"لكل المقهورين أجنحة".. صورة مقربة لرضوى عاشور

أسامة فاروق

السبت 09/11/2019
في أحد متاحف إنكلترا، تقف رضوى عاشور مشدوهة أمام مقلمة أندلسية، قد لا تلفت انتباه أحد، تحمل تاريخ صناعتها في نهاية عبارة محفورة بالخط الكوفي على حافة غطائها: ربيع الأول 394 الموافق ديسمبر 1003. تتأمل نقوشها وزخارفها، وتتساءل كيف استطاعت أن تنجو وتواصل حكايتها والمدن تتساقط من حولها، تنثر في مفكرتها بذور حكايات مختلفة لرحلتها، تفكر في عشرات أو مئات الحكايات المحتملة لتلك المقلمة التي، تعرف فقط تاريخ منشأها ومحطتها الأخيرة "وبين اللحظتين، تبقى ألف عام غامضة مثل التاريخ، لا ندرى منه سوى العنوان العريض أو ومضة أو واقعة، أما ما شاهده هذا التاريخ أو شوهد فعله فيه فيبقى مستغلقا ويراوغ، لا نملك إزاءه إلا إعمال خيالنا".


واحدة من حكايات كثيرة جاءت في كتاب رضوى عاشور الأخير "لكل المقهورين أجنحة" الصادر مؤخراً عن دار "الشروق" في القاهرة، في ذكرى رحيل كاتبته. حكايات دالة تضيء المحور الأبرز في تجربة رضوى الممتدة، المتكئة دائماً على التاريخ، والباحثة في ما وراء الروايات الرسمية. تخبرنا عن هواجس الكتابة ودوافعها، وكيف كانت الحكاية وسيلتها الوحيدة للإحاطة بالحقيقة وحفظها، وكيف كانت تلك المرأة والكاتبة الاستثنائية التي اشتبكت مع أهم قضايا أمّتها تملأ فراغات التاريخ بالحكايات، تؤكد مقولتها بأن مشروع الروائي مهما تعددت مواضيعه، هو في أساسه مشروع تأريخي لحكاية الجماعة التي ينتمي إليها، وسعيها إلى التحرر والنهضة. وحتى وإن لم تستطع فيه الانتصار للمقهورين والمظلومين المنسيين في واقعها العربي المنكوب، فيكفى أنها حاولت على الأقل تخليد حكايتهم.

"لكل أبناء الرب أجنحة"
كتاب كهذا كان لا بد أن يبدأ بحكاية، الحكاية هي "لكل أبناء الرب أجنحة" الشهيرة في التراث الشعبي الإفريقي – الأميركي، حكاية موفقة تماماً. تحكى كيف كان العبيد الأفارقة الذين تم اقتلاعهم من جذورهم وإنباتهم في أرض لا تشبه أرضهم، يفكرون في أن معاناتهم ستنتهي في يوم ما، وستنبت لهم أجنحه ليحلقوا بها بعيداً من الأرض التي لا تشبههم، وهي ليست مجرد حكاية أنتجتها المخيلة الجماعية للعبيد الأفارقة، تصور واقعهم وتكسر طوقه، كما يقول استهلال الكتاب، لكنها أيضاً رسالة عما يمكن أن تفعله المخيلة، للقدرات المملوكة للحكاية، والارتباط اللصيق بينها وبين التاريخ.

وعلى طول الكتاب يمتد مجاز الأجنحة والطيران والعصافير في حكايات عن شباب الثورة، الألتراس، مينا دانيال، وآخرين، حيث أرقت الكاتبة مشاهد الدم والموت في ثورات الربيع العربي، فتمنت أن تنبت لكل هؤلاء المقهورين أجنحة ليغيروا واقعهم أو ليحلقوا بها بعيداً من الأرض التي ظلمتهم وقهرتهم، وهي بدورها ترسل لهم رسالة طمأنة ليهدأوا: سأروى حكايتكم.

بازل
خيط وحيد أتتبعه هنا لأنه، في ما أعتقد، يقدّم الكثير مما وراء الكتابة وحولها، وهو من أبرز مواضيع الكتاب الذي يصعب الإلمام به في مقال واحد، حيث تتشعب فروعه على قدر تشعب اهتمامات كاتبته في الأدب والنقد والتاريخ والتعليم والجامعة والثورة والصداقة والجوائز وبالطبع القضية الفلسطينية.

كقطع "البازل" يمكن تكوين صورة مكبرة لرضوى عاشور من الحكايات المتناثرة على طول الكتاب، صورة أشمل حتى من تلك التي حملها كتابها "أثقل من رضوى" الذي دونت فيه جزءاً من سيرتها! فمن الحكايات، نفهم كيف ومتى تكوَّن الوعي بالتاريخ والتأريخ، وكيف ومتى آمنت بأنه "لا رواية خارج التاريخ" وكيف نفذت رؤيتها على أرض الكتابة.

نرى رضوى طفلة في الخامسة تزور معابد الكرنك والأقصر ووادي الملوك للمرة الأولى، تتأمل نقوش الجدران الحاملة للتاريخ وتخزن في ذاكرتها الصغيرة ذلك التداخل المدهش بين تدوين التاريخ والحرص على الجمال في الوقت نفسه، وغياب الحدود الفاصلة بين مفردات الواقع والمتخيَّل الأسطوري. لاحقاً، نتابع تردد الطفلة، التي أصبحت طالبة في جامعة القاهرة، على دار الكتب المصرية في موقعها القديم في باب الخلق، تتوقف أمام مخطوطات المصاحف النادرة المعروضة في الممرات المؤدية إلى قاعات الاطلاع. تتأملها، وتضيف إلى مخزون الذاكرة مشاهد جديدة، هذه المرة عن تلك الحرفة المزدوجة في تراث النسخ الإسلامي التي تجمع بين النقل وإبداع الجديد، بين الالتزام بحرفية نص مقدس وحرية الفنان في التعبير عن ذاته. تتأكد مجدداً أن اقتران الفكر بالجمال والإبداع، اقتران شرطي لمن أراد لفكره ولفنه البقاء والخلود.

مجزرة
لكن الحياة لا تستمر على وتيرة واحدة، فقبل أن تُتم الرابعة والعشرين، صدمتها مجزرة بحر البقر، لتسجل ذاكرتها مشاهد مختلفة تماماً هذه المرة. نشاهدها واقفة بين أنقاض المدرسة المنكوبة بنفسها، تنحني على الركام وترفع أوراقاً ممزقة من كتاب القراءة الرشيدة ملوثة بدماء الأطفال وقد تحولت للون البني، وتعود بها إلى بيتها في القاهرة.

وقبلها زارت عشرات الأطفال الذين أخطأهم الموت، في تلك الليلة القاسية. تقول إن تلك الليلة صيّرتها أمّاً قبل أن تكون والدة، صارت تخاف على الأطفال أكثر فتحبهم أكثر، لكنه خوف غريب لا يدفع إلى التراجع والنكوص، بل إلى التقدم والمواجهة!

وبعدما أتمّت عاملها الستين، كانت الأستاذة الجامعية والكاتبة والأم قد شاهدت شعبها يخوض 12 حرباً ومذابح كبرى، وثوراتٍ عديدة وقهراً لا ينتهي. سجّلت ذاكرتها، على مدار الأعوام، كيف تُزوَّر الوقائع، كيف تُغتصب الأرض والذاكرة، ومحاولات تغيير الهوية وتشويه التاريخ: "إن حرب 1967 وما تلاها من ملمّات جعلتنا نعي بحدة، أن التاريخ لا يقتصر على سجلات الماضي ومدوناته، بل يمتد ليشمل واقعنا المعيش يلازمنا بشكل يومي: حروب متتالية، مجازر، هزائم، قمع، وقهر، ودائماً أمان مفتقد وإرادة منفية في ظل واقع قابض نجاهد لفهمه، ونحلم بتملكه". من هنا نفهم كيف أصبحت كافة نصوصها محاولة للتعامل مع الواقع ومع الهزيمة، وكيف التزمت بعبارة برتولد بريخت "تؤرخ دائماً" باعتبارها السبيل الوحيد لإدراك تجربتها وتصنيف مفرداتها، لأنها أصبحت تؤمن بأن إلحاح الحاجة للتسجيل عليها، وعلى كتّاب جيلها بالكامل، إنما يرجع إلى وعي حاد بما تعرضت له الذاكرة الجماعية، ومازالت تتعرض له من قصف يومي عنيف: "قصف يومي بلُغة وصفَها جورج أورويل ذات يوم بأنها مصمَّمة لإلباس الأكاذيب ثوب الحقائق، والقتل ثوب الاحترام، وتقديم الهواء بصفته مادة صلبة".

هل أراد كتّاب جيلي أن يكون نَصّهم حافظة للذاكرة؟ تسأل ولا تنتظر إجابة من أحد: أعتقد أن ذلك كان جزءاً من مشروعهم. تقول إنهم كانوا يتواصلون بذلك مع الأجيال السابقة عليهم، "فالرواية العربية في مصر، بدءاً من حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، قامت بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الدور، فكان الروائي حكاء ومؤرخاً يدوّن ملامح الواقع التاريخي ويطرح أسئلته".

من هنا أيضاً تجد أنه من الصعب أن يغفل أي تناول لنشأة الرواية العربية، علاقتها بأسئلة التحرر الوطني، وتقول بوضوح إن الرواية المصرية والعربية في المجمل شكلت منذ بدايتها الأولى سجلاً للتاريخ الوطني ولنخبته، وذاكرة أعقد وأعمق وأكثر إحاطة بهذا التاريخ: "إن الرواية في مصر التي نشأت في إطار مسعى الجماعة لاستنقاذ إرادتها من وجود استعماري –هو بتعريفه الأولي كسر وإعاقة للنمو الطبيعي للجماعة وتطورها- بقيت وفية لمنشئها وقد تجدد النفي القديم بأشكال مستجدة. وإذ تتالت الانكسارات والهزائم وخاب المسعى، وتكاثرت الأسئلة: لماذا، وكيف، وإلى أين؟ أسئلة تثقل الوجدان العربي وتسري في النصوص وتسعى لفهم الحكاية وتؤرخ لوجدان الأمة بقدر ما تلتقط من أبعاد السؤال".


التاريخ
لكنها، وإن كانت مدفوعة دفعاً إلى استحضار التاريخ داخل أعمالها، فإنها تقوم بذلك بوعي الروائي لا المؤرخ، وبذلك لم يكن لتعاملها مع التاريخ شكلاً واحداً جامداً، بل اتخذ مسارات عديدة تبعاً للشكل الفني الذي أرادت أن يخرج عليه العمل في النهاية. تقول في شهاداتها عن "الطنطورية" مثلاً، إنها رواية وليست كتاباً في التاريخ، لكنها كانت تطمع في التدخل في التاريخ، أن تكتبه وفق وعيها ورؤيتها لتصبح الحكاية ذاكرة –رغم القسوة الشديدة أحياناً- أكثر إنسانية: "أتصدى له (التاريخ) على طريقة الروائيين حيث الوقائع تتحول بقدرة قادر إلى روح أو حياة وإيقاع: امرأة تركض في شوارع بيروت وتصيح في شقيقيها اللذين قتلا قبل أكثر من ربع قرن: اذهبا بعيداً، تهشهّما كالذباب لأنها تحت وطأة فزع جديد من فَقد جديد، أو امرأة تنظر في كومة من الجثث وترى ولديها ولا تراهما، وتصرّ، إلى أن تموت، أنهما هربا إلى مصر ويقيمان هناك".

الدافع نفسه تكرر في "مريمة والرحيل"، حيث كتبت في إطار الرواية الواقعية المنقحة، على حد تعبيرها، بتوظيف الوثائق والحكايات الشعبية والتكثيف الشعري، وإن ظل النص في إطاره المرجعي رواية واقعية، يستمر البحث عن الشكل الأنسب لتوظيف الرؤية التاريخية في أعمال أخرى أيضاً، مثل "ثلاثية غرناطة" التي تذهب فيها إلى غرناطة وشرق الأندلس، ووصولاً إلى "قطعة من أوروبا" الذي وصفته بأنه نص أقرب إلى التاريخ منه إلى الإبداع الأدبي الشائع والمعتمد.


في المجمل ترى رضوى عاشور أن الرواية هي النوع الأدبي الأكثر اشتباكاً بالواقع التاريخي، وأن الكتابة إطلاق للإرادة في مواجهة نفي الإرادة. وأن أشكالاً جديدة من الكتابة هي الوسيلة الوحيدة للإحاطة بالحقيقة والتعبير عنها.. فتقدم نفسها على مذبح الحكاية/الحقيقة "وأنا لدي حكاية، إلحاحها علي يذكرني بأيونا الحوذي الذي فقد ابنه في قصة "وحشة" لأنطون تشيكوف. يريد أيونا، على مدار القصة أن يحكي ما لديه. سوف أحكي حكايتي، أما من تصلهم فلهم أن يفعلوا بها ما يشاؤون".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020