فريق كرة نسائي.. هل هذا ما ينقص ليبيا؟!

شادي لويس

الجمعة 07/06/2019
ماذا يحدث حين تندلع الحرب الأهلية؟ وحين يقف رجال المليشيات على نواصي الشوارع؟ وحين تختلط على الناس أصوات الألعاب النارية وطلقات الرصاص؟ ماذا يحدث لكرة القدم؟ ولـ11 لاعبة يحبونها؟ عبر خمسة أعوام، تبدأ مع الاحتفالات بسقوط القذافي في شوارع طرابلس، وبالأحلام الكبرى والطموحات الكبرى، يسعى الفيلم التسجيلي "حقول الحرية"(2018) وراء تلك الأسئلة، وتتتبع مخرجته، نزيهة العريبي، المسيرة قصيرة العمر للمنتخب الليبي النسائي، مُركّزة على قصص ثلاث من عضواته، في ساحات التدريب والمباريات وحياتهن الخاصة والمهنية.

على السطح يظهر سريعاً ما يبدو خطاً سردياً مقنِعاً، مع خلفية موسيقية مبالغة في ميلودرامياتها وإيقاعات شبه عسكرية. فبعد الإعلان عن مشاركة الفريق في بطولة في ألمانيا، نقلت شاشات التلفزيون، خطبة من أحد المساجد، حيث يستنكر الإمام: "فريق كرة نسائي، هل هذا ما ينقص ليبيا؟"، وأصدرت جماعة أنصار الشريعة بياناً يحذر من تعرية السيقان، والتغريب، ويحذر أيضاً من الكرة، الشر الأصغر، الذي لو تم التسامح معه سيجلب شروراً أكبر، وأكثر عُريّاً، كالسباحة والجري. وبالسرعة نفسها التي تحبك بها خيوط سردية الصراع بين الحرية والتشدد الديني، تنقطع أيضاً، تنهار أحلام عضوات الفريق الذي يتدرب تحت حماية بنادق المسلحين وبين رسائل التهديد، ويقرر اتحاد كرة القدم الليبي إلغاء سفر عضواته، حفاظاً على سلامتهن.


لا تسعى العريبي، بعد ذلك، إلى البحث عن سردية بديلة أو نقطة ثقل تقود فيلمها، تكتفى بشذرات على طول مسار خطي، لتبعثر الفريق، ومحاولات تجميعه مرات أخرى، وتأمين مكان تدريب له، ومقاطع من حياة عضواته، عملُ واحدة منهم في صيدلية، وبيتها المتقشف مع صورة ميسي المعلقة في غرفة المعيشة، وواحدة تعود من زيارة للولايات المتحدة، لتخبرهن بأنها جنة يذهب فيها الناس إلى المولات بالبيجامات، والأخرى المهجرة بسبب الحرب والتي تسكن مع عائلتها في بيوت مؤقتة ولا تحلم سوى بالرجوع، انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، أصوات الرصاص المفاجئة في الليل، أخبار التفجيرات، والنساء متحلقات حول التلفزيون يحصين أعداد القتلى ويترحمن على أيام القذافي، الجماهير تحتفل في الشوارع لفوز الفريق الوطني-الرجالي طبعاً- في أحدى المباريات.

في فرصة أخيرة، ينجح الفريق في الخروج، ليشارك في بطولة صغيرة في بيروت، ليس بوصفه المنتخب الوطني، بل كنادٍ خاص. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للخروج، أن يتبرأ الفريق من تمثيل بلده.

وفي أكثر أجزاء الفيلم كثافة، في بيروت، لا تتبدد الأحلام فقط بالهزائم المتتابعة التي ينالها الفريق ضعيف التدريب واللياقة، بل يحدث ما هو أسوأ. فالتوتر بين واحدة من اللاعبات والمسؤولة عن الفريق، والتي تفرض نظاماً حديدياً عليه، يتحول إلى عنف بدني، وتهديداً بالترحيل عنوة إلى ليبيا، وبكاءً وعويلاً. قذافي صغير يظهر فجأة، حرب أهلية محدودة يحملها الجميع معهم، تتسرب السلطوية والعنف إلى الفريق الهش، لتصبح الهزيمة في بيروت مضاعفة. ويتقلص الإحباط في نهاية الفيلم، فالفريق الذي يحل نفسه، تؤسس بعض عضواته جمعية أهلية للعمل مع الفتيات الصغيرات، وإلهامهن عبر كرة القدم.

بالنظر من أعلى، يحكي الفيلم قصة ما بعد الثورات العربية، وتحول الأحلام الطوباوية وخفوتها. يحكي عن الحياة في بلد يشهد مرحلة انتقال عسيرة، ونساء في قبضة حرب الأهلية. لكن، من داخل تفاصيل الفيلم، وكادرات العريبي البسيطة والكثيفة في آن واحد، نرى الأهم، نرى ليبيا لا نعرفها، غير تلك التي تغطي عليها أخبار المعارك المقتضبة في النشرات. نراها بعيون كاميرا تتحرك بحرية وسهولة في البيوت، وغرف تغيير الملابس بين المباريات، والبنات يرقصن في الباصات بين تدريب وآخر، وتعلو فيها صرخات البهجة بعد إحراز هدف والبكاء مع ضياع آخر، والجدّات يغنين للأحفاد أغاني تراث بديع لا نعرف عنه سوى القليل. يكشف لنا "حقول الحرية"، ليبيا أكبر مما نظن، وأعمق مما نعرف، وكذا ليبيا أكثر ظُلماً وأكثر رقة. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019