هكذا غنّت الحمرا ضد القمع... و"بكرا الصبح معركة الحريات"

منى مرعي

السبت 10/08/2019
بينما كان شربل خليل ينثر تغريداته السامة في "تويتر"، منذ الساعة السادسة مساءً، كانت مجموعة من الشابات والشبان تعمل بجهد كبير وكثيرٍ من الصمت لإطلاق حفلة "9 آب: صوت الموسيقى أعلى". وبالتزامن مع ذلك، نظمت مجموعة أخرى من اللبنانيات واللبنانيين أتوا من كل المناطق اللبنانية مسيرة تضامنية من بدارو إلى شاتيلا دعماً للشعب الفلسطيني ولاستمرارية حراكه ليس رداً على "قرار وزير العمل الجائر فحسب، بل دعماً للوجود الفلسطيني بكرامة في لبنان، بالرغم  من سنين التهميش الطويلة".


آريسكو بالاس... وصول
إنها الساعة والنصف مساءً. يبدو تقاطع الآريسكو بالاس مكتظاً من بعيد: الآليات العسكرية تحتل جزءاً يسيراً من المكان، وجموعٌ غفيرة من الناس من كل الخلفيات والأجناس والأعمار تحتشد على امتداد الرصيف المؤدي الى مدخل الآريسكو. قد يعتقد المرء أنه لدى اجتياز المدخل قد تخف تلك الحشود، ذلك لأن سبب تواجدها على امتداد الرصيف يعود لإقفال باب المدخل بحد ذاته بداعي تدابير أمنية أو تنظيمية وهذا ما لم يكن. استمر رهط الجموع حتى الدخول الى المسرح الذي لم يكن قد بدأ استقبال داعمي مشروع ليلى بعد. التمارين التقنية مستمرة على الخشبة وأنا أنظر الى المكان: كيف سيتسع هذا الفضاء لكل هذه الجموع في الخارج وهو منذ الآن بدأ يوحي بالاكتظاظ؟


"ما بدنا بي الكل... ولا خي الكل"
تستحق هذه الجملة الرنانة أن تكون الأكثر نفوراً وتداولاً بين مقولات ندى أبو فرحات وبديع أبو شقرا مقدمَي الحفلة. ذلك لأنها تمثل الرفض الكلي لمنظومة أبوية بطريركية سلطوية تمثلها السلطة بكافة تمظهراتها ولا تحصر فقط بعبارة "بي الكل" التي يحبذ استخدامها محبو العهد اليوم. وهذا أكثر ما ركزت عليه كلمة الافتتاحية التي تلاها الممثلان الجميلان بجرأتهما (كممثلين وفنانين كثر آخرين). ليس مبالغة إن قيل أن "مشروع ليلى" قد نجح، من خلال داعميه وهذا الأهم في الأمر، في جمع كافة القضايا الإشكالية من دون أي تمييز أو تفضيلٍ أو تنصيب أولوية لقضيةٍ على أخرى: لوهلةٍ قد تبدو حرية التعبير تفصيلاً صغيراً أمام ثلة المطالب والتلميحات التي جمعتها حفلة 9 آب والتي طمحت إلى بلاد لا يموت فيها الناس على أبواب المستشفيات، ولا تُحرم أمٍ من أولادها بسبب قوانين رجعية، ولا تنتحر فيها عاملة هروباً من العنصرية. بلاد خالية من السلاح بلا ضوابط وسانحة لحرية بلا ضوابط. بلاد مرحبة  باللاجئين حيث لا نكون "عنصريين بلبنانيتنا.. بدنا نكون أحرار شو ما كانت جنسيتنا... الكراهية عنوان هذا النظام، القمع هو أسلوبه والإقصاء هو منطقه... المنع أصبح قاعدة النظام القائم". 


رسالة مشروع ليلى
لم تبتعد رسالة "مشروع ليلى" التي تمت قراءتها من قبل جمانة تلحوق عن خطاب منظمي الحفل الذي كان أقرب الى المانيفستو منه الى مقدمة حفلة موسيقية. تجد فرقة "مشروع ليلى" أن هذه الليلة- التي كان من المفترض أن تحتفي بميلاد الفرقة العاشر-  تتعدى حكاية المنع بل هي "نضال لمستقبل يسمح بأبسط الحريات"... ليست الليلة فقط عن الموسيقى. بل هي سعي لمحاربة الإرهاق السياسي وهذا ما تفخر به الفرقة وشكر أعضاء مشروع ليلى كل من يحاربون لأجل هذا البلد. محاربة الإرهاق السياسي. يا لها من عبارة. 


الجمهور: لقطة أولى.. وأبدية
منذ بدء الحفلة، كان لافتاً حجم وقدر وقوة التماهي بين منظميها والمشاركين فيها من جمهور. تلك اللحظة التي ترى فيها العين علم المثلية محمولاً يجاور علم فلسطين يجاوران يافطة كبيرة آتية مباشرةً من مسيرة شاتيلا كتب عليها "كامل الحقوق المدنية والإقتصادية والإجتماعية للاجئين/ات الفلسطينيين/ات" تليها لحظةٌ أخرى تتناقل فيها الأيدي تلك الأعلام واليافطات على مدار الحفلة بحيث تنتفي وظيفة تلك الأخيرة كـ"مؤشر هوياتي" يحدّد خطوطاً ويرسم حدوداً... الأعلام المتجاورة هنا التي تناقلتها الأيدي تصبح أثيراً نتنفسه جميعاً ونتشاركه بحب ورضا.  العين تسجل كل شيء، كذلك الكاميرات. تلك اللقطات الأيقونية التي التقطها العدسات الذكية  ستعجز عن التقاط تلك الطاقة الغريبة المفعمة بكثير من الأمل والفرح والأهم من كل هذا الخالية من أي شعورٍ بكراهية تجاه أي إنسان لا يشبهنا. كنا آلاف الاشخاص في الأريسكو وخارجه، لا نشبه بعضنا بعضاً: منّا المثلي، ومنّا متباين الجنس، ومنا الليبرالي ومنا اليساري المتطرف، ومنا ذوو الاحتياجات الخاصة أو ذوو الهمم – المصطلح المفضل لي، ومنا من يشرب الكحول ومنا من يصلّي ويخشى معاقرة الخمر، ومنا من يضع الحجاب ويرقص على أغاني "مشروع ليلى" كأنه في حضرة ذِكر، ومنّا أتباع Heavy metal الذين يكررون الحركة ذاتها ويرقّصون رؤوسهم كأنهم هم أيضاً في حلقة وجد وذِكر، ومنا مَن يفضل محمد عبد الوهاب، منا المدني ومنا مَن يمثل قوى الأمن والعسكر... كنا كلنا على اختلافنا جزءاً من هذا الـ"منا". كتلةٌ واحدة وركن تجانسها الأساس هو كل هذه التناقضات التي رغم وجودها كانت قادرة على تأمين مساحة آمنة لنا جميعاً للتعبير وللتنفس من دون إخضاع طرفٍ لآخر وبلا حسيب أو رقيب لتنوعنا وبلا فروض ولاءٍ وطاعةٍ لأحد وبلا إملاءات سياسية أو أيديولوجية من أحد.   


خشبة المبعدين
ما يزيد عن ثلاثين فنانةً وفنانا، توالوا على الخشبة ومعظمهم استهلّ مداخلته الفنية متوجهاً إلى الجمهور وصارخاً "ما أحلاكن... ما أجملكن". تدافعت الفقرات من فريدا شهلاوي الى زياد سحاب الذي غنى أغنية "من غير ليه" لمحمد عبد الوهاب، مذكّراً بأنها أيضاً منعت من الأزهر وفرقة Blaakyum التي حوربت مراراً كونها من فرق Heavy Metal التي قدّمت أغنية "العين موليتين" كفعل مراوحة وتلاقح بين الفولكلوري والمعاصر الذي اتُّهم أنه شيطاني. في "صوت الموسيقى أعلى" جاورت مقطوعة أوبرا بيليني التي غنتها منى حلاق، أغنية "هم هم هم" للشيخ إمام حيث صدح صوت ساندي شمعون، يشاركها سماح أبو المنى الذي بدوره قدم أغنية فيلمون وهبي"بحكي لمين ما كان"، حيث شتم كل سياسيي لبنان منذ زمنٍ بعيد. وكان شادي أبو شقرا يتحدث عن والدته التي أرادت أن يكون مسيحياً مؤمناً صالحاً. وأطلق "الراس" (مازن السيد) أغانيه، كأن الراب الذي يغنيه زخات شعر صارخاً أن البلد لم يعد يحتمل، ورندى مخول ترقص على "للوطن" بينما، مؤسسة سمير قصير سكايز أخذت على عاتقها دعوة جميع الناس أينما حلوا للعب أغاني "مشروع ليلى".

كذلك، كان هناك حضور قوي جداً لـStand Up Comedy تمثل في سبعة فنانين، منهم ناتالي ونادين اللتان عرفتا بـcoffee break، وشادن، وميشال ونويل كسرواني، ونور حجار، وجمال ملاعب، ووسام كمال. لكل من هؤلاء نكهة وأسلوب سرعان ما ينتهيان قبل أن يحضر روي ديب (الذي تولى الربط بين الفقرات والذي منع فيلمه "بيت البحر" من العرض في لبنان سابقاً) ليعلن عن الفقرة الفنية التالية. 


توحد المظلوميات الفنية
لم يكن التاسع من آب رد فعلٍ على "مشروع ليلى" فحسب. كل فنان أو فنانة من هؤلاء تعرض لاضطهاد ما، بشكلٍ أو بآخر، إما لمجرد أن مظهره غريب، أو لأن ممارسته الفنية تعرضت للأبلسة، أو لأنه رُفض من محيطه، ولا أسبقية هنا في المظلومية. انما كان لحضور زياد عيتاني، و"السمندل"، اللذين حوكما ظلماً وقع وجب تذكره. لا أعلم ما هو عدد من يذكرون حادثة تغريم مجلة "السمندل" العام 2010 مبلغ عشرين ألف دولار لأن فناني الكوميكس الذين نفذوها "أثاروا النعرات الطائفية" برسومهم. هؤلاء، كانوا يرسمون رسماً حياً في فترات متقطعة في الحفلة، أثناء العزف، والجامع بين كل تلك الرسوم الجميلة كان ما عبّر عن اختناقنا كأفراد من كل ممارسات القمع. أما زياد عيتاني، فأتى بكل فطريته ليغني لنا "عللي صوتك بالغنا"، بعدما تحدث عن لحظة من لحظات السجن الإفرادي حيث كان يبحث في العتمة الكالحة عن الشيئين الوحيدين الموجودين في الزنزانة: "قنينة الماء وقنينة البول" هكذا اختصر العيتاني حجم البلد ووجهه الحقيقي المنقسم بين اتجاهين..

كيف أخرجت شياطيننا منا؟
كان منظمو "التاسع من آب"، يعملون قلباً على قلب بكل تنظيم وهدوء، لم يهدأوا ولم يكلّوا... اشتغل فريق العمل المصحوب بأكثر من ثلاثين متطوعاً على مدى ما يقل عن تسعة أيام للتحضير لهذه الأمسية وللإستجابة لتلك اللحظة الإستثنائية التي تجمّع حولها كثر. اشتغلوا من دون أي موارد وتمويل وجمعوا مبلغاً بسيطاً (3055 دولاراً أميركياً) عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتغطية بعض التكاليف المتوجبة للحفلة رغم أن جميع الفنانين قدموا خدماتهم بشكل مجاني أو شبه مجاني. ستُذكَر الحالة التي خلقتها حادثة "مشروع ليلى" العام 2019– والتي استثمرت سياسياً وطائفياً لتأجيج عصبيات لكسب مشروعية الحماية، وبالتالي المزيد من الولاء والإنعزالية -  لبعض الوقت. خصوصاً أنها قدمت نموذجاً احتجاجياً ناجحاً يعتمد على الفعل الإيجابي وركنه العمل الجماعي والجمعي أولًا، ولأنها ثانياً أضاءت أكثر فأكثر على عمل هذه الفرقة التي، قد لا يتفق الكثيرون على تقييم جمالياتها إلا أنه من المؤكد أنها حالية مضادة للسائد والمعتاد ومبتكرة.

ومن يدقق في كلمات أغاني هذه الفرقة يعلم مدى التزامها بكل القضايا المحقة. فليستمع البعض الى كلمات أغنية "إني منيح" أو "الحل رومنسي" أو "فساتين" أو "للوطن"... وهنا ربما علينا أن نشكر من نظّم هذه الحملة ضد "مشروع ليلى". لربما علينا أن نشكرهم جميعاً- الأب أبو كسم وسهى قيقانو وشربل خليل- لأنهم جهدوا لإخراج كل هذه الشياطين منا في هذه الأمسية ولم يكن وسيطنا إلهاً يتاجر به، بل كان وسيطنا مجموعة من الآدميين اجتمعوا على الكثير من الحب والتآزر والإيمان: كائن ما كان شكل أو منبع هذا الإيمان، الإيمان بالموسيقى أو بنبي، إنما الجوهر كان واحداً.   

كي لا نقع في سحر اللقطة... الأبدية
حسناً. ربما بالغت قليلاً في توصيف مشهد البارحة الذي كان بهذا القدر من الجمال، لكن هذا فعلاً ما شعرت به. حين ختمت افتتاحية الحفلة، ذكرت ندى أبو فرحات أنه "من بكرا الصبح بدنا نبلش معركة الحريات. حرية مشروع ليلى وحرية كل مشاريعنا". ماذا تعني هذه الجملة وما هي خطواتها العملية؟ هل ستخرجنا من الدائرة المغلقة التي تحصر أي تحرك احتجاجي في دائرة حَدَثيته، وهل سيؤسس التاسع من آب لجملة من التحركات التي تتوارد تباعاً لاستكمال معركة ما أخذه المنظمون على عاتقهم في خطاب المقدمة؟ أو لإستكمال معركة حول جزء من هذا الخطاب؟ حول حماية المثليين الجنسيين؟ أو الفلسطينيين؟ أو حماية السوريين أو اللبنانيين من أنواعٍ متعددة من الإضطهاد مثلاً؟ هل سيجتمع الفنانون والفنانات حول إلغاء الرقابة المسبقة أو الرقابة بالمطلق، مع العلم أن مشاريع عديدة قُدّمت في السابق في هذا السياق، ومع العلم أنه آنذاك قلة من الفنانين من تجمع حول هذه القضية؟ من سيتلقف تلك اللحظة وكيف... وهل ستتشكل كرة الثلج- من قبل كل من شارك البارحة من دون أن تحمل تلك مسؤولية هذه اللحظة للمنظمين فقط- وهل ستُستكمل بحراكٍ فني عفوي إنساني أكثر استدامة؟ 

المشاركون: زياد نوفل، آية عطوي، ليليان شلالا، نصري الصايغ, El-Shaar frida chehlawi, زياد سحاب ورامي بطرس، Gizzmo, Blaakyum, Vladimir kurumilian, منى حلاب، Waynick, Chyno, Blu fiefer, الراس، الراحل الكبير (تعذر غناء الفرقة بسبب سفر أحد الأعضاء)، ساندي شمعون، سماح بو المنى، رندى مخول، وسيم بو ملهم، دانيل، Kozo, Escalier 301 B, Moe Khansa السمندل: رافاييل معكرون، كارلا عواد، ترايسي شهوان، كارلا حبيبي، غدي غصن، نور حيفاوي، كارين كيروز، محمد قريطم...

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019