أفلام نتفليكس اللبنانية: استثناءات قليلة تخترق المعتاد

حسن الساحلي

الجمعة 19/02/2021
أضافت منصة نتفليكس منذ اشهر، 34 فيلماً لبنانياً ضمن استراتيجية توسيع سوقها العالمي. معظم الأعمال سبق أن عرضت في الصالات اللبنانية، باستثناء تلك التي عرضت في مهرجانات (مثل أفلام جوانا حجي توما وخليل جريج) أو منعت من العرض في لبنان ("بانوبتيك"). أتى هذا التطور بعد وقت قليل من تبرع المنصة بدعم مادي - إغاثي للعاملين في السينما اللبنانية بقيمة 500 ألف دولار. 

المخرجون الأكثر تمثيلا في اللائحة هم: مارون بغدادي (خمسة أفلام)، فيليب عرقتنجي (أربعة)، نادين لبكي (ثلاثة أفلام) وهي تظهر في ثلاثة أفلام اخرى كممثلة، إضافة إلى الثنائي جوانا حجي توما وخليج جريج (فيلمان). تجمع اللائحة أعمالاً لا نراها سوية في العادة، بسب انتمائها لنمطين مختلفين من الإنتاج: التجاري الذي يعرض في الصالات المحلية، و"البديل" الذي يتلقى الدعم من مصادر لا تبتغي الربح ويعرض في المهرجانات المحلية والعالمية، علماً أن الاختلاف بين النمطين ليس واضحاً دائماً في لبنان، بسبب حجم السوق الصغير، واضطرار المنتجين لقرع جميع الأبواب.

الفيلم الاستثناء
أكثر من نصف الأفلام التي اختارتها المنصة، يتجه نحو الدراما الخفيفة والقصص الرومانسية المغلفة بالكوميديا، والتي يؤديها ممثلون عرفناهم في التلفزيون، مع استثناءات قليلة. من بين هذه الاستثناءات "فيلم كتير كبير" (2015) الذي يقدم إثارة تشويقية يمكننا الحديث عنها كنموذج لما هو غير موجود في الأفلام التجارية الأخرى.

حقق الفيلم نجاحاً عند صدوره، إن كان من الناحية الشعبية أو في المهرجانات، وقد صنع في مرحلة عندما بدأنا نشهد تنوعاً من ناحية أنماط الأعمال التي أضيفت إليها أفلام الرعب والسوريالية، ورأيناها مثلاً ضمن مهرجان "مسكون". المفتاح لهذا النجاح المزدوج كان تقديم الواقعية السينمائية التي لا نجدها كثيراً في لبنان، مع مستوى جيد في الإخراج، التمثيل، والحوار. المشكلة الوحيدة في الفيلم، ربما، هي نهايته التي تخرج عن منطق الحبكة بشكل عام، وتذهب إلى استنتاجات مؤامرتية ليست في مكانها.   

من ناحية أخرى، يلعب الفيلم على التناقض الموجود في لبنان بين الإتجاهات التي تحملها السينما المحلية. يظهر التناقض مثلاً في علاقة المخرج الناشئ (فؤاد يمين) وتاجر المخدرات (آلان سعادة). في أحد المشاهد، يقول المخرج: "فيلمي يتحدث عن الحرب لكن من دون أن تكون هناك حرب"، ليرد عليه التاجر "بدنا ناخد دكتوراه قبل ما نحضره؟ الناس بتروح عالسينما تننبسط وتتسلى مش تسم بدنها". 



يؤمن المخرج بالسينما اللبنانية "التي تمتلك تاريخاً حقيقياً واعترافاً أوروبياً"، لذلك نجده يعمل على تصوير فيلم وثائقي عن جورج نصر، أول لبناني وصل إلى مهرجان "كان". أما التاجر الذي يتحول لاحقاً إلى منتج، فكل علاقته بالسينما بدأت عند سماعه قصة يخبرها جورج نصر عن عملية تهريب حصلت خلال الستينات باستعمال بكرات الأفلام (التي يُمنع فتحها في المطار)، ليجد حينها حلّاً لتهريب كمية ضخمة من المخدرات، كان قد سرقها من عصابة حاولت قتله.

يتسارع مونتاج الفيلم حين يطلب التاجر من المخرج (الخائف منه بسبب عدم سداده ما يستهلك من الكوكايين)، القيام بهذه المهمة، ما يضع الأخير تحت ضغوط كبيرة، خصوصاً أن التصوير سيتم بإشراف المنتج شخصياً، ومشاركة أفراد عصابته. وجود هؤلاء وتدخلهم في أصغر التفاصيل، يعري المخرج الرومانسي ويظهر الفارق الشاسع بين الواقع السينمائي الذي يريد خلقه، والواقع الذي نراه في الحياة اليومية.

أما القصة التي يريد تصويرها المخرج، فتدور حول علاقة شاب مسلم بفتاة مسيحية، وهو  سيناريو متكرر في الأفلام اللبنانية، استعمل إلى حد الإبتذال خلال العقود الماضية، من أجل إثارة التعاطف في المهرجانات الأوروبية، ما ينطبق على أفلام موجودة في اللائحة التي اختارتها نتفليكس مثل "هلأ لوين" (نادين لبكي)، "اسمع" (فيليب عرقتنجي)، "بيروت الغربية" (زياد الدويري)، "1982" (وليد مونس)، و"غداء العيد" (لوسيان بورجيلي) الذي يعتبر نموذجاً فريداً بسبب قدرته على حشر جميع القضايا الحقوقية والاجتماعية في فيلم واحد!

من السمات التي تجعل الفيلم استثنائياً، بالمقارنة مع الأفلام الأخرى، عمله على إظهار العلاقات الطبقية والطائفية بشكلها الخام وبلا تجميل. فالتاجر الذي ينتمي للفئات الدنيا، يستغل المخرج للترقي طبقياً والوصول لضربة العمر، بينما ينخرط شقيقه في علاقة جنسية مع صديقة المخرج التي مع ذلك، تفضل البقاء مع شخص من طبقتها الاجتماعية. من ناحية أخرى، تُظهر هذه العلاقة المضطربة نموذجاً مختلفاً عن العلاقات العاطفية في أفلام لبنانية في المنصة، مثل "رصاصة طايشة" الذي تبدو فيه الشخصية الرئيسة، كأنها قديسة، ترفض الخيانة ومسكونة بالحب الأبدي، أو "اسمع" الذي يستمر فيه الحب حتى بعد الكوما.



نموذج آخر
الفيلم الثاني الذي يمكن التوقف عنده هو "يوم آخر" لجوانا حجي توما وخليل جريج، الذي يتناول قضية المفقودين لكن من دون ابتزاز المشاهدين عاطفيا كما نرى في أفلام من النوع نفسه (ربما تكون قضية المفقودين هي أكثر ما تطرقت إليه السينما اللبنانية). بالعكس من ذلك، يختار الفيلم هذه القضية لتكون وسيلة للتكلم عن العلاقة المضطربة التي يعيشها اللبنانيون مع ماضيهم وتأثير هذه العلاقة في الحاضر. يركز الفيلم على شخصيتين: أم وابنها يحاولان إصدار شهادة وفاة بحق الأب المفقود منذ الحرب. تدخل في النصف الثاني من الفيلم شخصية جديدة، هي حبيبة سابقة للابن يحاول استردادها، وهي قصة تجد انعكاسها في تعلّق الأم المرضي بابنها وعدم تمكنها في الوقت نفسه من إنهاء تعلّقها بزوجها المفقود.

يركز الفيلم على ديناميات العلاقة بين الأم والابن، المرتكزة على إثارة مشاعر الذنب والاستحواذ، بالإضافة إلى تحميل الابن فوق طاقته. يحضر الأب في غيابه المعمم، ليس فقط في هذه العائلة، بل أيضاً في المجتمع بشكل عام، فهو أقرب إلى شبح يمكن أن تجد آثاره وتشعر بثقل سلطته، من دون أن تراه بشكل مباشر.

يوثق الفيلم أيضاً مرحلة شهدت صعود نجمات الفيديو كليب، اللواتي سيحتللن الفضاء العام، ويكرسن نموذجاً أنثوياً جديداً يشجع على الانعتاق من أحمال الجيل السابق. لا ينفصل صعود نجمات البوب عن مآلات الاقتصاد اللبناني بعد الحرب، الذي يصبح محترفاً في صناعة الوهم في الإعلانات والمجلات والصور البراقة، وذلك كتطور طبيعي للهوية اللبنانية المتمثلة بحلم البلد الخدماتي، الذي سيتحول بسرعة جزءاً من الماضي.

عُرض الفيلم العام 2005 أي في فترة تقع في الوسط بين موجة التسعينات من الفن اللبناني، التي عالجت قضايا عالقة تمنع اكتمال مرحلة السلم الأهلي، وبين مرحلة جديدة يشكل بدايتها اغتيالُ رفيق الحريري وضياع أحلام إعادة الإعمار. يمتلك الفيلم لغة سينمائية هادئة ومكتملة العناصر، تذكّر بسينما روبيرت بريسون وأعمال مخرجين آسيويين وأوروبيين من الفترة نفسها. شارك الفيلم في مهرجانات عديدة، ونجاحه يشكل استكمالاً لما حصل مع فيلم غسان سلهب "أرض مجهولة" (2002) الذي شارك في مهرجان "كان" السينمائي.

ساهمت شركة "قبوط" في إنتاج العمل، ويعود إليها الفضل في المساهمة بتطوير "الفيلم الفني" Art film كنمط سيتقدم بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد زيادة التمويل العربي للسينما اللبنانية. نجد نماذج عديدة من هذا النمط بين الأفلام التي اختارتها نتفليكس، مثل الفيلم الوثائقي "بانوبتيك" وهو الوحيد الذي اختارته المنصة من موجة الأفلام الوثائقية التي ظهرت خلال العقد الماضي (من انتاج "قبوط" أيضاً)، بالإضافة إلى "1982" لوليد مونس، الافلام الروائية لمارون بغدادي وأبرزها "حروب صغيرة" و"خارج الحياة"، و Je veux voir للثنائي جوانا حجي توما وخليل جريج، الذي سيظهر بعد ثلاث سنوات من "يوم آخر" وستشارك فيه احدى أيقونات السينما الفرنسية، كاترين دونوف. بالإضافة إلى "كفرناحوم" لنادين لبكي الحائز جائزة لجنة التحكيم في مهرجان "كان"، وهو ينتمي إلى النمط عينه الذي يريد إثارة التعاطف لتحقيق الاعتراف، وهو ما ينطبق أيضاً على "هلأ لوين" (الموجود أيضاً في المنصة).
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021