هل تنهار إيران؟

أسعد قطّان

الثلاثاء 01/10/2019
يخطئ الذين يراهنون على احتمالات انهيار إيران من الداخل. قد نحبّ إيران أو نكرهها. قد نستسيغ سياستها في الأقليم أو نرفضها. لكنّ هناك أمراً يجب أن نعترف به. ذات يوم، قال لي أحد زملائي في الجامعة: "إذا أردت أن تقنع مجموعةً من البشر برأيك، فثلث المهمة فقط هو ما تقول. أمّا الثلثان الآخران، فهما كيف تقول ومتى تقول". ما يجب أن نعترف به هو أنّ الإيرانيّين فهموا هذا جيّداً. من يراقب سياستهم منذ اندلاع ثورة الملالي، يدرك أنّهم يتقنون لا لعبة الماذا فقط، بل لعبة الكيف والمتى. يعرفون جيّداً متى يتكلّمون ومتى يصمتون. ويعرفون جيّداً كيف يتصرّفون ومتى يتصرّفون. كلّ المؤشّرات تدلّ على أنّهم يدركون أنّ نقطة ضعف السياسة الأميركيّة تكمن في تقلّبها. أمّا هم، فيخوضون معاركهم بلا تقلّب. يدعمون "حزب الله" منذ العام 1982 بشكل غير منقطع. وبالثبات ذاته يخوضون معاركهم في اليمن والعراق وسوريّا. يعطون نموذجاً جديداً في السياسة والحرب، يختلف عن النموذج البريطانيّ أن لا حليف دائماً ولا صديق دائماً. فأصدقاء إيران وحلفاؤها يعرفون أنّهم يستطيعون أن يتّكلوا عليها في الأزمنة الصعبة.

إنّ مَن يراهن اليوم على انقلاب نظام الملالي في إيران، هو كمن يحرث المياه ويحاول القبض على الريح؛ لا لأنّ الناس هناك مغرمون بالدولة الدينيّة، بل لكونهم يعرفون أنّهم لا يمتلكون بديلاً، وأنّ أيّ انقلاب سيستتبع الفوضى وتدمير المجتمع، وهم لا يريدون ذلك. ليس كلّ الناس في إيران متعاطفين مع الدولة الدينيّة. ثمّة فئة كبيرة منزعجة من الضغط الذي يصل أحياناً إلى حدّ القمع. لكنّ الإيرانييّن يدركون جيّداً أنّ الثورة الإسلاميّة حقّقت "إنجازات" ثلاثة: أعادت للدولة القديمة حرّيّة قرارها بعدما كانت ورقة شجر هزيلة في مهبّ الدول، وجعلت منها قوّةً إقليميّةً يُحسب لها حساب، وأدخلتها عصر إنتاج الطاقة، وربّما الأسلحة، النوويّة. لن يفرّط الإيرانيّون في هذا كله كرمى لعيون الولايات المتّحدة. لن يفرّطوا في الأهواز وخراسان وسمرقند من أجل نيويورك وشيكاغو. وسيتصاعد تعاطف الكثيرين منهم مع الحلم الإيرانيّ الذي يتغذّى من التاريخ، وذلك على قدر اشتداد الضغط الأميركيّ عليهم.

ربّما تكون إيران اليوم، إلى جانب الصين، هي "الأمبراطوريّة" الأخيرة في العالم التي تستطيع أن تستشرف المستقبل فيما هي تستذكر تاريخاً ممتداً منذ أكثر من 2500 عام. هل تفقه الدولة العظمى ذلك؟ وهل تدرك أنّ سياسةً لا تقرأ التاريخ ولا تفهم سيكولوجيا الشعوب ولا تضع الأخلاق نصب عينيها، هي سياسة محكوم عليها بالفشل والاندثار؟ هي تعبد تمثال حرّيّة كُتب عليه "صُنع في فرنسا"، فيما الناس بين بحر قزوين والخليج العربيّ يستبقون بألوان السجّاد المصنوع على أرضهم ألوان الجنّة التي لم ندخلها بعد.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019