كورونا والفلاسفة... حرب أهلية أم حرب وهمية؟!

محمد حجيري

الثلاثاء 24/03/2020
سارع بعض الفلاسفة والباحثين الأوروبيين(والغربيين) إلى استقراء واقع العالم انطلاقاً من التعاطي مع وباء كورونا وطرق محاربته... الكتابة تأتي على وقع الصدمة، كأننا أمام 11 أيلول صحي... ارهاب 11 أيلول، في رأي الكثير من المعلقين، دفع أوروبا وأميركا لإعادة النظر في الكثير من الأفكار والعلاقات مع بعض الجماعات والدول الاسلامية، وفرض الإرهاب قيودا على السفر والسكن، وركزت الدراسات والأبحاث على منابع الإرهاب وناسه ودوله، وكانت النتيجة أن الإرهاب مع الوقت، تحوّل شماعة للكثير من العمليات السياسية...  
ومع كورونا صرنا أمام معادلة جديدة أكثر تعقيداً، هي لا تتعلق بالعقل ومعتقداته بل بالحياة نفسها، ولسنا أمام عدو ومن خلفه مجموعة او جماعة، بل أمام عدو شبحي انطلق من وطواط في الصين، طاول الجميع من مصر الى ايطاليا، ومن فرنسا إلى أميركا، ومن النازحين الى الرؤساء... والصراع الأساس اليوم، كيف نجد اللقاح...

بعض زعماء الدول الكبرى، ترامب، ماكرون وانجيلا ميركل، استخدموا عبارة "الحرب" للحديث عن مواجهة وباء كورونا، بل إن إحدى الصحف الصينية تحدثت عن سيناريو "الحرب العالمية الثالثة" في وصف الإجراءات التي اعتمدتها جل دول العالم لمحاربة الفيروس. المشهد فعلاً يوحي بحرب حقيقية: إعلان حال الطوارئ، شوارع فارغة، عزلة سكانية، طب على الطريقة الحربية خصوصاً في إيطاليا. الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه يقول: "لسنا في حالة حرب أو أنها تبدو حرباً وهمية، إن استخدام المصطلح من قبل ماكرون في ما يتعلق بوباء كورونا لا يتناسب مع الواقع، تذكروا الحرب العظمى 1914-1918: أكثر من 20000 قتيل في اليوم الأول… لحسن الحظ، نحن بعيدون جدًا منها. لكن إذا استمرت هذه الأزمة، مع تقليص نقل البضائع على المستوى الدولي، يمكننا أن نتوقع عودة التقنين. هنا ينتهي التشابه. نحن لسنا في نمط الحرب نفسه".

وحرب الكورونا لها مقاربة أخرى أدق بالنسبة إلى الفيلسوف الإيطالي جورجيو اغامبن الذي تحدث عن "حرب أهلية" ما دام العدو في الداخل، ينفذ من راحة اليد وريق الفم وليس من الخارج. لقد بات الهدف الأقصى للدول والحكومات، إنقاذ حياة الإنسان في وضعها البيولوجي الضيق الأدنى (الحياة العارية حسب عبارة اغامبن)، مع التضحية بكل مكاسب المدنية الحديثة من حقوق سياسية واقتصادية، بما يعني أن الحالة الاستثنائية أصبحت الأفق الطبيعي للسياسات العمومية حتى في الديمقراطيات العريقة.

العالم الثالث الجديد
وعدا توصيف الكورونا، هناك جموح في توصيف أوروبا، ثمة شعور بالترهل لدى الدول الأوروبية إلى درجة أن إيطالياً رفع العلم الصيني بدلاً من علم الاتحاد الأوروبي، ارقى نظام صحي في إيطاليا لم ينفع في مواجهة الفايروس المستجد. فالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي وهو يصنف خانة "اليسار المعادي لليبرالية"، ندد بـ"انعدام كفاءة القادة الأوروبيين واستهتارهم في مواجهة التفشي الخطير لوباء كورونا؛ معتبراً أن أوروبا أضحت "العالم الثالث الجديد". وهو ينظر إلى الأمور انطلاقاً من طروحاته، فيعتبر أن أزمة كورونا تندرج ضمن مسألة انهيار الحضارة اليهودية- المسيحية التي تطرق إليها في كتابه "الانحطاط". فأيديولوجية أوروبا "الماستريشية" (نسبةً إلى اتفاقية ماستريش) التي ضُربت بهراوة منذ عقود سقطت كالفاكهة المتعفنة... نتيجة السياسة الليبرالية الأوروبية! وقال الفيلسوف الفرنسي إنه بالطريقة نفسها التي أظهر بها سقوط الاتحاد السوفياتي أن الشرق عاش في الوهم لأكثر من نصف قرن من الزمان في ما يتعلق بالإمبراطورية الماركسية-اللينينية، التي تحولت إلى نمر من ورق؛ فإن وباء كورونا يظهر بقسوة أن أوروبا الماستريشية التي قُدمت على مدار ربع قرن على أنها وحش اقتصادي من المحتمل أن يتصدى للإمبراطوريات الكبرى في العالم، ها هي اليوم تسقط في هذا الأمر: عاجزة عن صنع وتوفير الكمامات للأطباء والممرضين. وكلام اونفراي المفرقعاتي الانفعالي، حظي باهتمام كبير في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً أنه ينعي أوروبا ونظامها.. 

تشرنوبيل صحي
مارسيل غوشيه الذي سأله محاوره مارتن لوغرو، عن البعد السياسي لكورونا خارج نطاقها الصحي والاقتصادي؟ أجاب: "هذا مرتبط بكيفية إدارته؛ إن الدعاية التي أصبحت تفرض علينا في هذه المسألة تتعلق بكون النموذج السياسي الصيني، الاستبدادي أو ما بعد الشمولي، أكثر فعالية من نموذجنا. وذهبت صحيفة الشعب اليومية (التابعة للحزب الشيوعي الصيني) إلى حد ادعاء "التفوق الواضح للحزب الشيوعي وقيادته". وبكين التي تجرؤ على التأكيد على أن "العالم يمكن أن يشكر الصين"، لا تنتبه إلى أن العيوب المتأصلة في النموذج السياسي الصيني وغموضه، وهي تشيرنوبيل صحي. في هذا النظام حيث يحتكر الحزب وقائده عملية صنع القرار السياسي، بُدِئ منذ أكثر من شهر، في "التستر على القضية بمحاكمة حتى أولئك الذين دقوا ناقوس الخطر، ثم عندما أظهر رد الفعل هذا آثاره الكارثية، تم التعامل مع المشكلة بطريقة قاسية واستبدادية من خلال فرض قواعد ذات ضراوة على المجتمع الصيني لن نكون قادرين على فرضها نحن، لكن كان الأوان قد فات بالفعل".

ولا يتردد غوشيه في القول إنه من خلال الديموقراطية كان يمكن السيطرة على الوباء بشكل أكثر فعالية، هذا هو الدليل الذي قدمه الفيلسوف الهندي أمارتيا سين بقوة في حالة المجاعة. فقد أبرز أن "الديموقراطية كانت دائماً أفضل طريقة لتجنب المجاعات، وذلك بفضل المعلومات التي يتم تداولها". يضيف: "لو كانت الديموقراطية قد سادت في الصين، لما كان هذا الوباء بهذا الحجم". ويتقاطع قول غوشيه مع راي اليساري الماركسي سيلافوي جيجك الذي قال على الرغم من الطريقة القوية التي انتهجتها الدولة الصينية تجاه الأزمة يبدو أنها قد نجحت- على الأقل هي تعاملت مع الوباء بشكل أفضل بكثير مما يحدث الآن في إيطاليا- إلا أن المنطق الاستبدادي القديم للشيوعيين في السلطة أظهر بوضوح حدوده. إحداها أن الخوف من جلب الأخبار السيئة لمن هم في السلطة (وللجمهور) يفوق النتائج الفعلية – وهذا على ما يبدو هو السبب وراء اعتقال الأشخاص الذين شاركوا المعلومات للمرة الأولى عن فيروس جديد، وهناك تقارير تفيد بأن شيئاً مشابهاً يحدث الآن. في المقابل يسأل ألا يُعدُّ الإغلاق التام لإيطاليا حلمًا استبداديًّا تحقّق؟ لا عجب في أن الصين (على الأقل كما تبدو الآن) أثبتت، وهي التي مارست بالفعل أساليب رقابة اجتماعية رقمية، أنها مجهّزة بشكل أفضل لمواجهة الأوبئة الكارثية. هل هذا يعني أن الصين هي مستقبلنا في بعض الجوانب على الأقل؟ هل نقترب من حالة استثنائية عالمية؟ هل اكتسبت تحليلات جورجيو أغامبين حقيقة جديدة؟ يضيف جيجك: "ليس مفاجئاً وصول أغامبين نفسه لهذا الاستنتاج، لقد تفاعل مع فيروس الكورونا بطريقة مختلفة جذريًّا عن غالبية المعلقين.  

مجلة فورين أفيرز الأميركية تنظر الى كورونا من زاوية عملية، ذكرت في مقال مشترك لاثنين من أبرز الخبراء في مجال الحاسوب، يارون لانيير وغلين ويل، أنه في الوقت الذي لم يكن فيه رد فعل أكبر دولتين في العالم (الولايات المتحدة والصين) بالسرعة المطلوبة إزاء الوباء الكوني، برزت تايوان كنموذج يحتذى به. ويرى الكاتبان أن رد الصين على تفشي الفيروس اتسم في بادئ الأمر بالإنكار. ومارست الولايات المتحدة هي الأخرى، نكراناً سياسياً قبل أن تتبنى إجراءات "التقليل من التجمعات". ولعل تعامل الاتحاد الأوروبي الذي اتصف بالبيروقراطية ورهاب التكنولوجيا -حسب تعبير لانيير وويل- كان هو الأسوأ. وفي اعتقاد الخبيرين في مجال التكنولوجيا فإن من الأفيد التركيز على الدولة التي أبلت بلاء حسناً -وهي تايوان التي استمدت نجاحها من قدرتها على دمج التكنولوجيا مع النشاط الفعال والمشاركة المدنية. استطاعت إقامة نظام ديموقراطي قائم على أحدث التقنيات مما ساعدها في السنوات الأخيرة على تطوير أكثر الثقافات السياسية حيوية في العالم. وتوقع الكاتب الفرنسي جاك أتالي، أنه، في حال فشل النظم الليبرالية الغربية في درء مخاطر ما أسماه التسونامي الصحي والاقتصادي، فستبرز نظم سلطة جديدة قائمة على الرقابة وبشكل أكثر فعالية باستعمال تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي...

النقطة البارزة التي يلتقي حولها عدد من المفكرين والفلاسفة في زمن كورونا، تتمثل في النظرة إلى العولمة والاقتصادي الليبرالي أو النيوليبرالي وآفاته ومستقبله. يقول أونفراي أن كورونا غير موجود بشكل مستقل عن الاقتصاد، ففي اقتصاد العولمة، جعلت الطريقة الليبرالية من الربح الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في جميع السياسات. وقال ادغار موران ان الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه في هذه المرحلة من جائحة فيروس كورونا، ان هذه الأزمة تبين أن "العولمة هي الاعتماد المتبادل من دون تضامن، وقد أنتجت بالتأكيد التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب، لكنها لم تعزز التفاهم بين الشعوب. منذ بداية العولمة في التسعينيات، اشتعلت الحروب والأزمات المالية. وقد خلقت مخاطر الكواكب -البيئة والأسلحة النووية والاقتصاد غير المنظم- مصيرًا مشتركًا للبشر، لكن البشر لم يدركوا ذلك". ويردف بأن "فيروس يخبرنا كورونا بقوة أن البشرية كلها يجب أن تبحث عن مسار جديد يتخلى عن العقيدة النيوليبرالية من أجل سياسة مضادة للأزمة اجتماعية وبيئية. إن المسار الجديد سيحمي ويعزز الخدمات العامة مثل المستشفيات التي عانت من تخفيضات مجنونة في أوروبا لسنوات. سوف يصحح المسار الجديد آثار العولمة من خلال إنشاء مناطق متحررة من العولمة من شأنها حماية استقلالات ذاتية أساسية"…

ويقول مارسيل غوشيه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحجم الحدث، لكن الصدمة الفكرية والأيديولوجية كبيرة. لقد ماتت العولمة الليبرالية القائمة على مبدأ "التجارة اللينة"(*) حل لجميع المشاكل قد عفا عليه الزمن، الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي تفرض نفسها على نطاق المجتمعات المشكلة. نحن بحاجة إلى نموذج سياسي جديد. ولم يغفل جاك أتالي أهمية هذه التحولات والتي بيّن التاريخ أن انتشار الأوبئة الفتاكة كان دائماً تمهيداً لاندثار شرعيات قديمة وقيام شرعيات جديدة مقامها على أساس القدرة على حماية البشر من الموت، إذ يقوم الباقون على قيد الحياة بالثأر للموتى من الذين عجزت القوى المهيمنة عن حمايتهم من الموت عبثا ولم تفلح في أن تمنح معنى لمغادرتهم الحياة.

مجلة "فورين أفيرز" حذّرت من قدرة فيروس كورونا على إعادة تشكيل النظام العالمي، منبهةً من أنّ الصين تناور لتقود العالم في حين تفشل الولايات المتحدة الأميركية في التعاطي مع الوباء. وبيّنت المجلة أنّ الصين تتحرك بسرعة وبراعة لاستغلال الفجوات التي خلّفتها الأخطاء الأميركية، لافتةً إلى أنّها تعمل على ملء الفراغ لتتموضع كقائدة للعالم على مستوى الاستجابة للوباء. أما جيجك يطلق عناوين مثل "الكورونا كفرصة للتحرّر والديموقراطية ومناهضة الاستهلاك"، و"كورونا ضربة للرأسمالية قد تعيد اختراع الشيوعية"، ويعدد مجموعة من الأسباب التي تجعله يقول "ألا يشير هذا كله بوضوح إلى الحاجة الملحة لإعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بطريقة لا يبقى فيها تحت رحمة آليات السوق؟ يضيف نحن اليوم، كلنا، نقترب فعلياً من "حالة حرب طبية".

(*) مفهوم ولد في عصر التنوير، والذي بحسبه تميل التجارة إلى تحضير (من حضارة) الناس، ما يجعلهم أقل ميلاً إلى السلوك العنيف أو غير العقلاني.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020