لبنان الجزائري

محمد حجيري

الخميس 21/11/2019
لستُ ضليعاً في الكتابة السياسية، ولا أحبّها، خصوصاً في لبنان، اذ تتبدّل الأمور خلال ساعات، وتتقلب المواقف في لحظات، مثل الزوابع... لكن على هامش مقال "عون... فراغ الرئاسة" لساطع نور الدين، انتبهت إلى أمرٍ ما، ربما انتبه إليه كثرٌ من اللبنانيين غيري، إذ بدأ، كأننا نعيش في المرحلة الراهنة، وبغض النظر عن النتائج المرتقبة، تجربة أقرب إلى التجربة الجزائرية في ظل محاولة التمديد أو التجديد للرئيس المخلوع عبد العزيز بو تفليقة. هناك، كان الرئيس الشرعي في الواجهة وشقيقه الحاكم في الظل، وفي لبنان هناك الرئيس المنتخب الواجهة، وهناك الصهر الحاكم في الواجهة وفي الظل وفي كل مكان، في تشكيل الحكومة، في التفاوض على تشكيل الحكومة، في المزايدة على رئيس الحكومة في تشكيلها، في المزايدة على المقاومة بالصراع مع العدو، في المزايدة على المتظاهرين بالمطالب والشعارات، في المزايدة على المسيحيين بالحقوق والسيطرة على الحقوق. 

منذ فُرض ميشال عون رئيساً "منتخباً" للجمهورية اللبنانية، كان الرأي السأئد أن جبران باسيل سيكون "رجل العهد الأول"، فهو الممسك بزمام كل الملفات والمسالك في تياره، من توزير هذا أو ذاك، إلى اختيار مدير عام، إلى أصغر حاجب في الجمهورية اللبنانية، وهذا الأمر ليس وليد الصدفة وليس ابن البارحة. بل منذ عودة عون من فرنسا، العام 2005 وتحالفه مع "حزب الله" بعد اتفاق مار مخايل العام 2006، صار جبران هو الواجهة والمقرر والمنظّر، هو "شارل مالك" التيار الوطني الحر، و"ميشال شيحا" الجديد، وهو الزاعم أنه سيُنسي المسيحيين بشير الجميل وكميل شمعون... تدرج سريعاً، قفز قفزات سنجاب، ألغى النظام الداخلي في تياره، بموافقه عمه، ليكون رئيساً بلا منافس، أبعد كل المؤسِّسين في التيار، والتالي أبعد كل معترض ومعارض، فضّل رجال الأعمال على المناضلين، عُطّلت حكومات متعاقبة ليكون وزيراً، ولا أحد ينسى عبارة "لعيون صهر الجنرال ما تتشكل الحكومة". وفي آخر الفصول، أقرّ قانوناً انتخابياً على مقاسه، ليسمح له بالوصول الى البرلمان بعد طول تعثر...

في مشهدية الرئاسة، كم من المرات قرأنا أن سياسياً ذهب الى الرئيس ليحل مشكلة أو معضلة، فأحاله إلى جبران. كم مرة سمعنا أن الرئيس وافق على أمرٍ وحين وصلت الأمور الى جبران ألغي التوافق، سواء في تشكيل الحكومة أم في معظم الملفات... وحتى في الأزمة الأخيرة، وموجة "كلن يعني كلن" والشتائم التي كيلت لجبران في الشارع ووصل صداها الى مجلة "تايم"، بدا أنه أبرز المتسببين في الانتفاضة، نتيجة سلوكه الاستفزازي اليومي وخصوماته مع جزء كبير من المسيحيين ومع الجنبلاطيين ومع الشارع السنّي ومع الشارع الشيعي ومع الشارع المدني. لم يمر في مرحلة ما بعد الطائف أي سياسي له هذا القدر من اللّاحب، بل الكراهية. وحين عُرض حلّ للأزمة الراهنة، بتخلي جبران عن الوزارة، منَعَه، معتبراً وجوده في الحكومة شرطاً لأي حل. ومع تسريب اسم الوزير السابق محمد الصفدي كمرشح لرئاسة الحكومة، سارع باسيل الى اعلان موعد الاستشارات قبل رئاسة الجمهورية، ووقت تشكيل الحكومة قبل أن يكلِّف الرئيس بتشكيل الحكومة. بمعنى ما، تصرف كأنه الرئيس الفعلي للجمهورية وللحكومة، وربما لمجلس النواب أيضاً. في المقابلة الأخيرة مع الثنائي سامي كليب ونقولا ناصيف، لاحظ أكثر من مراقب كيف كان الرئيس عون يطلق المواقف وينظر الى يمينه حيث عدد من مستشاريه بينهم جبران... كأنه في نظرته يستفسر إن كان الجواب مناسباً...

كم يشبه مشهد التظاهر في لبنان في هذه الأيام، مشهد التظاهر في الجزائر. وكم تشبه الرئاسة في لبنان الرئاسة في الجزائر. لكن في الجزائر، لا يوجد "حزب الله" على الضفاف وفي الكواليس، ولا مرشد أعلى يطلّ كل مرة ليقول "الأمر لي"، ولا توجد "سوريا الأسد" على الحدود، ولا إسرائيل أيضاً، ولا إيران في الإقليم، ولا بحر طوائف، ولا فذلكة مقدّسة اسمها "مقام رئاسة الجمهورية".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020