أيمن بعلبكي وتدوينات الحرب

نزار عثمان

الخميس 15/09/2016
أن تتحدث عن أيمن بعلبكي يعني أن تتحدث عن فنان شاب، اختصر بتجربته جيلاً كاملاً من الفنانين الذين عايشوا الحرب الاهلية اللبنانية. ولد العام 1975 وتأثر بالحرب وأثرى تجربته على وقعها، وكانت وقوداً لأعمال فنية نقلت الفن اللبناني إلى مصاف عالمية، ببصمته بألق وسوداوية يعيدان قولبة الموضوع المتناول في سياق تشكيلي يبلور صياغة خاصة، مادتها اللون، وهيئتها روح مأساة تتعملق بذاكرة مبدعة تتعلق بالمكان.

لأيمن بعلبكي علاقة خاصة بالمكان، والذي يتمثل رأساً بالأبنية، فهي أولاً انعكاس لروح حضارية، انشئت لتُسكن ولتكون علامات على التقدم والرقي، غير إن يد الشر مرت عليها وأكلتها، وأحالتها لكتل من التراب والإسمنت المتداعي. فهو – أي أيمن- يركز على ذاكرة الأبنية التي باتت شاهداً على الحرب، يؤرخ من خلالها أوجاع وطن، وضياع جيل، وتداعي أحلام، وسقوط أقنعة. فالأبنية هي هاجسه، التي من المفترض ان تكون الروح التي تسكن المدن، الوطن داخل الوطن، المستقر والملجأ. لم يعد لها من وظيفة إلا التقزم في دور الشاهد والشهيد على حرب عبثية حصدت أرواح عشرات آلاف القتلى. وهنا كان الدور الذي تلبس به أيمن في توثيق تلك الاطلال بأسلوب يرقى إلى مصاف الوجع.

ذاكرة أيمن بعلبكي تقتصر على الضحايا من الأشياء، أبنية، وطائرات وغير ذلك، ولا تقارب الضحايا من البشر، ربما لقدسية الكائن البشري في ذات الفنان، وربما لأن الدم مسكن الروح في عُرفه، أو ربما لأن الشفافية التي تتميز بها ذاته تنأى عن تصوير التشوهات البشرية، لا عن تقصير لكن لأن الرسالة بالأشياء أثبت في الذاكرة، وأمضى في الوجدان، وأوسع في التعبير، وأشمل في الإستعارة. فهو يستنطق المعالم ماراً على فندق "هوليداي إن"، وقصف مطار بيروت، وتفجير السفارة الاميركية في بيروت – في معرضه الحالي- وغيرها من الشواهد ليدلل على ماهيتها الأولى وما تحولت إليه بفعل الحرب. هذا وتجدر الاشارة الى ان شخوص الفدائيين الملفوفين بالكوفية لم يعمد الفنان لإظهارهم بمظهر الضحية، بل واكبت ظهورهم في لوحاته معاني الأمل والوعد بالنعيم المفقود، الذي يشكله حالتهم الرافضة، وهالاتهم الثورية.

يرصد الفنان كل الأحداث المفصلية، والأمكنة المشهورة التي فعلت فيها الحرب اللبنانية، والحروب التي شنتها اسرائيل، ويركز على محطات وأحداث أصابت المعالم، من دون انحياز لطرف سياسي أو آخر، وبلا عقائد او أيديولوجيات، إنما هو انحياز وثيق لقضية الإنسان من دون الاكتفاء بدور الشاهد. يصعّد مفهوم الرائع ليخلق منه مريعاً، والعكس صحيح، في تجسيد لما ذهب إليه ثيودور أدورنو، فهو يخلق من بشاعة الدمار والرعب المهول، جمالية خاصة بألوانه السميكة التي تكاد تخرج من مساحة اللوحة لتنطق بذاكرة المكان.

وهنا نقطة، فقد عبّد أيمن بعلبكي الطريق لفنه كي يكون ناطقاً باسم ذاكرة الحرب، إذ لا يمكن النظر الى نتاجه بشكل مجزّأ، او مستقل، كل بمعرض وفق فكرة او موضوع مختلفين، بل كلها تمثل جزءاً من كلّ، يتجوهر نحو التكامل في محور واحد. وهذا من دون أن يكون في الأمر تكرار ممل. فهو يخلق الجديد على مستوى اللون وعلى مستوى التوثيق في آن، في كل مرة، من دون الخروج عن الخط الذي رسمه لنفسه واختاره عنواناً لجهوده. وهو يخرج لنا في كل مرة ببحث جاد يعرض من خلاله معلَماً أو حدثاً، بعد أن يعيد صياغته ويضفي عليه جمالياته الخاصة.

وتجدر الإشارة الى ان أيمن بعلبكي لم يكتف بطرق مجال الفن عبر الفرشاة واللون فقط، بل له تجربته الرائدة في مجال التجهيز أيضاً، والذي لم يخرج عن إطار تدويناته حول الحرب، مع انحياز لهموم الانسان العادي ومعاناته مع التهجير، والآثار السلبية التي وسمته الحرب ببصمتها.

وفي النهاية نشير الى الفنان بعلبكي قد طرق باب العالمية، ودخله بفنه من الباب الواسع، حيث بيعت لوحاته ولأكثر من مرة، في دور المزادات العالمية مثل "كريستيز" و"سوثبي" بمئات آلاف الدولارات. ويطل علينا البعلبكي في معرضه الجديد تحت عنوان "Blowback" في غاليري صالح بركات من 16 أيلول/سبتمبر الجاري وحتى 26 تشرين الثاني/نوفمبر.
*** 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021