"جوكر" تود فيليبس..مصّاص دماء، يتغذى على أفلام أخرى

محمد صبحي

الأحد 13/10/2019

1
نادراً ما حضر مثل هذا النقاش المحتدم حول فيلم لم تبدأ عروضه بعد، كما حدث مع "جوكر"* تود فيليبس. فمنذ فوزه بجائزة الأسد الذهبي لمهرجان فينيسيا السينمائي أيلول/سبتمبر الماضي، لم يتوقف نقاش وجدل النقاد، ممن شاهدوه في إيطاليا، حول ما إذا كان تفسير الأنا البديلة لشخصية جوكر، آرثر فليك، باعتباره رجلاً مظلوماً، يعد تحليلاً ملائماً للحالة الأميركية المعاصرة أم محفزاً خطيراً لهذا النوع من الرجال البيض المسلّحين. مثلاً، في مجلة تايم، سأل أحد المراجعين مؤخراً لماذا يجب على المرء حتى سرد هذه القصة، في ظل "اختبار أميركا أعمال عنف من قبل رجل مثل آرثر فليك كل أسبوع تقريباً".

احتدم النقاش عندما أصبح من المعروف أن الجيش الأميركي قد حذر أفراده من هجمات  "إنسلز" محتملين (بالإنكليزية Incels، وتعني العازبين/العذريين غير الطوعيين، وهم أشخاص غير قادرين على العثور على شريك رومانسي أو جنسي على الرغم من رغبتهم في ذلك)، بمناسبة العرض الأول لجوكر في دور السينما الأميركية. في النتيجة، يشعر الـ"إنسلز" بالرفض من قبل محيطهم، وغالباً ما يكون معظمهم من الرجال طالبي وصال امرأة لا تأتي أبداً، فيحرضوّن في منتدياتهم الإنترنتية على كراهية الجنس الآخر وبصورة أقل على العنف أيضاً. أحد أمثلة المشهد الأميركي المتوتر بتأثير عرض "جوكر"، هو القاتل جيمس هولمز، الذي كان قد أطلق النار خلال عرض فيلم "ذا دارك نايت رايزس" (2012)، ليحصد أرواح اثني عشر شخصاً في إحدى دور السينما في أورورا بولاية كولورادو. آنذاك، قائد شرطة نيويورك قال بعد الحادثة في مؤتمر صحافي، إن هولمز قد ادعى أنه الجوكر. في ما بعد كشف المدعي العام المسؤول في القضية في كولورادو أن هذا التصريح كاذب. في الواقع، لم يطلق هولمز أبداً على نفسه اسم جوكر، لكن الشائعات الخاطئة ظلت تجوب العالم: المهرّج الخيالي الشرير، جوكر، ألهم رجلاً أميركياً أبيض ليقتل.


2
"هل جوكر مجرد فيلم؟" سؤال طرحته جوزفين ليفينغستون في "نيو ريبابليك"، ولم تكن الإجابة عليه سهلة. منذ ثلاثين عاماً، هي العمر السينمائي لعدو باتمان اللدود على الشاشات، تسوق الجوكر غريزة اللعب العدمي على أنقاض الليبرالية الأميركية. نظرة بسيطة على تواريخ إنتاج وظهور أفلام "جوكر"، كافية لربطها بمراحل عانت فيها الحالة الأميركية من علل وأورام جسدّت مخاوف الشريحة التقدمية من الأميركيين. لذلك كان جوكر دائماً سياسياً، وقراءة أفلامه دائماً هي في صلب تحليل المشهد الأميركي الراهن، والاعتراضات المصاحبة لها أيضاً مفهومة تماماً على ضوء المعرفة بأطياف أميركا المحافظة والتقليدية التي ترى في أفلام مثل "جوكر" تحريضاً مبطناً ضدها وضد مصالحها.

في فيلم تيم بيرتون، "باتمان" 1989، جعل جاك نيكلسون من الجوكر تجسيداً للخوف الأميركي من الخروج على النظام والقانون في بلد لا يتوقف عن تصدير صورته كمثال ملتزم في احترام النظام والقانون (عهد الرئيس اليميني رونالد ريغان). في عام 2008، ابتكر هيث ليدجر أداءه الشجاع في فيلم "ذا دارك نايت" لكريستوفر نولان، وقدّم، بمكياج مبهرج، شخصية أناركية بلا حافز، وقوة مدمرة للطبيعة تبتهج لقتل الناس وإحداث الفوضى (عهد جورج بوش الابن واستراتيجية الفوضى الخلّاقة). في عام 2016، ظهرت نسخة عابرة من "جوكر" في فيلم "سويسايد سكواد"، قدمها الممثل غاريد ليتو، كمستفِز إنترنتي ذي وشوم وهيئة غريبة (نهايات عهد أوباما وصعود نجم دونالد ترامب).

الآن، جاء دور يواكين فينيكس لتجسيد جوكره الخاص. رجل هزيل البنيان، من أبناء الطبقة العاملة، مجروح عقلياً وعاطفياً؛ في تكرار شبيه لما حققه من قبل في "ذا ماستر" (2012) مع بول توماس أندرسون و"أنت لم تكن حقاً أبداً هنا" للبريطانية لين رامساي. المخرج تود فيليبس، المعروف سابقاً بسلسلة أفلام الكوميديا "ذا هانغ أوفر"، لا ينظم "جوكر" كفيلم بطل خارق، ولكن كدراما اجتماعية. بصرياً وموضوعياً، يمثل من نفس معين أفلام أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، خصوصاً أعمال مارتن سكورسيزي في تلك الفترة. ثمة تسلسل بصري كامل من كل من "تاكسي درايفر" (1976) و"ذا كينغ أوف كوميدي" ​​(1982) تحضر أصداؤهما في "جوكر". على سبيل المثال، ظهور الجوكر في برنامج السهرة الكوميدي مع مقدّمه موراي فرانكلين (روبرت دي نيرو) هو إعادة مكررة لفكرة "ذا كينغ أوف كوميدي"، حيث يلاحق ممثل كوميدي غير ناجح (روبرت دي نيرو لعب الدور حينها) مثله الأعلى مقدم البرامج الليلية الشهير جيري لانغفورد ليحلّ ضيفاً على برنامجه ذات مرة.

كأسطورة كوميكسية وإعادة تقليب حكايات عالم قصصي استهلاكي، فإن "جوكر" جيد للغاية. إنه يعمل على المشهد التأسيسي لعداوته مع باتمان بإعادة تفسير جديدة لها، كما يغيّر من نبرته لمسايرة الوضع العالمي الجديد وشحنات الغضب الملبدة أجوائه. بدلاً من السؤال الشعري شبه الوجودي، "هل رقصت قط مع الشيطان في ضوء القمر الشاحب؟"، الذي يقوله "جوكر" تيم بيرتون بابتسامة واسعة؛ نحصل في "جوكر" تود فيليبس على "أنت تحصل على ما تستحقه"، بغضب متفجر ودماء متناثرة. هذا الجوكر الجديد لا يسقط كبرق سماوي يسعى لتدمير العالم، بل هو نتيجة عالم مدمر. لكن لسوء الحظ، يريد "جوكر" أن يكون أكثر من مجرد أفلمة لشخصية كوميكس. وهذا يدفعه للسير في الطريق الخاطئة.

3
من المثير للدهشة فعلاً أن تطمح أفلمة كوميكس معاصر لاستعادة سينما السبعينيات، بإعادة تمركز أحداث حكايتها لتدور في أوائل الثمانينيات. في الحقيقة، هناك سوابق في هذا الصدد، على ندرتها. فعندما أرادت مارفل أن تتخذ منحى أكثر جدية مع الشريط الثاني من سلسلة أفلام "كابتن أميركا"، خرجت بـ "ريميكس" لفيلم "ثري دايز أوف ذا كوندور (سيدني بولاك، 1975)، مع روبرت ريدفورد في دور الشرير. وعندما أراد المخرج جيمس مانغولد، أخيراً، الاستكشاف واللعب قليلاً مع عالم "إكس مِن"، ابتكر فيلماً يشبه ويسترن وجودي مزيّف على طريقة سيرجيو ليوني، هو "لوغان" (2017).


لكن تزول الدهشة قليلاً حين رؤية كيفية عمل سينما السبعينيات في "جوكر"، فاستحضارها يأتي ليمثّل صرخة انفجار ذكورة مهانة ومعنّفة ومظلومة. تصبح فانتازيا العنف الكوميكسي تحرراً من بيئة يعتبرها بطل الرواية غير عادلة ووحشية. بطلنا، آرثر فليك (فينيكس)، خرج لتوه من مصحّ للعلاج النفسي، يعيش مع والدته في مربع سكني من شقق متحللة ببطء في واحد من اشهر أحياء نيويورك الفقيرة، برونكس. يعمل مُهرّجاً بدوام جزئي، يساعد في تشجيع شراء المنتجات المتبقية في محل أفلس صاحبه، ويرفّه عن الأطفال في مركز لعلاج السرطان، ويسعي لتأسيس حياة مهنية كمقدم عروض كوميدية في المسرح والتلفزيون. يخضع لبرنامج تأهيل نفسي، نظري وسطحي، سرعان ما يتوقف نتيجة تخفيض السلطات لنفقات الرعاية الاجتماعية (أصداء سعي ترامب للقضاء على قانون الرعاية الصحية المعروف باسم "أوباما كير"). يتبنّى الفيلم خطة طموحة (وإن فشل فيها كما سيتبيّن لاحقاً) لإجابة أسئلة من نوعية كيف يعبّر آرثر عن ذلك التحوّل الذي سيقوده في نهايته إلى تلبُّس هويته الحقيقية الجديدة كجوكر يقود ثورة عنيفة؟ ماذا يحدث عندما يجتمع مناخ من البرود الاجتماعي مع شخص يعاني اضطراباً نفسياً ويعامله كحثالة؟ يجيب الفيلم على نفسه، في نهايته، حين يقول الجوكر، مخاطباً الجمهور، كما مخاطباً نفسه: "اعتقدت أن حياتي كانت مأساة، لكنني أدرك الآن أنها كوميديا".

لفترة طويلة، ظلت مدينة باتمان، غوثام، عابرة للزمن والمكان، لا يمكن ردّها إلى موقع محدد أو حقبة معينة. لقد كانت بالأحرى فكرة المدينة الجامعة والعصر الحديث، مجسّدة كل ما نخشاه في المدن: المجهول، الإهمال، الجريمة. المدينة التي تدور فيها أحداث "جوكر" يسهل التعرّف فيها على نيويورك فوضوية وعشوائية في أوائل الثمانينيات، مثلما ظهرت في عدد لا يحصى من الأفلام. جامعو القمامة يدخلون إضراباً مفتوحاً، ومعدلات القتل في ارتفاع متزايد، ولا يمكن للناس توقُّع المساعدة الحكومية بفضل تدابير التقشف التي اتخذتها الدولة. في "جوكر" أيضاً، يُستدعى توماس واين (والد الطفل بروس واين، باتمان لاحقًا)، ويأتي كرجل أعمال ذائع الصيت ومرشح لمنصب سياسي كبير، يردد في خطاباته مساعيه لمساعدة الفقراء، وينعت في النَفَس ذاته أولئك الذين لا يستطيعون مساعدة أنفسهم بأنهم"مهرّجون".

4
"جوكر" فيلم مصّاص دماء، يتغذى على أفلام أخرى، بلا أصالة تذكر. يستعير الفيلم كتالوغا قديما عن المناخ الاجتماعي المأزوم وتأثير الفراشة ومأساة الفرد الوحيد المنبوذ، الذي بإمكانه فضّ ملامح عنفه المستعر داخلياً ولفظها في وجه مجتمع بليد، في اقتباس واضح من "تاكسي درايفر" لسكورسيزي. في تحفة المعلّم الأميركي السبعينية، تجعل المصادفة ترافيس بيكل (روبرت دي نيرو)، المضطرب والحالم بتنظيف المدينة من "الحثالة"، بطلاً. يروي جوكر قصة مشابهة في متابعة كيفية إيجاد بطله "الأوتسايدر" (بمعايير القوة والنفوذ) قوته المتمناة التي لم يتمكن من الوصول إليها بالضحك والابتسام. عندما يضحك آرثر فليك (أي عندما يفعل ما أعتقد طوال حياته أنه مخلوق لأجله)، ينفضّ عنه مَن حوله ويسخرون منه ويضربونه. حين يؤذيهم ويؤلمهم، يشاهده الناس ويقلّدونه. يصير بطلاً.

هذا الجانب من الشخصية، يؤديه الممثل الرئيسي يواكين فينيكس ببراعة: ضحكات أرثر الشبحية تتردد في آذان الجمهور لفترة طويلة. لا يمكن السيطرة عليها، إنها تنفجر مكتومة حين تصبح أكثر شيء غير لائق يمكن توقعه، عندما لا يضحك الآخرون، عندما يكون الضحك أمراً غير مرغوب فيه وغير متوقع. هناك بعض اللحظات اللطيفة عندما تسمع ضحك آرثر المندفع من المجموعات الكبيرة، ضحك في غير محله وغريب الأطوار يأتي من شبح متمرد على استكمال فرمه معنوياً في ماكينة الترفيه. فقط، مرة واحدة يمكن أن يضحك آرثر، مصاحباً إيقاع ضحكات الآخرين: في السينما، حيث يؤدي تشارلي شابلن بارويت (pirouette)على الشاشة من فيلمه "مودرن تايمز" (1936).

الضحك الفوضوي وغير اللائق كان دائماً علامة ملازمة للجوكر في ظهوراته السينمائية السابقة. هنا يتم تحويله بوضوح تام إلى عَرَض مَرَضي. يضحك آرثر حين يعاني من شيء، وعندما يشعر بالتوتر، وعندما يخرج عن مسار بيئته، وعندما تعاوده صدماته المختلفة. لكن هذه الضحكات كانت لتكون أكثر إثارة وإيحاء لو لم تكن موجودة لتعزيز فرضية الفيلم الساذجة (وهو أكثر وصف مهذّب في الحقيقة) في ردّ أسباب ثورة جوكر والعنف المنظم (بتعقيداته وغموض أسبابه أحياناً) لعللٍ مرضية وردود أفعال فردية في مواجهة ظروف عيش وضغوط حياتية صعبة. هذا النوع من الإفراط التفسيري يعاني منه الفيلم بشكل عام، ويسهل توقع نفور مُحبّيه المحتملين من ذلك الإلحاح المدرسي على حشو المشاهد بما يؤكد على اضطراب نفسي يعانيه آرثر، في وقت يغيّب الفيلم أي تفسير من جانبه لتسييس ثورة جوكر وانضمام الكثيرين إلى دعوته (؟). فقط، يفسح السيناريو دقائق ملحمية لفوضى عنيفة يتسبب بها غوغاء منقادون بغضبهم وهياجهم ضد السلطة، ثم ينصبّون بطلهم، جوكر، إلهاً بشرياً، كمسيح قائم وسط الخراب الطازج.

5
في عالم "دي سي كوميكس" يمتلك جوكر تواريخ وخلفيات عديدة، لذا فإن التحدث عن أصول الشخصية في حد ذاته مسألة صعبة التحديد. في "ذا دارك نايت"، لجأ كريستوفر نولان إلى الجوكر نفسه ليقدّم حكايته للمشاهد بلسانه (دون تأكيد، وبالطبع بلا أدنى موثوقية لما يقوله)، معتمداً المرجعية الذاتية لبطله كمنبع تفسيري لأفكاره وأهدافه. الأمر الذي خلق أسئلة تابعة، في ضوء عدم الموثوقية وغياب اليقين: هل شخصية الجوكر هي تعليق على الرجل الأبيض المُهان، وعلى البلادة الاجتماعية، وعلى التفاؤل الأميركي المفروض، والتمكين الذاتي للعنف ودوره في الروح الأمريكية؟

لخّص "ذا دارك نايت" شخصية الجوكر بتبنّيه مقولة خادم باتمان ومرشده الأخلاقي، ألفريد بينيورث: "هو لا يمكن شراؤه أو تخويفه أو التفاوض معه... بعض الناس يريدون فقط رؤية العالم يحترق". "جوكر" من ناحية أخرى، يوفّر قدراً أكبر من التفسيرات لتصرفات بطله، ولكن كلها خطيرة في تهافتها الفني. نعم، يقول السيناريو، الأمر عائد للمجتمع، والأمر عائد للوالدين، والأمر عائد للنفسية، وإساءة معاملة الأطفال، والسياسة. في المقارنة بين تفسيرات "جوكر" والاستهجان الموجز لبينيورث، تبدو، ظاهرياً، إجابة الأخير بلا معنى ومعمَّمة في أفضل الأحوال. لكن في الواقع "جوكر" هو الذي لا يقدّم أي شيء على الإطلاق.

 بداية من تصميم الصوت الخاص بالفيلم، المغير بكامل عتاده الموسيقي الكئيب على مواقع وأحداث تتغذى على جنونها الخاص؛ تغزو "جوكر" عدمية هوليوود الرخيصة، التي لا تملك فعلاً ما تقوله، تفسيراً وتعليلاً يفترض وجوده في الأعمال المهمة والمحترمة ذات الثقل، أكثر من أن الناس يسيئون في كثير من الأحيان لبعضهم بعضاً بما يفوق القدرة على علاج أمراضهم اللاحقة. هذا موجود أساساً في التقديم المختصر المصاحب لدعايات الفيلم. في ملخصه الدعائي، يقول آرثر "الجميع مروّعون هذه الأيام"، وقد يكون ذلك مثيراً للاهتمام إذا خرج على لسان شاب غاضب أو مذهول، وليس من بطل فيلم يحاول سرد حكاية تأسيسية لشخصية أسطورية يحمّلها ويرفدها بتفسيرات أكبر منها وأكبر من الفيلم ذاته.

على الرغم من أن عدوان آرثر المتصاعد، يستهدف في المقام الأول الأشخاص الأثرياء البيض المتغطرسين، إلا أنه من المذهل عدد المرات التي يعامل فيها آرثر بشكل سيئ، فالاختصاصية الاجتماعية المجتهدة لا تستمع إليه باهتمام، والأطفال الصغار يسرقونه ويضربونه. في بعض الأحيان، يذكّر "جوكر" بدراما الانتقام "فالينغ داون" (جويل شوماخر، 1993)، حيث يلعب مايكل دوغلاس دور رجل أمن عاطل عن العمل ومحبط من عيوب مجتمعه ويبدأ في مواجهة نفسية وعنيفة ضدهم، ليستمر في القتال طيلة ساعتين بأسلحة يتم جلبها من الجانب الجنوبي من لوس أنجلس. هو أيضاً فيلم عن غضب رجل أبيض عانى الكثير (حتى إن كان خياله جزءاً من تلك المعاناة)، ويجهد صنّاع الفيلم في التمهيد والتأسيس لمظلوميته، يُعامل عنفه الدموي اللاحق كتنفيس وتوابع مظلومية قبل أي حديث عن إدانة.

عندما يحصل آرثر فليك على سلاح ناري من زميل له، يخرجه في شقته ويقوم بتوجيهه إلى جهاز التلفزيون (الذي يعرض في تلك اللحظة، كما يظهر على الشاشة، ثلاثة فنانين أميركيين من أصل أفريقي)، ثم إلى كرسي والدته المفضل، وأخيراً إلى نفسه. أول جريمة قتل لأرثر مسرحها هو مترو الأنفاق، على غرار بيرني غوتز، الذي أطلق النار في عام 1984 على أربعة من الأميركيين الأفارقة العزل واحتُفل به في وسائل الإعلام.

يهم دائماً ليس ما تفعله أو ما تقوله، بل في كيفية فعلك له. جمالياً، يأخذ "جوكر" بوضوح جانب شخصيته الرئيسية، وهذا إشكالي للغاية وانتهازي أيضاً من جانب صنّاعه. في كتابها "أحب أن أشاهد: منازعة طريقي عبر الثورة التلفزيونية" (راندوم هاوس، 2019)، تقول الناقدة التلفزيونية إيميلي نوسباوم إن سؤال الفن هو أيضاً دائماً سؤال حول "ما الذي يأخذه العالم على محمل الجدّ". لذا، فإن "جوكر" فيلم مختلف عليه وموضع شكوك، هيكل فارغ من دون ممثله الرئيسي، استهلاكي ملائم لروح عصرنا بادعائه أن الجميع ضحية، حتى أسوأ المجرمين. فوق كل ذلك، يظلّ تتويجه في فينيسيا، من قبل لجنة تحكيم ترأستها لوكريسيا مارتل، نكتة سخيفة غير مبلوعة.

في الأخير، لماذا يجب أن تٌقدّم طبخة سينمائية فاسدة، بمباشرتها وسذاجتها وتهافتها وتبسيطيتها وانحيازها الطبقي (وعنصريتها أحياناً)، تخلط هوس الرجل الأبيض بالعدمية المعاصرة ومخاوف الأمان الذاتي، في إنتاج سردية مضادة لأسباب الثورات الاجتماعية تمتلىء بعنف دموي غير مبرر، في فيلم هوليوودي ضخم الإنتاج يُعرض في أكثر من 4000 صالة سينمائية في الولايات المتحدة وحدها، ثم بعد ذلك يُمطَر بالجوائز؟

إيماءة بينيورث في "ذا دارك نايت" تقول أنه لا يوجد شيء محدد لفهمه أو استنتاجه بشأن الجوكر. كان ذلك عام 2008، في منتصف الحروب الأميركية لمكافحة "إرهاب" أصدقائها القدامى. الآن، للإرهاب وجهه الأبيض، شاب ونضر ومتباه بعنفه، تتحول هذه العدمية إلى تفسيرات بورنوغرافية لا تقول شيئاً بينما تدعّي تفسير كل شيء.

 

(*) يُعرض حالياً في صالات السينما اللبنانية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019