عن أخطاء الثوار.. وخطايا المعارضين

موفق نيربية

الجمعة 15/03/2019

كان جلد الذات عقاباً ذاتياً يمارسه الرهبان في بعض الأديرة الكاثوليكية، عقاباً للجسد وتعبيراً عن الندم على ما ارتكبه "الجلاد" من الخطايا. وهو في الطقس الشيعي ليس بعيداً عن هذا المعنى. ويجري استحضار هذا المفهوم كلما رأى البعض أن هنالك مغالاة في "النقد الذاتي"، ينبغي ألا تحجب الصفات الحميدة، ولا الجوانب المشرقة في الموضوع أو الشخص أو الجماعة المعنية. ربما يرتبط ذلك أيضاً بمفهوم الحرام والتابو، سواءٌ حين يكون الموضوع في حقل المقدس أو الملعون، الذي يجب ألا يُذكر أو يُرتكب لقداسته، أو لأنه يخفي اللعنة والشر.

في موضوع الثورة السورية، حين نتهرب من النقد الذاتي، نُطالب به، حتى يمكن قبولنا من جديد. وحين نحاول ممارسته بعمق، ينبري البعض أيضاً لمطالبتنا بألا نتمادى في جلد ذواتنا. من حيث أن المقدس والمدنس في حالتنا هو تابو، حرام، لايجوز اقترافه أو الامتناع عنه، لا يجوز الاقتراب منه ولا الابتعاد عنه.

هكذا هي الثورة السورية المجيدة، رغم كل ما حدث بعد سنتها الأولى، ثم لسبعٍ عجافٍ  تلتها وخبا فيها اللون الزاهي في حياة هذه البلاد الرائعة.

رغم ذلك، ليس من احتفاءٍ أكبر من تشريح ذلك الحدث التاريخي الهائل، ومحاولة البحث عن أسباب ما حدث.

على عكس السائد، وعامداً متعمداً، سأبدأ من حيث أخطأ الثوار، أولئك الذين ما انفك العرف العفوي الشعبي- الشعبوي السائد، يُحرِّم تناولهم أو انتقادهم. ويشتم "المعارضين" باسمهم: نحن "ثوار"، وأنتم "معارضة"! وكلمة "الثوار" هنا تغطي معاني ومقاصد مختلفة أيضاً. فما زال بعض "الثورجيين" حين يذكر "الثوار" في الوضع الراهن، يقصد بهم أولئك المقاتلين على الأرض الباقين ومن حولهم، في الحالة التي آلت إليها الأوضاع، وعلى الرغم من أن هنالك على الأرض من هم ما زالوا يحملون الشعلة في يدٍ، والجمرة في اليد الأخرى، إلا أنني أستهدف تلك النجوم البارقة في السماء( أو في أرض الله)، الذين قادوا الانتفاضة منذ أيامها الأولى حتى سادت فيها النيران الحمراء والسوداء. أولئك هم الأقرب إلى أن نعتبر المساس بهم من التابو أو المحرم، ولن نفعل بعد الآن!

جاء الرواد من بين ملايين الشباب السوريين الذين عاشوا نظام عائلة الأسد وهو مستقر ثابت، تغلغل لعقود في آصغر شريان دم في جسم المجتمع السوري، وصنع شبكة عنكبوتية هائلة تشكل أجهزة الأمن قوتها الضاربة في كل مكان: مدرسة ومصنع ومزرعة، قرية وحي ومدينة. في ذلك المجتمع، اشترط الأسد على القوى الحليفة له ألا تعمل في صفوف الطلاب والجيش، فقطعها عن السياسة لتختنق بالتدريج، في حين كان يُدخل كل "الجماهير" في منظومته الشاملة الشمولية بتفريعاتها المختلفة. جيل الثورة عاش طفولته وفتوته لا يعرف ما هي السياسة، لولا أن اكتشفها كثقافة إكزوتيكية ونظرية من وسائط الميديا المعولمة. وبانفتاحه عليها، أكل ذلك الجيل تفاحة المعرفة، وانتظر فرصة ليقتحم المستحيل.

أولئك الشباب والفتيان ثاروا بتعطش هائل، وانطلقوا من القمقم كمارد أسطوري، وكانت لهم أخطاؤهم، ولا يجعلها مجرد أخطاء عادية إلا كونهم معذورين في ظرفهم ذاك. وإن قيل "شباب وفتيان" كثيراً، فلا ننسى أبداً تلك الفتيات والشابات الثائرات، اللواتي كن فتحاً مبيناً، ولا زلن، في تاريخ السوريين من أجل التقدم وصناعة المستقبل.

كان موقفهم السلبي من "السياسة" أكبر أخطائهم. بما عرفوه عن سياسات النظام وسياسيي المعارضة، وبما تشربوه على عجل من الثورات التي جاءت مع الربيع العربي، خلقت حاجزاً وهمياً - وأخلاقياً- بينهم وبين السياسة. كانوا يريدون "الثورة"، وطهر الثورة برأيهم لا يحتمل دنس السياسة ولا الملل الذي يوحي به المعارضون الذين عرفوهم. ولعلهم بعلومهم الحديثة كانوا يرون علم الإدارة الحديث، وتدفق الثورة من خلاله، كافيين ليستغنوا عن ممارسة السياسة. لقد أسسوا تنسيقياتهم واخترعوا مفهومها وآلياتها، ثم وحدوا تلك التنسيقيات، وظهرت "لجان التنسيق" و"اتحاد التنسيقيات"، ولم ير قادتهم ضرورة للعمل التنظيمي المسيس، رغم وجود العديدين بينهم من أبناء وأجواء المعارضة القديمة، ولعل ذلك هو السبب أيضاً. وحتى حين اضطروا لذلك، "تعاقدوا" معنوياً مع مستشارين منفردين يألفونهم ويأنسون إليهم.

في حين أن تلك كانت فرصة مواتية للتنظيم على أساس سياسي وثوري في الوقت نفسه، بتفويتها سيصبح "الثوار" في مرمى النظام وحقل رماياته، وسيكونون في ما بعدُ ضعافاً لا يستطيعون قيادة الناس، ولا يستطيعون انفكاكاً من طغيان المعارضة التقليدية، بالخصوص وبالتدريج مع تحولات الثورة عن حالتها النموذجية الأولى.

وخطأ ثانٍ كان في استسهال الخروج من حول الجوامع التي كانت بالفعل خياراً وحيداً يفرض نفسه. ولكن الدخول فيها، ثم استعارة مفرداتها القادرة على التجييش. ساهم في فتح الباب لعمليات التسلح والتطييف، إن النظر الآن  يأتي من زاوية حادة ومركزة متأخراً لسنوات عن وقته، وذلك غير عقلاني إلى هذا الحد أو ذاك، مع أنه ربما يعكس وقوع كثير من القيادات الشابة أسرى التاريخ، الذي يتعمق دينياً مع ظهور رائحة الدم وطعمه يوماً بعد يوم. والموت يستحضر الآخرة دائماً. أعرف شباناً من الأروع والأكثر حداثة، أَلِفوا صوفياً هنا وسلفياً هناك واستأنسوا إليهما، واعتادوا رباط الأول وجهاد الثاني، مع التدرج في العمق من "الحاج فلان" و"أبو فلان" بأسمائهم وألقابهم العادية، إلى "أبي قتادة" و"أبي طلحة".

خطأ ثالث، عاشه الثوار، حين سئموا بسرعة  بطء الآخرين، وضعف استجابتهم. فغرقوا في دوامة دفعنا ثمنها غالياً. حدث ذلك يوم تأخرت المدن الكبرى، وطبعُها التأخر والحسابات الدقيقة المتأنية، فاندفعوا مع نداء التشهير بتلك المدن ومن ثم تكريس عزلتها وانعزالها، ولا أتحدث إلا نسبياً بالطبع. لقد ساعد ذلك على انزياح الثورةَ إلى الأطراف فالأرياف، حيث يكون الحصول على السلاح وحمله واستخدامه أكثر سهولة وإغراءً.

وغير ذلك، أن الشباب بسلميتهم واندفاعهم واستعدادهم للتضحية، لم يقوموا بما يلزمهم من إجراءات الحماية والأمن والسلامة، فتمكن النظام المتمكن من صنعته من قنص العديد من قادتهم الأبرار، واصطياد غيرهم للسجون فالموت أحياناً تحت التعذيب. في ذلك، خسر السوريون بعض القادة المحتملين الخارجين على أي قياس ومقايسة، الذين هم ثروة وطنية لا تقدر بثمن.

في حين كان للمعارضين خطاياهم، التي لا تغتفر ببساطة ولا تُنسى. وفي الحقيقة، يقع على عاتق تلك المعارضات الكثير من أسباب ما حدث للثورة السورية، وكذلك ما حدث للثوار. طبعاً من دون أن ننسى المرتكبين الكبار، من النظام الفاشي السفاح، إلى المضاربين الإقليميين، الذي يبيعون ويشترون ببساطة في سوق الدم.

ليست المعارضة السورية أساساً بمعارضة، بمفهومها المعروف. وهي رغم تحدّرها من قوى كانت منظمة وكبيرة في السابق، إلا أنها تقزمت وتهلهلت مع الزمن والقمع المتكرر الضربات. ولا ننسى الإشارة إلى أن قوة مهمة من بينهم (الإخوان المسلمين) قد تشردت بالكامل عملياً منذ عقود، بعد موجات عنف وعنف مضاد وطغيان نظام فاجر. ذلك كله يجعل المعارضة السورية ظاهرة غير طبيعية، بمقدار ما يعجب المرء بتضحياتها وصمودها، ينبغي عليه الإقرار بأنها ليست في حالة "تعبوية" يمكن أن تقوم على خدمة "ثورة" بالحقل السياسي.

حتى لو كانت تلك المعارضة أساساً ضحية لنزع السياسة من المجتمع، وضحية للحصار الدائم والإجبار المستمر على الاختيار بين تخفيض سقف شعاراتها وطروحاتها أو دخول السجون وتحمّل صنوف الاضطهاد المختلفة. لكنها بالنتيجة أصبحت رقيقة في كثافة سياساتها، حين تغالي وحين تسالم، وضخمة العجيزة حين تتحرك.

ومن أكبر خطايا المعارضة، التي كان شطرها الديموقراطي هو الأكبر والأهم حضوراً حتى قيام الثورة، الامتناع عن الوحدة والبرمجة بشكل مشترك، ووضع الصراعات الداخلية في مقدمة عوامل التأثير في مواقفها. إضافةً إلى الشغل الحثيث على احتواء الشباب واستيعابهم وإعطائهم "الدروس" بدلاً من مشاركتهم والاندماج معهم والاستفادة من تجربتهم والتسليم بما يحملونه من جديد وحديث ومبدع. في بعض الحالات، أدت الغطرسة والغلوّ- وحتى الطائفية- إلى تكريس ابتعاد الثوار الشبان عن المعارضة، أو إلى الانعزال عنها.

وإن كنا قد تحدثنا أعلاه عن "أخطاء" الثوار، في انجرافهم قليلاً مع موجات الصبغة الدينية أو العنيف في الثورة٫ فإن للمعارضة في هذا الحقل خطايا كبيرة وحاسمة. بعض تلك المعارضة يتبرأ الآن مما فعله ويقوم بتزوير التاريخ عامداً متعمّداً، وينتقد الانقياد- الذي مارسه- مع "الإسلاميين" ودعم استخدام السلاح والتشجيع على احتلال المدن وكل تلك الظواهر التي أودت بالثورة إلى حيث وصلنا من حالٍ يراها العالم حرباً أهلية، أو مجرد صراع بين نظام مستبد وإرهاب طائفي معولم. ينتقد أيضاً مواقفه من ذلك، ولكنه يمعن في تبريرها في الوقت نفسه.

أذكر جيداً يوم مؤتمر القاهرة في الثاني من يوليو/تموز 2012، لحظة الفرصة الكبرى لتصحيح المسار وقطف ثمار الثورة، وكيف كان كثيرون من المعارضين يشحذون ألسنتهم وما في حوزتهم من أدوات وآليات ومناورات من أجل تفخيخ ذلك النجاح وإنهائه، ولم يكن العديد من الإسلاميين وحدهم بين أولئك، بل أيضاً بعض "الديموقراطيين" الأكثر فعالية وتأثيراً!

يمكن الحديث كثيراً عن خطايا المعارضة السورية، ولا غضاضة، ولكن الحديث عن أخطاء الثوار تشوبه غصة ودمعة وبعض الألم، وخصوصاً حين تنهض أمام العين خيالات حية لأولئك الثوار الذين قضوا في سبيل وطن حر ومواطنين أحرار.. هم أحياء بيننا، وسيزدادون حياةً.

ثورة السوريين في تلك الأيام المجيدة لن تموت.. قد تتراجع وربما نرى فيها بعض ملامح الهزيمة أو الفشل، لكنها حية وعميقة جداً، وفيها بذور النصر عاجلاً أم آجلاً، وستزدهر!

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019