"بين حبال الماء" لروزا حسن..سينما تسقط من قارب مطاطي

أيهم سلمان

الثلاثاء 25/06/2019
ليس للروائي أن يتخلى عن ما يمسّه، أو أن يقفز إلى قصص بعيدة عن عوالمه، خصوصاً إذا واكبت تلك القصص بدايات تحولات كبرى في البيئات التي تدور فيها. لذلك تُتبع الروائية السورية روزا ياسين حسن، روايتها السابقة "الذين مسّهم السحر" التي تواءمت مع مقدمات الحراك السوري في 2011، بنص جديد أكثر خصوصية، بعنوان "بين حبال الماء" صادر عن دارَيّ سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

"مدينة الإسمنت" دبي، تبتلع البطل والراوي "تموز"، الشاب الباحث عن نافذة توصله إلى هدفه الذي ما زال بعيداً. ففي الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وفي كوبا تحديداَ، مدراس وكليات سينمائية خرَّجت الآلاف من صنّاع الأفلام الذين يتمنى تموز أن يكون واحداً منهم، لذلك ترك سوريا وتوجه إلى دبي للعمل فيها، كمحطة عبور، تصور أنه سيجد فيها المال على الرصيف، ليحمله ويسدد بها نفقات أحلامه.

رغم قسوتها وآليتها، إلا أن دبي التي تضم نماذج لجنسيات وألوان من مختلف أصقاع الأرض، أتاحت لتموز فرصة التعرف من كثب، على شخصيات مشابهة لأبطال الأفلام التي شاهدها. فقصصهم تقاطعت مع قصصٍ ألِفها، لذلك سهّل عليه تراكم السينما في ذهنه، التعامل مع مختلف تلك النماذج، منذ أن كان عاملاً في أحد فروع سلسلة مطاعم للوجبات السريعة، يستدين من صديقه ليشتري حاسوباً صغيراً يدس رأسه في نافذته المضيئة، كي لا ينقطع عن عالمه السينمائي الحقيقي، حتى بلوغه منصباً مهماً في شركة عالمية للهواتف المحمولة، فيصبح قادراً على شراء الكثير مما لا يحتاج، متقمصاً في كل مرحلة شخصية جديدة تتكيف من وضعه القائم، ليحقق مزيداً من النجاحات التي لم تكن تعنيه في الحقيقة، إنما كانت سبيلاً مفروضاً للوصول إلى وضع جديدٍ لا يشبه وضعه القائم في شيء.

لم يقطع كل ما مر به تموز في دبي، حبله السري مع حياته السابقة، إذ يستعيدها أيضاً كشريط سينمائي طويل. جدّه الذي رعاه بعد وفاة والديه، والفتاة التي أحبها في قريته الصغيرة وأُبعدت عنه بعد اكتشاف علاقتهما، وموجودات غرفته القديمة التي كانت أشبه بمتحف سينمائي صغير. لكنه غالباً ما يستفيق على واقعه الراهن المحكوم بتراجيديا الجمود والسكون، والذي لن يكسره شيء سوى أن يتلقى أنباء عن تغيرات كبيرة بدأت تظهر في بلاده، سوريا التي لم يكن شغوفاً بها قبل ذلك، ولم يفكر بزيارتها حتى.

السينمائي في تموز يعيده إلى بلاده، فلم يستطع البقاء بعيداً من أرض الحدث. لم يتنبه سابقاً إلى دراما الواقع، وأن لها جاذبية مساويةً للدراما الافتراضية المُتخيَّلة. لماذا عليه أن يجهد خياله في ابتكار قصص جديدة، بينما تحرك الأحداث المحمومة قصصاً يمكن أن يقابل أبطالها وجهاً لوجه. ليس له إلاّ أن يشغل الكاميرا ليلتقط تعابير وجوههم، وتفاعلهم مع أبطال آخرين، ويخزن كل تلك الصور ليصنع منها فيلماً وثائقياً أو أكثر.

مجدداً يقرر تموز الفرار من بلاده، بحثاً عن طريق جديد، لا يخشى الآن فقط على حياته التي قد يخسرها بقذيفة طائشة، بل يحاول إنقاذ ساعات من المواد الخام التي سجلها بكاميراته. ليس له سبيل لتحويلها إلى فيلم سينمائي، إلاّ الخروج بها إلى مكان آمن. قد تكون أوروبا حلاً جيداً بعد عدوله عن فكرة السفر إلى كوبا، فالسينما الأوروبية لها بريقها، والطريق إلى هناك أصبح متاحاً الآن ولو بطريقة غير شرعية. كل ما يكلفه الأمر حقيبة على الظهر فيها كنزه البصري الصغير، وقرار سريع بالمغادرة.

في عرض البحر تبلغ قصة تموز ذروتها، فهو وكنزه الآن مهددان بالغرق، بعدما انقلب القارب المطاطي الذي ينقله إلى حلمه. وفي لحظة، تحول من بطل طموح يصارع لينجو بقصص في حقيبته، إلى قاتل -كما قيّم نفسه-، حين دفع امرأة وطفلها بعيداً عنه لينجو بمفرده، مصدوماً بردّ فعله الأناني، ومفجوعاً بخسارته الكبيرة وهو يرى حقيبته وقد بدأت تبتعد عنه باتجاه القاع.

الهوس السينمائي الذي رسم ملامح شخصية بطل الرواية، أصاب قبل ذلك كاتبتها روزا ياسين حسن. فلا يخلو حوار أو حدث أو ملمح، من إشارة وإسناد إلى مشهد أو شخصية في فيلم عالمي، وكأنها مادة بحثية تحيل كل الاقتباسات الحسية والبصرية إلى مصادرها، فليست الشخصيات فقط من لها قرين في فيلم ما، بل اللحظات وردود الأفعال، والإيماءات كذلك.  
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021