فنانة النفايات السامة لـ"المدن": هل نريد أن نموت؟

روجيه عوطة

السبت 24/10/2015
قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل أن تستكمل تحصيلها العلمي، ومسارها الفني، اهتمت جيسيكا خزريك بموضوع النفايات السامة في لبنان، متناولةً إياه بأسلوبها الخاص. ذلك، أنها أدت دور المحققة الفنية، التي واظبت على التنقيب والبحث لدرجة فتح ملف "البراميل الزرقاء" على مصراعيه. وقد قدمت حتى الآن عرضين فنيين متعلقين بهذا الموضوع، بالإضافة إلى معرض وبضعة نصوص، عدا عن تأسيس "نادي شهود الزور"، كما تعمل اليوم على إطلاق أرشيف إفتراضي حول مسألة القمامة في لبنان. 
عن عملها، بحثها، مقاربتها، هنا حوار "المدن" مع خزريك..


* ما الذي حملك إلى مسألة النفايات السامة أو "البراميل الزرقاء"؟

- في العام 2013، كنت في صالة عزاء في منطقة "شننعير" (قضاء كسروان)، عندما التقيت للمرة الأولى وأنا لست طفلة بالـ"براميل الزرئ" (الزّرق) حاوية النفايات السامة. فجأةً، وقف رجل لا أعرفه في مكانه وهمّ بالنواح، «"كلّه من ورا البراميل الزرئ، كلّوا من ورا البراميل الزرئ". سرعان ما انضم اليه معظم الحضور يدينون البراميل. لم أفهم شيئا، بدت الفرجة مألوفة وغريبةً على حد سواء. استدرت وسألت النادبة "ما هذه البراميل؟"، لم تجِب، تذكرت شيئاً صغيراً وعلى حين غرّة، سكت الجميع.. إلا أن النادبة، التي كانت جالسة أمامي، أخبرتني أن البراميل وصلت إلى لبنان من إيطاليا، إبان نهاية الحرب الأهلية، بحيث تكدّست في كسّارة شننعير. اكتُشف لاحقاً أنها نفايات سامّة فاختفت فجأةً ودُفنت، وعلى الأرجح، في غابة لا يجسر أحد على وطئها.
أثار الموضوع فضولي، فبدأت في الاستفهام حول الحمولة السّامة من خلال التكلم مع أهلي وأقاربي والساكنين في شننعير والبلدة المجاورة حيث كبرت، أي منطقة "ساحل علما". لم يرغب الجميع في التكلم حول الموضوع. لكن القصص تكاثرت والتناقضات تراكمت. تكوّمت استفهاماتي الخاصة وبعد حادثة النواح ببضعة أشهر، شعرت برغبة في العمل حول فضاء "الغابة". بدأت البحث حيث يُرجح أن بعض البراميل دُفنت. وجدت نفسي أمام جبلٍ غائبٍ وتواريخ معطّلة وذاكرة مأمورة ومفتوحة تعود إليّ، على الرغم من كونها ولدت قبل أن أولد. بعد فترة، وجدت نفسي أستأنف دور وعمل المحققة/ق. خلقت أعمال التنقيب حتى الآن عرضين فنيين وبضعة نصوص، بالإضافة إلى تأسيس "نادي شهود الزور" وأرشيف إفتراضي مرتقب.

* كيف بدأت البحث وما هي آليته؟

- غالباً، ما أبحث بطريقة غير مقيدة، فأزور أمكنة، لأجد نفسي في أماكن أخرى تكون مألوفة وطيفية حتى لو كنت لم أزرها من قبل. أغوارٌ بعيدة تختبئ وراء ملفات، تثير فضولي، وهي غالباً ما اقفلت على مضض. سرعان ما قادتني هذه الملفات الـ"هيستيريّة" إلى ملفات أخرى وثغراتٍ كثيرة فيها وحولها. مثلما أنني أحاول طرح أسئلة بسيطة أتخيل أن بمقدور أي مواطن/ة أن يـ/تطرحها لمجابهة إدلاءات متشابهة، لكن، للأسف، قد تكون لم تطرح حينها نتيجة عصب الحاضر والسياسة "الشائعة". إذ أن الأخيرة تحول أي شهادة وفعل تصريحها إلى مجرد فضيحة، تسطح الحدث والكلام بالتعجب، وتطمرهما تحت التراب أو في قعر البحر. وحتى عندما تصبح الفضيحة "قضية" متناولة في الحيز العام، ذلك، في الفترة الوجيزة قبل أن تُدفن، يجري الحديث عنها من أجل التخلص منها، ولما تضحى ملفاً، يعمد القضاء اللبناني، إلى "سدّه" لا فتحه.
طرحت الكثير من الأسئلة على كل مَن التقيت بهم، وشيئاً فشيئاً أفضت استفهاماتي إلى بحث ميداني وأرشيفي ولقاءات مع شهود مفتعلين وضحايا أو ناجين. انتقلت في البحث من التنقيب الكلامي إلى الميدان إلى أرشيفات الصحف ومطاردة الأرشيفات الخاصة. التقيت الصحافيين الذين حذفوا أو أشاعوا أو كتبوا أو تلاعبوا بالأخبار، وبعض سكان ومستخدمي البضاعة المسممة، والعلماء الذين حققوا ومثلوا ولعبوا وتعاونوا مع الاحزاب السياسية، أو ضربوا وماتوا لاحقاً، هذا عدا عن أصدقاء العلماء وأقاربهم، وعن التجار والمستشارين وأصحاب المعامل التي ساهمت في نشر المواد السامة وسجن العلماء والمحققين.
رحت أكتشف أن لكل واحد من هؤلاء أرشيفاً خاصآ متعلقاً بموضوع النفايات. أصبح هذا الموضوع والإستقصاء عنه "مشروعا" قائماً بذاته، يتطرق إلى مواضيع أخرى خطيرة، تطاول الجميع، ومحورها الدولة والأحزاب اللبنانية، ذلك، أنه وقع في وقت جذري، إذا صح التعبير، أي بين فترة نهاية الحرب وإعادة تدوير البلاد. في هذه الفترة وبعدها، لم يعمل القضاء اللبناني سوى على إغلاق الملفات المرتبطة بالنفايات السامة، والتستر عليها، إلى أن حدث ما حدث مؤخراً، وبانت الزبالة "حقيقة ملموسة". بدت النفايات في كل مكان، وبدت أنها تمثل الزمن وتذكرنا بإنقضائه. وفي مقلب آخر من البحث، شرعت في التنقيب عن مختبر شاهد الزور وكبش محرقته، المحقق نفسه، أي العالم في السموم البيئية والإختصاصي في علم الأدوية الطبيعية د. بيار ماليشيف، الحائز جوائز عدة في العلوم والبيئة. وقد كان اللقاء محض مصادفة، مصادفة لغوية واسميّة أيضاً.

* كيف عمدت إلى تقسيم عروضك المتعلقة بـ"البراميل الزرئ"؟

- ركزت في العرض الأوّل (بداية كانون الأوّل - أواخر كانون الثاني 2015) على انتقال النفايات من معامل ايطاليا إلى الحوض الخامس لمرفأ بيروت ومن ثم إلى الكسارات، والغابات، والأنهر، والمنازل، والبحر، والمعامل، كما المطاعم، وصولاً إلى مشروع إعادة اعمار بيروت، وكذلك باطون الشقّة التي ولدت فيها. ركزت في العرض الثاني (شباط 2015) على المحققين ومحاكمة بيار ماليشيف، عدا عن إعادة تدوير بيروت والعودة المفرطة لنفاياتها.
ساعدني هذا المشروع على فهم سياسات المكان السائدة في لبنان التي لطالما وجدتها عجيبة. قادني إلى تحت-أرضيات كثيرة ومزابل لبنانية لم انتبه إلى رائحتها من قبل. لم يكن بيار ماليشيف عالماً وخبيراً في السموم البيئية والأدوية فحسب، بل كان أيضاً مؤرّخا للزبالة الوطنية. كتب رسائل عدة موجهة إلى الوزراء لحثهم على تفادي كوارث الكسّارات والبناء، كما في حال معمل الزوق، وفوّار انطلياس، ومكب النورماندي، ونهر ابو علي، ونهر بيروت، وغيرها من المستوعبات المتوزعة على طول البلاد. فحمولة المافيا الايطالية لم تكن سوى صفقة من صفقات النفايات العديدة التي استقطبها لبنان سريّاً في أواخر الثمانينات والتسعينات من جهات في إيطاليا وكندا وألمانيا وبلجيكا وإسرائيل وربما غيرها، مقابل مكافآت ماليّة موّلت مشاريع الأحزاب وصناديقها اللبنانية، ودعمت استمرارية استنجاء وعدم تحلّل الوزراء ومستشاريهم الذين طال حكمهم حتى اليوم.
دفنت الدولة وأحزابها ملفات ماليشيف، وعمد البعض الى تفجير صيدلياته، لكنه لم يترك الميدان ولا العدسة أو الصيدلية. كان ماليشيف يمارس عمله البحثي على نفقته الخاصة ويطرح خططاً للمعالجة ويربح الجوائز العالمية تقديراً لأعماله في حقل البيئة والأدوية الطبيعية في الخارج.
من جهتي، وبطريقتي الخاصة، عقدت النية على مواصلة بعض الأبحاث التي وجدتها في مختبره والتي بدأها في الثمانينات والتسعينات. كتبت وما زلت أكتب عنها. سأنشر في العدد المقبل من مجلة «بدايات» المقال الأوّل من ثلاثية، حول حتمية ارتداد النفايات اليوم في وسط بيروت من خلال النظر إلى أول بحث للمجموعة العلمية "سدرا" التي أسسها ماليشيف مع عالمي/محققي البراميل الزرقاء الآخرين: د.ولسن رزق ود.ميلاد جرجوعي، والخطة البديلة التي قدموها إزاء عرض سوليدير لاعادة تدوير بيروت "على جبل من النفايات" قبل تكوينها العام 1993.. عنوانه "تأريخ النفايات: الحلقة الأولى- سدرا والسموم"، سأنشر الشهر المقبل مقالاً آخر، ومقتطفاً من عرضي الجديد في الكتاب الأول لمجموعة الفنية والبيئية "ترادف"، والذي يدور حول نهر بيروت، "الهيئة السكنيّة لفتق التحتأرضى- انجراف مسرح بيروت في جزيرة القمامة". وأحضّر الآن لمعرض جديد سيفتتح في كانون الأول في مركز المصوّر والعالم أدغرتن، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وينتقل إلى بيروت في الصيف، كما أكتب عرضاً جديداً سيقدم داخل مجرى نهر بيروت في الصيف المقبل.

* ما هي أهم الأسئلة التي دفعتك وتواصلين طرحها حيال موضوع النفايات؟

- ما هي الحقيقة الكامنة وراء تسليح الأرض أي تحويلها إلى سلاح؟ اهتممت جدّاً بالشهادة ومفهوم الحقيقة وعلاقتهما بكل من الفن والعلوم والقانون والصحافة. ما هو شاهد الزور؟ هل هو الشاهد الذي رأى أكثر من "اللزوم" أو هل للقضاء معايير لمفهوم الحقيقة تحوّل الشهادة إلى إستحالة؟ ماذا ننتظر؟ كيف يمكننا آن نستعرض حقيقة معلّقة بين الوعد والنفي؟ هل الأرض شاهدة؟ ما هي هذه السموم الصناعية القاتلة ولماذا هي موجودة أصلاً إذا كانت تقتل؟ هل نريد أن نموت؟ وما هي هذه السلطات التي تنشر مواداً كهذه ولماذا؟ ماذا تنفي النفايات وماذا ينفي الزيف؟ كنت أريد النظر إلى السياسات والقوى الشائعة/الجذابة والشرعيّة واللا شرعيّة للغة والأرض. كانت حرباً أهلية وحرباً أرضية أيضاً.

* ماذا عن تلقي الدولة اللبنانية لمسألة النفايات السامة - موضوع مشروعك؟

- لم يتوانَ القضاء عن إقفال الملف واعتقال المحقق متهماً إياه بأنه "شاهد زور"، وحاول تصوير مسألة النفايات السامة على أنها باطلة بأكملها. وقال أحد الوزراء في العام 1994:"براميل، براميل. عيب ولو؟ ما بيصير نضلنا نحكي عن النفايات السامة. إيطاليا اتبرعتلنا بكتير مصاري لإعادة إعمار بيروت، شو منسودلها سمعتها بالعالم؟!". وأضاف وزير آخر: "لازم نسكر ملف النفايات من أجل الحفاظ على صورة لبنان السياحية!". وربما يقولون دائماً "من أجل الحفاظ على صورة لبنان السياحية" كي لا يقولوا: "من أجل الحفاظ على السلم الأهلي".
في كل الأحوال، كانت إيطاليا من أكبر الممولين لإعادة تدوير بيروت، إذ مولت لبنان، وبحسب تقارير شركة "سوليدير"، بـ460 مليون دولار. ومع ذلك، وجدتُ تحقيقات أخرى حول المسألة لم تصل إلى الإعلام تشير إلى أن الضغط الأساسي كان يمارسه النظام البعثي في سوريا لإقفال الملف. فمن العام 1981 حتى العام 1987، نقلت باخرة "زنوبيا" حمولات نفايات سامة من إيطاليا إلى تدمر. لقد دفن النظام الأسدي النفايات السامة في تدمر. وحتى اليوم، تتفق مجموعة مجهولة من العلماء في العالم على أن نفايات كارثة سيفيزو الإيطالية مطمورة في تدمر، وهم في انتظار إعادتها إلى إيطاليا بأنفسهم حينما تنتهي الحرب في سوريا. كما من المتوقع، أن مسألة النفايات السامة استُخدمت كورقة للتجييش السياسي من قبل ميشال عون في وجه القوات اللبنانية.

* كيف تنظرين إلى الحراك الشارعي في بيروت؟

- مستمر. لقد توقف الزمن من قبل. كان الحراك متوقعاً. الحراك ليس غريباً. الدفن والتكوّم والنفي الزمني والمكاني للمواطن والمكان يعود منبعثاً فوق سطح الأرض و"نحن" لا نرضى به. ارتداد الزبالة حتمي وخصوصاً في وسط بيروت المنفي. حالة القوى معقدة جدّاً. عنف السياسة السائدة، الممركز والمسلّح، لا يسمح بالسكن. الصراع حتماً طويل. علّمتنا الثورات وتاريخ التظاهرات اللبنانية انعدام الثقة. لكننا نشهد الآن تعدديّة لم تكن ظاهرة من قبل. نركض سوياً في الشارع لنواجه سوياً من قوى الحظر الداخلي. هذه الـ"سوياً"معقدة لكنها حاضرة. إنها تجعلنا "مندسين"، جميعاً. فالحراك "مندس" لأنه يرنو إلى حال غير مديدة أي غير مألوفة للسيادة اللبنانية. الوقت مهم للتفكير. ربما تحركنا النفايات لأننا نظن أننا نخفيها، لا نريد النظر إليها. تبدو في البداية غامضة لكننا نحن نصنعها. هذا الفعل يبعث على الأسى ربما لأنه يذكرنا بسلبية الاستهلاك المقترض. أتعلّم يوماً بعد اليوم كم الوقت مهم للتفكير المغاير. الذي حدث لا ينتهي وخصوصاً إزاء تسليح الأرض. لا ينتهي، لكن، مَن كدّس نفاياتنا سيرحل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020