نزع الأقنعة

روجيه عوطة

الأحد 04/04/2021
يحيل المشهد الكوروني، ومن ناحية عنصر أساسي فيه، أي القناع، الى المقولة الشهيرة، التي فتح ديكارت فلسفته بها، أي "أتقدم متقنعاً". فحالياً، مع ارتدائنا جميعا للأقنعة الوقائية، يبدو أننا نحذو الحذو الديكارتي، ونحقق مقولته على نحو يومي. وخلال ذلك، نبرز أن "مسرح العالم"، الذي تحدث الشكّاك عن تقدمه متقنعاً عليه بعد أن كان متفرجاً، يقع أينما كان. ومردُّ ذلك، ليس وسعه، أو انبساطه، إنما الفيروس، الذي لا يمكن ضبط حركته، ولا انتشاره. فهذا الفيروس أعاد، وبشكل من الأشكال، هندسة العالم على طريقته، مثلما حدد علامة بعينها تدل على الوجود فيه، أي القناع. فحين يحضر القناع في رجاء ما، فهذا يعني أن هذا الرجاء هو من العالم، أما، وحين يغيب منه، فلا يعود الرجاء من عالمه ذاك.

ربما، من هنا يمكن التوقف عن القلق من هؤلاء الذين يباغتونا، وفي أثناء حضورهم على مقربة منا في الشوارع والمحلات، بنزع أقنعتهم. إذ يصدر هذا القلق، بدايةً، عن مخالفتهم قانون العالم الذي نعيش معهم تحته، والذي يستلزم منهم ألا يتوقفوا عن التقنع. ولهذه المخالفة أثران. الأول هو فك الأرجاء التي نتقاسمها وإياهم عن العالم، كما لو أنها لا تعود تنتمي اليه. والثاني هو خرقها في حين انتمائها له. الأثران هنا متطابقان، وهما يجعلان من أرجائنا تلك شبيهة بخشبة "المسرح"، التي، وفي حين أننا نتقنع عليها، و"نتقدم" في التمثيلية عليها، ثمة بيننا هؤلاء الذين ينزعون أقنعتهم، ونتيجة ذلك، يقدمون على تعطيلها. كما لو أنهم أقلعوا عن التأدية على الخشبة في وقت التمثيلية، وفي وقت وجودهم داخلها، وفي وقت أننا، وعلى عكسهم، نواظب عليها. وبذلك، هم علّقوا المسرح، وبالفعل نفسه، وضعونا في موقف حرج.

هذا الموقف يتعلق بكوننا، وعلى المسرح، نفعل ما يطلبه مؤلف مفترض، كالدولة وغيرها. فحين ينزع هؤلاء أقنعتهم إلى جانبنا على الخشبة، نبدو، وفي عين ذلك المؤلف، كأننا في ما يشبه دائرة الاتهام. فلأننا إلى جانب نازعي أقنعتهم، اي في العالم معهم، حين يقدمون على فعلهم، يظهروا كأنهم لا يكترثون بنا. بالتالي، وفي عين المؤلف، نحن لا ننفذ قانون التقنع، لا نسهر على تنفيذه، إلى درجة ان ثمة بيننا من يخل به. واخلالهم به هذا يحيل الى اننا نسمح لهم بذلك، بمعنى انهم، وحين نزعوا اقنعتهم، فهم فعلوا هذا لأن لا مشكلة لدينا فيه، لا بل اننا من الموافقين عليه. بالتالي، حين يتهمنا المؤلف اياه بأننا على هذا الوضع، لا بد لنا من التفاعل مع نازعي الأقنعة بطريقة تشدد على شجبنا ما فعلوه، وعلى دفعهم الى التقنع من جديد. وهذا، لكي لا نبدو كأننا نشجعهم، أو لكي لا نبدو أننا نغض الطرف عن مخالفتهم القانون الصحي. بالطبع، من أجل ذلك قد نعمد إلى الإبتعاد عنهم أو إلى تأنيبهم، ولكننا، ومهما فعلنا، سيحضر نازعو  الأقنعة باستمرار على المسرح.

بهذا، نبدو، وفي الغالب من الاحيان، كأننا لا نميز بينهم وبين الفيروس، بمعنى أننا نجعل فعلهم بمثابة ركيزة الكورونا، ركيزة انتشاره. فما ان ينزعوا اقنعتهم حتى نحسب ان الفيروس سينتقل الينا مباشرة منهم، وهذا، حتى لو لم يكونوا مصابين به. فأن ينزعوا الأقنعة، فهذا يرادف نقلهم الفيروس لنا. ربما، سبب هذه المرادفة ان نازعي الأقنعة كالفيروس في عالمنا، بمعنى أننا لا يمكن السيطرة عليهم، ولا جعلهم يختفون. إذ أنهم يقدمون على فعلهم فجأة، فيصعب توقعه، مثلما يصعب توقيف حصوله، فما ان يتقدموا متقنعين، حتى يعودوا عن ديكارتيتهم، أو يكفوا عنها. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021