادي الحالي ازدادت أزمة الثقة بين المجتمع الفرنسي وبين طبقته السياسية.
 
التاريخ الاوروبي غير البعيد يشير الى ان اليمين المتطرف يقتات من هكذا أزمات كبرى. هو يقوم باستلاب هواجس الفقراء والمهمشين في حروبه الافتراضية ضد الآخر. هذه الفرنسا التي انتخبت ليون بلون الاشتراكي من أصول يهودية، رئيسا لوزرائها العام 1936، عادت وأيدت في العام 1940 سياسات الماريشال بيتان المعادية للسامية والتي حمّلت اليهود مسؤولية الهزيمة العسكرية أمام جيوش هتلر. 
 
اليوم كذلك، الملايين التي تؤيدها ليست كلها عنصرية ومعادية للعرب. هم مواطنون فقدوا الثقة بالنظام القائم وبقدرته على اخراجهم من المشاكل التي يزرحون تحتها. 
 
غداً، ستسعى لوبن الى تقديم نفسها كضحية للاستغلال الاعلامي الرخيص والذي حوّر كلامها. لا يهم. هو الخمر ذاته حتى لو تغيّر شكل الزجاجة ولونها وعمرها. بالأمس، كانت تخاف من سقطات والدها التي كانت تكلفها  في كل مرة، شهوراً من العمل الدؤوب من اجل اثبات القطع مع الماضي العنصري. عادت اليوم لتشرب من الكأس نفسه. مارين لوبن ليست فقط وريثة جان ماري لوبن، بل وريثةً لكل عسس الماضي العنصري الفاشي وحاملة لشعلته. كان يكفيها أن تشاهد ذقناً مهذبة طويلة على وجه فرنسي عائد من الاعتقال، حتى تتعرى.
 
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019