رياض الريس.. رحل وبقي الحلم معلقاً

بشير البكر

الإثنين 04/10/2021
مر عام على رحيل الصحافي والكاتب والناشر السوري اللبناني، رياض نجيب الريس، وهذه المقالة ليست على سبيل الرثاء المتأخر للانسان الذي خطفه فيروس كورونا فجأة، بعدما نجح لسنوات في التعايش مع مرض الفشل الكلوي، الذي كاد أن يشلّه عن الحركة بعدما كان "دينامو" لا يهدأ، ولا يتوقف عن العمل وتوليد مشاريع ناجحة كانت على الدوام ذات نَفَس يسير عكس التيار.

من الصحيفة الأسبوعية "المنار" التي أصدرها في لندن، منتصف السبعينيات، وكانت المطبوعة العربية الأولى التي احتلت مكانها في أكشاك الجرائد في أوروبا، إلى "الناقد" التي تعد أهم مجلة ثقافية عربية صدرت في لندن العام 1989، واستمرت حتى العام 1995، وشارك فيها عدد من الكتّاب العرب مثل زكريا تامر، أنسي الحاج، نوري الجراح، ويوسف بزي، ويحيى جابر، ومن بعدها "النقاد" التي أصدرها من بيروت العام 2000 وشارك فيها على نحو خاص عماد العبدالله. وقال في هذا الشأن إنه "صَحْفن الثقافة"، حيث جاءت "النقاد" مجلة صحافية أكثر من الجريدة نفسها.

وبعدما أغلق مكتبة الكشكول في لندن، انتهى به المطاف في دار النشر التي أسسها باسمه "دار رياض الريس" في لندن العام 1987، ونفلها إلى بيروت بسبب الضرائب والإيجارات المرتفعة: "صرت ناشراً بالصدفة البحتة، والسبب في ذلك أنني عندما فشلت في إصدار يومية ترضي طموحاتي التي عشتها في لندن، بسبب عدم توافر المال، فكرت في العمل البديل". وسرعان ما أصبحت دار الريس، خلال زمن وجيز، من أفضل دور النشر العربية، بل تجاوزت الجميع من حيث سقف الحرية الذي أتاحته، وفتحت المجال لنشر أعمال أدبية كانت دور النشر الأخرى قد توقفت عنها، خصوصاً أدب الشباب غير المشهورين، والشعر.

حين رحل الريس لم يكن شاباً ولا عجوزاً، وهو من الناس الذين لا يقاس عمرهم بعدد السنين، بل بالتأثير والانتاجية، وفي لحظة وفاته كان مقبلاً على العمل بلا كلل، يطارد الكتّاب، ويبحث عن الكتب المميزة، وأمامه مشاريع وخطط وأعمال قيد الدرس قبل أن تعرف طريقها إلى النشر. ورغم أنه تاجر خاسر، فإنه لم يتوقف عن العمل في الصحافة والكتابة والنشر، ومات ولم يترك ميداناً على صلة بالكتابة لم يجربه، سوى الرواية، وكانت بدايته من الشعر إلى جانب يوسف الخال الذي كرس له جائزة شعرية استمرت ثلاث دورات. ولرياض مجموعة شعرية يتيمة "موت الآخرين" (العام 1962)، طلّق بعدها الشعر، لكنه لم يطلّق الشعراء الذين عمل كثيرون منهم معه أو صادقوه. اشتغل صحافياً في جريدتَي "النهار" و"المستقبل"، وأسس صحفاً ومجلات ومكتبة ودار نشر. وفي كل مرة تعرض للخسارة، كان يعود من جديد أكثر عزيمة وتصميماً على توليد المشاريع والأفكار الجديدة. ومن مزايا الريس، التي لا يتحلى بها الكثير ممن عملوا في مهنتي الصحافة والنشر، هي أنه كان يقدم جردة حساب عن مصادر التمويل التي يحصل عليها للمشاريع الكثيرة التي أطلقها.

وفي الكتاب الذي جاء في صيغة مقابلة طويلة أجرتها معه الصحافية السورية سعاد جروس تحت "صحافي المسافات الطويلة"، يتحدث بصراحة عن كل مَن دعموه، والذين ساوموه على مواقفه، والذين طرق أبوابهم أكثر من مرة، ولم يحصل على أي دعم، مثل العقيد معمر القذافي. ذهب إلى الكويت والعراق وليبيا وقطر والإمارات، وقابل بعض زعماء تلك الدول بحثاً عن التمويل! والريس الذي خبر الصحافة في بريطانيا، يعرف أكثر من غيره من الناشرين اللبنانيين، أن أيّ أداء من هذا النوع، تقوم به صحيفة بريطانية، يعتبر انتهاكاً لحرية الصحافة، ويعرض أصحابها والقيمين عليها للملاحقة القانونية، ويتحدث في الكتاب بألم عن فشل مشروعه الأول "لم يفِ أي من الذين وعدوا بالتمويل بتعهداتهم. وهكذا انكسر الدف وتفرق العشاق، وماتت المنار بعد العدد 36".

وكما أشرت، فإن الريس جرب العمل في النشر والصحافة، وسافر بعيداً حتى فيتنام، وأصدر أكثر من ثلاثين كتاباً، ومات وفي نفسه حسرة لأنه لم يحقق حلم حياته الذي بقي يراوده طيلة كل هذه الأعوام والمحطات، وهو إعادة إصدار "القبس"، الصحيفة التي كان يصدرها والده  الصحافي والسياسي الراحل نجيب الريس، صاحب النشيد الذي نظمه وراء القضبان وجاء في مطلعه "يا ظلام السجن خيم - إننا نهوى الظلاما - ليس بعد السجن إلا- فجر مجد يتسامى". وأصدر الأب، طوال ثلاثين سنة، جريدة "القبس" السورية، التي توقفت عن الصدور في عهد الوحدة السورية المصرية العام 1958 حين طاولها قانون تأميم الصحافة. وبذلك انتهت لحظة الحريات في سوريا، ولم يعد من الممكن أن تنشأ داخلها صحافة، كالتي يطمح إليها رياض، ومع ذلك كان طموحه أن يعيد إصدار "القبس" في بدايات وصول بشار الأسد إلى الحكم العام 2000.

ويروي الريس في كتاب "صحافي المسافات الطويلة" الذي صدر العام 2017، قصة المحاولة الأخيرة لتحقيق هذا الحلم، حينما بدأ يفاوض النظام السوري على إعادة إصدار "القبس"، ما جعله يتردد على دمشق التي غادرها فتى ليكمل دراسته الثانوية في لبنان، ويسافر بعدها إلى كامبريدج في بريطانيا من أجل الدراسه الجامعية، ويعمل في الصحافة البريطانية التي تعلم منها ما يتجاوز أصول المهنة، وهو حب المهنة الذي يُعدّ مرضاً لا تصاب به إلا قلة من ممارسي هذا العمل. وتحدث عن مفاوضات عسيرة كان النظام السوري خلالها يتلاعب به، فمرة يعطيه أملاً في الترخيص، وأخرى يوصد الأبواب أمامه، ويحيله من مدير جهاز مخابرات إلى آخر. وفي الخلاصة، يقول الريس، إن "واحدة من أكبر الحماقات التي ارتكبتها في حياتي أني صدقت للحظة، إن النظام السوري سيوافق على إعادة إصدار القبس".

وكان حلم الريس أن يصدر "القبس" في دمشق وبيروت معاً، وبذلك أراد أن يحقق معجزة سابقة لأوانها، تتمثل في توأمة بيروت ودمشق إعلامياً، وهذا أمر غير ممكن في ظل وضع سياسي قائم على الوصاية وسيادة الرأي الواحد ومعاداة التعددية الإعلامية والسياسية. ولم يكن الحكم السوري في وارد الانفتاح الاعلامي والسياسي، وطلب من رياض ما لا طاقة له به، وهو أن يعيد إصدار "القبس" تحت سقف النظام، ولذلك طوى الفكرة، وعاد أدراجه إلى بيروت. ولم يكن النظام راضياً على نهج الريس الذي، حين كان يذهب الى دمشق، التفّ حوله الكتّاب والصحافيون والمثقفون، وانعقدت جلسات نقاش حول الإعلام والحريات في سوريا، وهو ما كان يحرج السلطة في دمشق. بالإضافة إلى ذلك، نشرت "دار رياض الريس"، العديد من الأعمال لكتّاب أجانب وعرب من بينهم سوريون معارضون، وقد تم منعها من دخول سوريا.

وحين نتذكر رياض الريس بعد عام، فإننا نقف على حقيقة قاسية، تحدث عنها في كتابه، وهي الموقف غير الودي من طرف أصحاب الصحف اللبنانية خلال العقدين الأخيرين. فرغم أنه استقرّ في بيروت، إلا أنه لم يعد يكتب في الصحافة، وقد عبّر عن رغبته في مواصلة الإنتاج الصحافي، إلا أنه تعرض لموقف عدائي من الصحف البيروتية، وليس هناك تفسير سوى أنه بات ممنوعاً في غالبية العواصم العربية، كما أن العديد من أعماله بقي في اللوائح السوداء لمعظم البلدان العربية، فلم تُقرأ إلا في أوروبا وبيروت. ونسجل للريس أنه لم يشارك في الفساد الثقافي، وشهدت المنابر التي أسسها مواجهات ثقافية مفتوحة، وبلا حدود أو خوف ومجاملة لنظام سياسي أو ممول، رغم أنه سعى للتمويل، أحياناً، من قبل أنظمة لا تحترم الحرية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021