"ديالا" والإقطاعي عادل السيوي

أحمد شوقي علي

الخميس 28/03/2019
ثمة قصة حول الإقطاع، سـأحاول إيجازها قدر الإمكان.
في العام 1897، ولما كان الأغنياء، مدفوعين بحمى جنسية، يتزوجون سرًا بمن يصطفونهن من نساء إقطاعياتهم، ثم لا يلبثون أن ينكروا لدى حملهن بوريث يهدد ثرواتهم ومكانتهم المجتمعية، صدرت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، بأمر عال من الخديوي عباس حلمي الثاني، تحمل بين بنودها أول تشريع يلزم بتوثيق حالات الزواج والطلاق في مصر كتابةً، بغرض الحفاظ على ثروات الأغنياء من الضياع بين العامة. وذلك في حين كان الاهتمام ينحصر في التوثيق ضمن فئة قليلة من المتعلمين وكبار الملّاك. لكن المُشرع، الذي يعمل تحت مظلة دولة تضع مصالح الإقطاع كأولوية رئيسة، وصف قراره بحسب النص الذي جاء في كتاب "أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية" لعبد الوهاب خلاف (مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة – ط2/1938)- بأنه سدُّ "في وجه من يحاول ادعاء الزوجية زوراً وبهتاناً طمعاً في المال أو رغبة في التشهير".

ومرت السنون، ومعها تدرج التشريع في تشديد مسوغات إثبات الزواج، من دون اهتمام حقيقي بالحفاظ على حقوق المتخاصمين في قضايا النسب، مدّعين أو مدّعَى عليهم، رغم ما وصل إليه العالم من تكنولوجيا تسهل كثيرًا عملية إثبات النسب أو نفيه. وكأن القانون المصري، الذي عُدّل عشرات المرات خلال تلك العقود المتعاقبة، لايزال منحازًا في أساسه، ومعه المجتمع الراكد، إلى الإقطاعيين.

والحق أنه ولدت، في العام 2017، طفلة، سمّتها أمها "ديالا"، ونسبتها إلى الفنان التشكيلي المعروف عادل السيوي، الذي لم يكتفِ بإنكار نسبها، وإنما أنكر معرفته بأمها من الأساس، رغم أن سماح إبراهيم عبدالسلام، والدة ديالا، تعمل صحافية، تتابع الفن التشكيلي منذ سنوات، أجرت خلالها أكثر من مقابلة صحافية معه، وغطت فعاليات أكثر من معرض تشكيلي عرض خلاله لوحاته.

تمتع السيوي بما أتاحه قانون الإقطاع، واستند في دفاعه عن نفسه أمام المحاكم، بلائحة صيغت أوائل القرن العشرين، ظناً منه أنه في غياب ورقة تثبت زواجه من الـ"مدعية"، فإن المحكمة ستنصفه. لكن متعته لم تدم طويلاً، وكانت المفارقة أن القاضي كان أكثر استنارة من "المثقف" النشيط، وقضى منذ نحو أسبوع، بإثبات نسبة "ديالا" إليه، بعد عامين من الجدل.

وهكذا، انتهت القضية وليست القصة، لأنها، أي الحكاية حول الإقطاع، ليست الخط العريض الذي أشرت إليه في ما سبق، وليست وقائع النكران المؤسفة التي أبداها السيوي. فقصته، وإن بدت في ظاهرها حكاية عن المثقف الذي يتبنى شعارات تنويرية، ويمارس عكسها، هي في الأصل حكاية إقطاعي يرعى مصالحه. ولا يعود ذلك فقط، إلى أن التشكيلي الثري، كان في نكرانه المستمر، يدافع عن مكانته كفنان يحوز سلطة ثقافية، وعلاقات دولية ستتضرر كثيرًا بإثبات علاقته بسماح عبدالسلام، وإنما إلى ما امتلكه من جوقة تدعمه وتؤاز مصالحه، تشبه في أدائها وانحيازاتها، ما ذهب إليه غرامشي، في قوله إن:"المثقفين، بما هم مثقفون، لا يشكلون طبقة مستقلة، بل إن كل مجموعة اجتماعية لها جماعة من المثقفين خاصة بها، أو هي تعمل على خلقها"، وظيفتها -في حالة ما صنفه بـ"المثقف التقليدي"- "القيام لتلك الطبقة بدور أداة الهيمنة ووسيلة السيطرة وتحقيق الانسجام داخل المجموعة".

وبدلاً من أن تتحد الجماعة الثقافية مع ديالا، الطرف الأضعف داخل الصراع، ضد السيوي "الأقوى"، انقسم جزء غير قليل منهم يدافع عنه، ولا يتورع عن اتهام سماح عبدالسلام بتهم "أخلاقية" وضيعة، كان أولها ما استقوه –يا للسخرية- من نصع تبرير مُشرع الإقطاع لقانونه، من أن سماح تحاول "ادعاء الزوجية زوراً وبهتاناً طمعاً في المال أو رغبة في التشهير". ومع كل تطور للقصة، ظهرت خلاله حجج السيوي متناقضة، كان موقفهم يتشكل للدفاع عنه، حتى بات في صيغته الأخيرة أشبه بنكتة، لتناقضه مع قناعتهم وواقع القضية المطروح. إذ تسيد اتهام واحد تقريبًا للأم، بأنها نقضت العقد الذي كان بينهما بعدم الإنجاب (لأنها أيضًا تريد أن تبتزه مالياً)! وكأن المرأة تتكاثر ذاتياً، وتنجب من تلقاء نفسها. وكأن المدافعين، في تلك الحالة الأخيرة، تذكروا فجأة حق المرأة في جسدها، لأنه، وفق ذلك "العقد"، يخدم مصالحهم.

والقصة التي أسردها هنا عن الإقطاع، تشبه في كثير منها ما جرى في العام 1894، أي قبل ثلاثة أعوام من إصدار الخديوي إسماعيل لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، حين حكم على ضابط فرنسي، من الأقلية اليهودية في فرنسا، اسمه ألفريد دريفوس، بالنفي إلى "جويانا" بتهمة التجسس لصالح ألمانيا. وكانت هذه التهمة، بحسب ما سجله محمد عابد الجابري في كتاب "الحضارة العربية... محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد"، موضع شك من طرف عائلته وأصدقائه الذين استطاعوا أن يثبتوا، بعد عامين، زيف الوثائق التي أدين بسببها، فاتجهوا إلى الرأي العام الفرنسي يستنهضونه للمطالبة بإعادة المحاكمة. وانضم إليهم، إميل زولا ومارسيل بروست، وأصدرا مع غيرهم بياناً حمل عنوان "بيان المثقفين"، انقسم بعده الرأي العام الفرنسي إلى معسكرين. أحدهما يطالب بإعادة المحاكمة، وهو "التجمع الجمهوري"، الذي رفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان. وآخر يضم "الوطنيين" الذين عارضوا إعادة المحاكمة وهددوا بالانقلاب. وبعد صراع مرير بين المعسكرين، انتصر الجمهوريون وأعيدت محاكمة الضابط المذكور، وخفض الحكم إلى عشر سنوات سجناً، ثم رفعت القضية إلى محكمة النقض التي ألغت الحكم، وأطلقت سراح الضابط (وهو هنا الطرف الأضعف في القضية)، وأعادت إليه اعتباره، بالضبط مثلما فعلت محكمة الأسرة في مصر، مع ديالا، بإثبات نسبها، بعد صراع مرير لا يختلف عن الصراع السابق في شيء.

إن قصة الطفلة ديالا ونسبها، حكاية طويلة عن ازدواجية المثقف، ليس في ما قد يتبناه من شعارات تنويرية لا يمارسها، وإنما في ما قد يمارسه أيضاً من انحياز طبقي، يجعله على النقيض من وظيفته الأساسية، وهي الانحياز للضعيف، أولاً وقبل أي شيء، حتى ينال حقه أو تثبت إدانته!



©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019