الحَرَم والجبل

محمود الزيباوي

الأربعاء 08/05/2019
تشهد قلعة القدس معرضاً فوتوغرافياً يختصر التاريخ المعاصر للحرم القدسي الشريف. يجمع هذ المعرض كمّاً هائلاً من الصور، أقدمها يعود إلى العام 1839، وأحدثها لقطات ذاتية تتبع الطريقة التي تُعرف اليوم باسم "سيلفي". وهذه الصور المتلاحقة زمنياً تلقي الضوء على الصراع المحتدم المتواصل في هذه البقعة الجغرافية. يقام المعرض في "قلعة القدس"، في البرج الذي يحمل اسم النبي داوود، ويستمرّ حتى نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

تقع قلعة القدس في الجهة الشمالية الغربية للبلدة القديمة، على مقربة من باب الخليل، وتعتبر من أهم معالم القدس الشرقية، فهي تشكّل البوابة التاريخية للمدينة، كما انها تشكّل نقطة تواصل مركزية ما بين شرقها وغربها. تعود هذه القلعة إلى عهد الناصر محمد بن قلاوون في الحقبة المملوكية، وتحوي أساسات معمارية تعود لفترات سابقة، كما تحوي منشآت شُيّدت في العهد العثماني، وتتميز بأبراجها، وأشهرها برج داوود. في هذا البرج أنشأت السلطة المحتلة "متحف أورشليم" الذي يدأب على إقامة معارض ذات طابع تاريخي، آخرها المعرض الخاص بـالموقع الذي يحمل اسمين، كما يشير العنوان الرسمي الذي يجمع بين الجبل والحرم، أي جبل الهيكل والحرم الشريف.

والحرم الشريف هو المسجد الأقصى الذي ما زال يُسمّى بيت المقدس، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُزار عند المسلمين، ويُقال له ثالث الحرمين، والحرمان هما مكّة والمدينة، وفي الحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، مسجدي هذا، والمسجد الأقصى". جاء في مطلع سورة الإسراء: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير". والإسراء هو الانتقال بالرسول من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. وفي هذا الموقع، اجتمع الأنبياء، ولم يجتمعوا في مكان آخر سواه، وأمَّهم النبي في الصلاة.

والمسجد الأقصى كان أيضاً قِبلة المسلمين الأولى في صلواتهم، إلى أن نزل الأمر بالتوجه إلى الكعبة. بحسب الروايات الإسلامية، كان هذا المسجد، عند فتح القدس، هضبة خالية، في قلبها الصخرة المشرّفة التي عرج محمد من فوقها للسماء ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قِبلة أنبياء بني إسرائيل من قبله. وعلى هذه الهضبة، أمر الخليفة عمر بن الخطاب ببناء المصلّى الذي يُعرف اليوم بـ"الجامع القبلي"، جنوب جهة القبلة. عند قيام الدولة الأموية، جدد معاوية هذا البناء المتواضع، فجعله من الحجر بدلاً من الخشب، ووسّعه بشكل كبير. تمّت أوسع حركة تعمير للمسجد في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وتواصلت في عهد وريثه الوليد ين عبد الملك. يختصر ابن خلدون هذه الرواية الطويلة في مقدمته الشهيرة حيث يقول ان الخليفة عمر بن الخطاب كشف عن الصخرة، "وبنى عليها مسجداً على طريق البداوة". بعدها، "احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده، على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال، كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفي مسجد دمشق، وكانت العرب تسميه بلاط الوليد. وألزم ملك الروم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد وأن ينمّقوها بالفسيفساء، فأطاع لذلك، وتم بناؤها على ما اقترحه".

في المقابل، يُعتبر جبل الهيكل أكثر المواقع قداسة بالنسبة لليهود. إلى أعلى هذا الجبل، صعد النبي إبراهيم لذبح ابنه اسحق، وفي هذا الموقع بنى سليمان هيكل الرب، وذلك قبل المسيح بنحو ألف سنة. حافظ هذا الهيكل على عظمته طوال أربعة قرون، إلى أن هدمه البابليون حين اقتحموا أورشليم وسبوا أهلها في زمن نبوخذ نصر. أعيد بناء الهيكل، في عهد كورش ملك فارس، وظل هذا الهيكل قائماً حوالى خمسة قرون، إلى أن خرّبه الرومان حين استولوا بدورهم على أورشليم. وفي زمن المسيح، شُيّد الهيكل الثالث، ولم يعمر طويلاً إذ دمّره القائد الروماني تيطس في العام 70.

من المفارقات المثيرة، تستعيد الروايات الإسلامية هذه الحوادث، وتربط بين هيكل سليمان والحرم القدسي الشريف. بحسب هذه الروايات، بنى سليمان بيت المقدس، وخرب البيت على يد البابليين، وأعيد بناؤه في زمن الفرس، ثم دمّر في عهد الرومان، وتحوّل إلى مزبلة على يد هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين، بعد اعتناقها المسيحية. استدلّ عمر بن الخطاب على موقع بيت المقدس عند دخوله إلى المدينة، فنظّفه وبنى فيه مسجداً، "وبقى ذلك المسجد إلى أن تولى الوليد بن عبد الملك الأموي فهدم ذلك المسجد، وبنى على الأساس القديم المسجد الأقصى وقبّة الصخرة"، كما نقل أبو الفداء في "المختصر في أخبار البشر".

تبنّى الفرنجة هذه الرواية، في زمن الحروب الصليبية، وأطلقوا على الحرم الشريف اسم هيكل سليمان، واستعاد الموقع اسمه مع خروجهم من المنطقة. بعد قرون عديدة، عادت هذه الرواية الدينية إلى الواجهة مع بداية تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، وتوسعه مع نهاية الدولة العثمانية، وخضوع البلاد للانتداب البريطاني إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى. فتحت السلطة البريطانية باب الهجرة أمام اليهود الراغبين في إقامة "بيت وطني" في فلسطين، وأدت هذه السياسة إلى تدفق الوافدين الجدد من سائر أنحاء العالم. أثار هذا التدفق حفيظة الفلسطينيين، وشكّل بداية صراع مفتوح تتواصل فصوله اليوم.

اندلعت المعارك حول "مبكى اليهود"، واتسعت رقعتها لتشمل سائر أنحاء فلسطين. اتخذ هذا الصرع طابعاً دينياً مع إصرار اليهود على السيطرة على "حائط البراق"، وهو الحائط الذي يحدّ الحرم القدسي من الجهة الغربية، ويمتد من باب المغاربة جنوباً إلى المدرسة التنكزية شمالاً. يُعرف هذا الحائط باسم البراق، نسبة إلى الدابة التي ركبها النبي محمد عند إسرائه ليلاً من مكة إلى المسجد الأقصى، وقد ربطها الرسول إلى هذا الحائط في تلك الليلة بحسب المصادر الإسلامية. ويرى اليهود أن حائط البراق هو "الحائط الغربي" للهيكل الذي شيّده النبي سليمان، وآخر أثر متبقّ من هذا الهيكل بعد خرابه.

في نهاية أيلول 1928، شكّل الفلسطينيون "لجنة الدفاع عن البراق الشريف". وفي العام التالي، عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها السادس عشر في زيورخ، وفيه طالبت الحكومة البريطانية بسحب "الكتاب الأبيض" الذي يعترف بحقوق المسلمين في الأماكن المقدسة. بالتوافق مع هذا المؤتمر، أقام اليهود تجمعاً للصلاة عند "الحائط الغربي" للمطالبة بإعادة بناء الهيكل، ورفعوا علمهم في هذا الموقع. جاء الرد العربي في آب 1929، فاجتمع الفلسطينيون كعادتهم للاحتفال بعيد المولد النبوي في الحرم القدسي الشريف، وفقاً للتقليد المتوارث، واندفع الكثيرون من أهالي المدن والقرى فلسطينية إلى بيت المقدس للصلاة في الحرم القدسي وحماية البراق. اندلعت المواجهات بين المواطنين والمستوطنين، وامتدت إلى خارج المدينة، فشملت عدداً من المدن والقرى الفلسطينية منها الخليل ونابلس وحيفا وصفد، واستمرت نحو عام كامل. امتدت "ثورة البراق" لتشمل سائر أنحاء فلسطين، وأصدرت السلطات البريطانية عقوبات جماعية بحق المدن والقرى الفلسطينية التي شاركت في هذه الثورة، كما قامت باعتقال نحو تسع مئة مواطن فلسطيني، وأصدرت أحكاما بالإعدام على 27 منهم، ونفّذته في ثلاثة منهم في صيف 1930.

تكرّرت هذه المواجهات في السنوات التالية، وفي حرب 1967، سيطر الصهاينة على باب المغاربة، وهو أقرب الأبواب إلى حائط البراق، واحتلوا مبنى المحكمة المشرف على الحرم، وعند انتهاء الحرب، هدموا حي المغاربة، وشرعوا في إجراء الحفريات على على امتداد الجدار الجنوبي للموقع. امتدت هذه الحفريات إلى أسفل باحة الحرم، وتمّ التسلل إلى عمق أرض الموقع. تواصلت هذه الحفريات في التسعينات حيث جرى فتح أنفاق الحائط الغربي، ووصلت الحفريات إلى المصلّى المرواني في المنطقة التي تُعرف بـ"اسطبلات سليمان"، تحت المسجد الأقصى، بالتزامن مع تكثيف الحضور اليهودي في المنطقة. واتّضحت السياسة الإسرائيلية الساعية إلى تأكيد الرواية التاريخية اليهودية للمكان، وهي الرواية التي ينقدها كبار علماء الآثار الإسرائيليون بشكل جذري.

يسلّط المعرض المقام في القلعة الضوء على هذا التاريخ المعاصر من خلال مجموعة كبيرة من الوثائق الفوتوغرافية تتوثق لهذا الصراع الذي لا ينتهي. تعود أقدم هذه الصور إلى العام 1839، ولعلّها أقدم صورة فوتوغرافية للحرم الشريف. تحضر فلسطين في نهاية الحقبة العثمانية من خلال سلسلة من الصور، منها لقطات بعدسة خليل رعد الذي يُعتبر أولَ مصورٍ فوتوغرافي عربي في فلسطين، والأبرز في الشرق الأوسط. 
 
ولد رعد في بحمدون في 1854، وانتقل باكرا مع والدته وأخته إلى القدس حيث نشأ وترعرع. تعلّم مهنة التصوير على يد المصور الأرمني الفلسطيني غرابيد كريكوريان، ثمّ استقلّ عن معلمه، وأنشأ في العام 1890 أستوديو خاصاً به في شارع يافا، خارج أسوار مدينة القدس القديمة. وبعد سنوات، سافر لدراسة تقنيات التصوير الجديدة، وقصد المصور السويسري الشهير كيلر، ثم عاد إلى فلسطين، واستقرّ مع زوجته في حي الطالبية جنوب غربي القدس، مواصلاً عمله في محترفه الكائن في شارع يافا. عاصر المصور نهاية الدولة العثمانية، وعمل في عهد الانتداب البريطاني، وشهد تقسيم فلسطين وسيطرة الكيان الصهيوني على 78% من أرض هذه البلاد، وخسر منزله ومحترفه في أحداث النكبة، وعاد إلى بحمدون لبضع سنوات، ثم رجع إلى القدس بدعوة بطريركية الروم الأورثوذكس، وأقام مع زوجته في مجمّع البطريركية في البلدة القديمة حيث توفي في 1957، تاركاً مكتبة كبيرة من الصور تحفظ تاريخ فلسطين.

يحضر الحرم في صور التقطها الملك حسين من طائرته في 1964، وتظهر سيطرة الجنود الإسرائيليين عليه في صور أخرى تعود على حرب الأيام الستة في 1967، كما يظهر وسط غابة من الدخان المتصاعد في صورة التقطت يوم تعرّض لحريق مفتعل أتى على جانب كبير منه في صيف 1969. قضى هذا الحريق على المنبر الذي صنعه نور الدين محمود ليُنصب في المسجد بعد تحريره من الفرنجة، وهو المنبر الذي حمله صلاح الدين من حلب بعد عشرين سنة، كما نقل ابن الأثير، فبات رمزاً للنصر على الفرنجة. على مدى السنين، ظل المسجد الأقصى أيقونة هذه البقعة الجغرافية، وتحولت ساحته إلى مسرح لاستعراضات شتى، منها عرض للأزياء أقامته شركة غوتكس الإسرائيلية في السبعينات تم بحضور المصورة الإسرائيلية الشهيرة مولا ايشيد.

أكّد عالم الآثار الإسرائيلي مائير بن دوف، منذ سنوات، أنه لا آثار لما يسمى جبل الهيكل تحت المسجد الأقصى، وأن المنطقة التي بني عليها الحرم لم تكن قبل ألفي سنة بمستوى التضاريس نفسه. رغم ذلك، واصلت الدولة الإسرائيلية حفرياتها، وبدا واضحاً أنها تسعى إلى بناء كنيس داخل الحائط الغربي للحرم، وذلك لتحويل حائط البراق إلى كنيس للمصلِّيات اليهوديات، على حساب الآثار الإسلامية في المنطقة. في ضوء هذه التحولات، تبقى الرواية الدينية هي الحاضرة، ويستمر الصراع بين الحرم الشريف وجبل الهيكل، مهدّداً "بلاط الوليد" الذي جُدّد في عهود الأيوبيين والمماليك والعثمانيين. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019