مروان أبي سمرا.. المجزرة في السودان إثنية وعنصرية أيضًا(*)

المدن - ثقافة

الثلاثاء 18/06/2019
(*) المجزرة في السودان أفظع بأضعاف مضاعفة مما تعلمون وتتخيلون!
هذا ما يرشح عن الشهادات والمعلومات والصور القليلة التي بدأت تتسرب عن عملية فض الاعتصام في الخرطوم. وعلى الرغم من ضآلتها حتى الآن بسبب قطع الأنترنت ومحاولة عزل السودانيين فيما بينهم وعزلهم عن العالم، تشير الشهادات بوضوح لا لَبْس فيه إلى ان المجزرة كانت أكبر وأفظع بأضعاف مضاعفة مما تخيلناه جميعا وَمِمَّا يشير إليه عدد الضحايا المتداول حتى الآن.

لقد أصبح من الواضح أن الجنجويد والعسكر استعملوا فيضاً هائلاً من العنف الوحشي والقتل والاغتصاب والتنكيل، وأن هذا الفيض كان مخططاً وممنهجاً ليس لفض الاعتصام فحسب، وإنما لتحطيم الثورة، وكسر المشاركة الهائلة للنساء السودانيات في الثورة (عبر الاغتصاب)، ولإحداث صدمة كبرى في صفوف الثوار ومناصري الثورة، لإرهابهم وإشاعة  الصدمة والرعب في قلوبهم.

كل الشهادات تشير أن عدد القتلى يتجاوز بأضعاف العدد الذي أحصي حتى الآن، وأن هناك على الأرجح مئات من الجثث جرى إخفاءها والتخلص منها. ومن المؤكد أيضاً أن الاغتصاب كان منهجها وأن عدد حالات الاغتصاب تفوق بأضعاف مضاعفة العدد المتداول. وتشير بعض الشهادات إلى اغتصاب نساء ثم قتلهن، واغتصاب جرحى. وتظهر شهادة نشرتها الـ BBC  إلى قيام أحد الجنجويد باغتصاب شابة بعد أن كانت قد فارقت الحياة.

لكن ما بدأ يظهر ويبان كذلك هو أن هذه المجزرة الكبرى عنصرية وإثنية الطابع أيضاً. 
فمنذ اليوم التالي للمجزرة كانت هناك مؤشرات على قيام الجنجويد باستهداف المعتصمين والمعتصمات الدارفوريين والدارفوريات، استهدافًا عنيفا حرقاً وقتلاً واغتصاباً. لكن ما أخذ يظهر من المعلومات والشهادات يشير أن العنف العنصري الوحشي المضاعف والمكثف لم يستهدف الدارفوريين وحدهم، ولكن أيضاً المعتصمين من النيل الأزرق وجبال النوبة وكردفان وجنوب السودان. ومن المعلوم أن قسماً من المعتصمين كانوا من مناطق النزاعات هذه، ولاجئين إلى الخرطوم ومشردين فيها. ومثّل الاعتصام لبعضهم ملجأ وحضناً وملاذاً. وتشير بعض الشهادات إلى ان العنف العنصري استهدف هؤلا بشكل كبير وقتل منهم أعدادا كبيرة قد تكون مهولة. وجرى على الأرجح التخلص من جثث هؤلاء القتلى ذوي والوجوه والسحنة الداكنة (أو الزرقة كما يقول السودانيون) بتكبيل جثثهم بالحديد ورميهم في النيل بالعشرات أو باقتياد جثثهم إلى أماكن مجهولة. والجدير بالذكر أن هؤلاء اللاجئين والمشردين يصعب إحصاء المفقودين منهم. فهم يعيشون مشتتين بعيدا عن أسرهم وأوساطهم العائلية.

هذا يضع على عاتقنا نحن الأحياء، سودانيين وغير سودانيين، واجبا كبيرا إزاء الضحايا الذين رحلوا قتلا وظلماً بعنف وحشي بربري وعنصري. وحق الضحايا على الأحياء هو أولا محاولة جماعية للكشف عن الحقيقة كلها عبر جمع وتوثيق الشهادات والمعلومات من الناجين. وحق الضحايا هو أيضاً المطالبة من دون كلل أو ملل. ومهما كان حال العالم ( أو ما يسمى المجتمع الدولي) اليوم متغاضيًا وصامتًا لا بد من المطالبة بتحقيق دولي مستقل في هذه المجزرة المروعة، .في انتظار سوق مجرمي المجلس العسكري والقيادات الأمنية إلى العدالة.
إنه حق الشهداء على الناجين والأحياء. 

(*) مدوّنة كتبها الباحث مروان أبي سمرا في صفحته الفايسبوكية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019