خنوم المأزوم في فينيسيا

شادي لويس

الجمعة 17/05/2019
"فلتعش أوقاتاً مثيرة للاهتمام".. اختار بينالي فينسيا تلك العبارة المعروفة في الإنكليزية بـ"اللعنة الصينية"، لتكون عنواناً لدورته الحالية. وليس لتلك العبارة، المستخدمة في اللغات الأوروبية بشكل تهكمي، مقابلاً في الصينية، وأقرب شيء يمكن مقارنتها به هو المثل الصيني: "أن تعيش كلباً في أوقات الهدوء أفضل من أن تكون إنساناً في أوقات الفوضى". ويعيدنا عنوان البينالي هذا إلى واحدة من مقولات هيغل الأشهر، "إن تاريخ العالم ليس أرضية للهناء، فحقب السعادة هي الصفحات البيضاء منه". زمن الاستثناء والاضطراب هو ما يسعى منظمو البينالي أن يلفتوا النظر إليه، كخطر نعايشه، وأن يحتفوا به في الوقت نفسه، كوقت مثير للاهتمام ولتفجر طاقات الإبداع الخلاقة، فهؤلاء الذين يعايشون أزمنة الاضطراب هم وحدهم من يرى التاريخ فيما يُصنع، ويشاركون في صنعه.

الحرب واللاجئون والتلوث البيئي والتكنولوجيا.. كانت تلك عناوين الاستثناء، التي اهتمت بها أعمال البينالي. خارج القاعات، كان عمل الفنان السويسري كريستوف بوخيل، هو الأكثر إثارة للاهتمام ولشعور ملتبس بعدم الراحة. فسفينة الصيد التي نصبت في المدينة، لم تكن مجسماً، بل سفينة حقيقة استخرجت من قاع البحر. كانت السفينة المعروضة قد غرقت بالقرب من ليبيا، وقتل على متنها حوالى ألف لاجئ، حاولوا الوصول إلى السواحل الإيطالية. وفي داخل القاعات، كان من أكثر الأعمال إثارة للاهتمام، هو عمل الصينيَين، صن يوان وبينغ يو، ذراع روبوتيه عملاقة، تعمل بلا كلل، وبلا أي نتيجة، لتنظيف سائل أحمر قانٍ من أرضية القاعة.

ولم يُحرم الجناح المصري، من أن يكون محط لإثارة الاهتمام أيضاً، لكن لأسباب أخرى. فجريدة The Art Newspaper، كان قد اختارت العرض الممثل لمصر، المسمى "خنوم... راوٍ عبر العصور"، ليكون واحداً من أسوأ العروض هذا العام، ووصفته بتهكم بأنه "مقبرة فرعونية متخيلة، من بقايا ديكورات فيلم كليوباترا، لإليزابيث تايلور، مع صف لمجسمات أبي الهول بشاشات على رؤوسها"، وكان الموقع الإنكليزي لجريدة الأهرام المصرية قد نشر خبراً بالمعنى نفسه، قبل أن يحذفه لاحقاً.

ولا يبدو الجناح بهذا السوء في الحقيقة، أو على الأقل يُحسب له أنه يعكس "الأوقات المثيرة للاهتمام" التي تعيشها مصر، وينبش من تحت السطح، أزمة طويلة في منطق الفنون البصرية في مصر، وتحولات سياسات الثقافة الحكومية. فسؤال الأصل في مقابل الحداثة الذي شغل الفن المصري الحديث لوقت طويل، والجدل الأعمق والأكثر انتاجية بين النبش في التراث والمحلي عن لغة بصرية وهوية خاصة وبين الانفتاح على المعولم والمعاصر، تعامل معه عرض "خنوم" بخيال سطحي محفوظ ومتوقع. فصفٌّ من مجسمات للإله خنوم، ووضع شاشات أو أطباق ستلايت بدلاً من رؤوس الكباش، يبدو استسهالاً بيروقراطياً مكرراً أكثر منه عملاً فنياً، هكذا ببساطة العراقة والمعاصرة معاً، الهوية والتقدم في الوقت نفسه. ولا يبعد هذا التصور عن خطاب السلطة الوطني في مصر منذ وقت طويل، وتمثلاته الفنية التقليدية.


كان الجناح المصري، في العام 1995، قد وظف ثيمات فرعونية أيضاً، ضمناً ومراوغةً كعنصر واحد ضمن تشكيلة ثرية لبناء عرضه المبهر، والذي استحق بالفعل جائزة أفضل جناح وطني في دورة البينالي حينها. وفي العام 2011، كانت تراجيديا العرض المصري مذهلة ومأسوية. فالفنان أحمد بسيوني، والذي كان مفترض بعمله الفني أن يمثل مصر في دورة ذلك العام، قتل بالرصاص في أحداث "جمعة الغضب" في ميدان التحرير. وبعد دورة العام 2013، اضحى التراجع في مستوى الجناح المصري جلياً، غالباً تحت تأثير سياسات النظام الحاكم الحالي بشأن الثقافة والفنون. ففرض الهيمنة الكاملة على عمليات الإنتاج الفني، وتوظيفها مباشرة في خدمة الأغراض الدعائية للنظام، حولا الجناح المصري في العام 2017، إلى عرض متلفز متواضع المستوى للسياحة في مصر. أما بيان وزارة الثقافة بخصوص المشاركة المصرية في بينالي العام الجاري، فيتحدث عن "القوة الناعمة" لمصر، وكان الفنان أحمد شيحا، قوميسير الوفد المصري والمشرف على عرض "خنوم"، قد أشار في حوار تلفزيوني له قبل شهور إلى "القوة الناعمة" للفن المصري، وقارنها بالقوات المسلحة، ودورها في حماية الحدود. ولا تبدو تلك الإشارات والمقارنات نتيجة سوء فهم، أو خلط غير متعمد، بل منهجية واضحة لسياسات الدولة الثقافية، تظهر نتائجها جلية.

وبين فوز الجناح المصري بجائزة الأسد الذهبي، في العام 1995، وصولاً إلى العرض المخجل هذه الدورة، الذي يستحق لقب الأسوأ بلا مبالغة كبيرة، يبدو بالفعل أننا نشهد "أوقاتاً مثيرة للاهتمام"، لكن بلا تاريخ يصنع، فقط ننال لعنته للأسف.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019