غريتا غيرويغ ونساؤها الصغيرات..الركض مع الذئاب في زمن #مي_تو

محمد صبحي

الإثنين 17/02/2020
تركض "جو مارش"، على رصيف نيويوركي، بفستانها الأزرق الداكن، وشعرها الأشقر المائل للحمرة، يقابلها الهواء فيزيد الإحساس باحمرار خدّيها وقِلّة عنايتها بشعرها. تحت ذراعها، تحمل حافظة جلدية تحتوي مخطوطات قصصها القصيرة. لقد باعت للتو إحداها إلى ناشر مشهور، سيشتري في المستقبل قصصاً أخرى لها (أو بالأحرى، لصديقتها المتخيّلة التي تستعير اسمها). ركضُها، كما يمكنك أن تفهم على الفور، هو تعبيرها الخاص عن روح التفاؤل. هكذا يبدأ فيلم "نساء صغيرات"، أحدث المعالجات السينمائية لرواية الأميركية لويزا ماي ألكوت، التي تحمل العنوان نفسه، والذي رُشّح مؤخراً لستّ جوائز أوسكار لم يفلح إلا في اقتناص واحدة منها.


حظيت رواية ألكوت، المنشورة للمرة الأولى العام 1868، بمحبة وتقدير كبيرين، محلياً وعالمياً، وشهدت العديد من حالات الاقتباس والمعالجة في وسائط الفنون المختلفة، حتى أن هناك أكثر من مسلسل "أنيمي" قدّم الرواية التي تحظى بشعبية كبيرة في اليابان. سينمائياً، ظهر أول فيلم مستند إلى الرواية الكلاسيكية في العام 1918، ثم نسخة أكثر شهرة في العام 1933 من بطولة كاترين هيبورن وإخراج جورج كوكور. بعدها بـ16 عاماً ظهرت نسخة جديدة للمخرج ميرفن ليروي، ضمّت في بطولتها إليزابيث تايلور، ثم تلت ذلك اقتباسات سينمائية عديدة وتلفزيونية غير لافتة، إلى أن جاء العام 1994 بالنسخة الأشهر، من بطولة وينونا رايدر وكيرستين دانست وكلير دينس وسوزان سراندون. العام الماضي أيضاً شهد سلسلة تلفزيونية قصيرة من ثلاث حلقات قدمّت حياة الشقيقات مارش الأربع، خلال الحرب الأهلية الأميركية أثناء اختبارهن التنقل بين الحب والخسارة وتجارب النضج.



أحدث نسخ "نساء صغيرات" السينمائية حملت توقيع غيريتا غيرويغ، تأليفاً وإخراجاً. والحقيقة، أنه حين الإعلان عن نية غيرويغ تكييف الرواية لفيلمها الجديد، كان من السهل استدعاء المَثَل الأميركي "إذا لم يُكسَر، فلا تقم بإصلاحه" (ويُستخدم للقول بأنه لا ينبغي محاولة تغيير شيء طالما أنه يعمل بشكل جيد)، وإتباعه بعدد من الأسئلة: كم مرة يمكن إعادة تفسير نصّ روائي من القرن التاسع عشر؟ ألم تتم الإضاءة بالفعل كل زاوية وركن من الرواية الكلاسيكية؟ وهل يمكن أن تأتي ممثلة لتؤدي دور جو مارش، أفضل مما فعلت وينونا رايدر؟ من ناحية أخرى، مع الوضع في الاعتبار أفلمة الرواية على مدار الأعوام المئة الماضية بواسطة سبعة سينمائيين: لماذا لا يُسمح لغيرويغ بمحاولة ثامنة؟

تتابع قصة "نساء صغيرات" حياة أربع شقيقات، ميغ وجو وبيث وآيمي مارش، نشأن في نيوإنغلاند خلال الحرب الأهلية الأميركية، تجمعهن اختلافاتهن: ميغ (إيما واتسون) سهلة الانقياد، جو (سيرشا رونان) صعبة الانسجام، بيث (إلايزا سكانلين) متحفّظة ووحيدة، آيمي (فلورنس بيو) أنانية. الأب هو البطل الغائب، بينما الأم (لورا ديرن) مثال يُحتذى به وتحذير مُجسَّد في الوقت نفسه. يحارب الأب على جبهات القتال الأمامية من أجل بلد أكثر عدالة، بينما الأم، باعتبارها امرأة واحدة فقيرة، تناضل من أجل مستقبل أفضل لبناتها، يتجاوز الأدوار الجندرية الشائعة. الأسرة تدعمها عمّة ثرية (ميريل ستريب) تعيش وحيدة في شقتها. أعز زملاء لعب البنات، والثابت الأهم في طريقهن إلى مرحلة النضج، هو جارهم الشاب اللعوب لوري (تيموثي شالاميه).



تكمن جاذبية الرواية (والسبب وراء العديد من معالجاتها السينمائية) في ثقلين أساسيين: نبرة الأكثر مبيعاً الشائعة بطول القصّ.. وإمكاناتها الواضحة في مسألة معرفة المرء لنفسه وتحديد موقعه في العالم، وهذه الأخيرة ساهمت في اعتبارها رواية نسوية في وقتها. بطريقة ما، لويزا ماي ألكوت هي النسخة الأميركية من جين أوستن. في روايتها، تسأل كل تلك الأسئلة التي لم تتمكن أي امرأة من تجنّبها حتى اليوم: من يُعرِّف الأنوثة؟ ماذا يحدث عندما تصطدم أحلام الطفولة فجأة بالأعراف الاجتماعية؟ إلى أي مدى يصل المرء في استعداده دفع ثمن حريته الفردية؟ هل الزواج تعهُّد توافقي أم تسوية وحلّ وسط؟

في المعالجات السينمائية السابقة، أخذت "نساء صغيرات" منحى كرونولوجياً ثابتاً لتطورات حياة بطلاتها: أربع فتيات يصبحن نساء، ثم زوجات، ثم أمهات. هذا يعني، في كثير من الأحيان، مشاهدة البطلات الأربع وهن "يقصقصن" أجنحتهن ببطء، لتأتي في النهاية نتيجة محتومة تقضي بزواج الشقيقات الأربع. لكن غريتا غيرويغ تبدأ فيلمها من منتصف الرواية، في لحظة تبدو اعتباطية، كما لو أن اختيارها نتج عن فتحها، بطريق الخطأ، صفحة عشوائية من الكتاب. في الواقع، كانت القدرة على التنبؤ بالأحداث أكبر خطر يواجه الفيلم الجديد. لماذا، يسأل المُشاهد بينما يتابع اللقطات الافتتاحية، تعيش جو مارش في نيويورك في منزل ضيافة مليء بالرجال وتكسب عيشها من كتابة قصص قصيرة؟ يتطلب الأمر استعادات، تنظمها غيرويغ برقّة، لفهم كيف أصبحت جو امرأة مستقلة وما العقبات التي كان عليها تجاوزها لتصبح ما أصبحت عليه.



اللعب مع كرونولوجية سرد القصة، لم يرافقه إجراء مماثل في الجمل الحوارية، فحوارت ألكوت يأتي معظمها في الفيلم كما هي، من دون تغيير. فقط، بسّطت غيرويغ قليلاً من لغة الكاتبة العتيقة، بطريقة تشبه ما فعلته في بقية تفاصيل فيلمها، والمتعلقة بملابس الشخصيات وفضاءاتهم/ن. بصمة غيرويغ، كمخرجة، هي الأكثر وضوحاً في التفاصيل المبهجة، كالجوارب المخطّطة الملوّنة التي ترتديها جو تحت فستانها، أو في لحظات تصبغها بأناقة بلمسة معاصرة، كما في التسلسل الذي يرقص فيه جو ولوري مثل أطفال اليوم.

في صورٍ، مضاءة بدفء ودود، تشبه الحكايات الخيالية، يعيد الفيلم إحياء سنوات مراهقة الشقيقات الأربع، زمن الدعة وخلو البال من الهموم، في منزل العائلة في نيو إنغلاند، الذي يبدو نسخة رائعة من "بيت دمية" متداع وآيل للسقوط. يعرف المُشاهد أنه، حتى ذلك الوقت كانت جو تحبّ أن تتجول وتكتب، لياليَ متتالية، لتنتج مسرحيات تشارك في بطولتها وإخراجها مع ميغ وبيث وآيمي في عليّة بيتهن، وعادةً ما ينتهي الأمر بـ"مشاجرة شقيقات" لأن إحداهن شعرت أنها تُعامل بطريقة غير عادلة. الأدوار الرئيسة كلها في تلك المسرحيات كانت من نصيب شخصيات رجالية، بالطبع.

لم تكن ميغ تزوجت بعد من المدرّس الفقير، ولم تلازم بيث سريرها بسبب المرض، وما زالت آيمي تعتقد أن لديها سلطة على من تقع في غرامه، ولوري، الصبي الحالم الذي ذات يوم سيُقبَل دخوله في دائرة الشقيقات، لم تكن لديه أي فكرة بأنه سيقرر يوماً ما الابتعاد عن جو. ثم هناك أمّ البنات الأربع، التي هي نفسها، بطريقة ما، استعادة داخل الاستعادة، والأصل الروحي للنسوية عتيقة الطراز التي يحتفي بها الفيلم. مراراً وتكراراً، تستخدم غيرويغ، الأم، كشكل أمومي (في معاكسة لنموذج الأب البطريركي)، لتوضيح من أين يأتي جوع الشقيقات لأجل حياة طليقة وهبّات غضبهن المنتظمة على نماذج الأدوار الصارمة. في أحد أبرز المشاهد، تجلس جو وأمها (مدهش ما يجمع بين ديرن ورونان من تشابهات في الشكل) على الأرض، بعد ثورة غضب. تضم جو ركبتيها إلى جسدها، وتقول لها أمها "أنت تذكرينني بنفسي"، فتردّ جو "لكنك لم تغضبي أبداً"، فتقول الأم "أنا غاضبة كل يوم من حياتي".

نشأت ألكوت، وهي مناصرة لحقوق النساء وإلغاء عقوبة الإعدام وظلت غير متزوجة طوال حياتها، في بيئة مثقفة تأثرت بحركة الفلسفة المتعالية الأميركية (حركة فلسفية واجتماعية مثالية تطورت في نيوإنغلاند حوالي العام 1836 كردّ فعل على الحركة العقلانية). مثل جو، كتبت روايات مروعة في سن مبكرة، تحت اسم مستعار، من أجل دعم أسرتها مادياً. وفقاً لمذكرات ألكوت، عملت على "نساء صغيرات" من دون أي متعة حقيقية في هذه المسألة، وذلك بشكل أساسي لكسب المال من كتابتها؛ ربما هذا هو السبب وراء رؤية الرواية الواضحة للغاية في تفاوضها مع القيود الاجتماعية وأسسها الاقتصادية.

يتبع النصّ الذكي لغيرويغ خطى ألكوت، بمشيه وئيداً على الخط الفاصل بين التاريخي والروائي. البيئة التاريخية وأخلاقها المنتمية إلى القرن التاسع عشر يُعاد تشييدها بتفصيل كبير، لكن الأسئلة التي تطرحها جو وأخواتها هي من صلب الحداثة غير المنقوصة. حقيقة أن غالبية الرجال في هذا الفيلم يظهرون كأشخاص واعين بالظرف التاريخي أو كنسخ محلومة من الرجل التقدمي، لا يغيّر المشكلة بل ربما يزيد الأمر سوءاً. حجج أفضل عليها أن تأتي إلى الذهن لتفسير رفض جو الارتباط بالزوجين المحتملين، لوري وفريديرك (تيموثي تشالاميه ولوي غاريل). جو/ألكوت ترفض الإثنين، لصالح شغفها بالكتابة، بينما تختار غيرويغ مصيراً مختلفاً ومفتوحاً لبطلتها.

على عكس التعديلات السينمائية السابقة، تقترب غيرويغ من الشقيقات مارش الأربع، ومصيرهن (الزواج)، بطراوة ورقّة، لعوبة أحياناً وطفولية أحياناً. أو بعبارة أخرى: تأخذ النساء وطموحاتهن على محمل الجد، لكنها تقدّم "فيلم نضوج" موجّهفي بالأساس للمراهقات والفتيات. بالطبع، عليها أيضاً أن تبني قلاعاً في الهواء، لتنهار في نقطة معيّنة، لكنها تفعل ذلك باحترام. قديماً، كتبت ألكوت أن جو ينبغي لها أن تظل الأديبة العانس، "لكن الكثير من الشابات المتحمسات كتبن لي رسائل صاخبة يطالبن فيها بأن تتزوج لوري، أو شخصاً ما، ولم أكن أجرؤ على الرفض والعناد".

في نهاية "نساء صغيرات"، يخرج المُشاهد بانطباع أن بنات عائلة مارش، كل بطريقتها الخاصة، عثرن على طريقة لتحدّي الأعراف من داخلها، من دون ثورات كبيرة أو عيش خارج الإطار. ربما هي معادلة غيرويغ للركض مع الذئاب، في زمن "#مي_تو" وهارفي واينستاين ودعوات أخرى لا تستطيع التفكير إلا في هدم ما هو موجود بالفعل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020