رضا الأعرجي... التطهير العرقي في فلسطين يرويه مؤرّخ إسرائيلي

المدن - ثقافة

الخميس 13/05/2021
لو لم يأت هذا العنوان من مؤلف إسرائيلي، لحَمَل الشك الحتمي بمعاداة السامية...
والمؤلف هو الناشط الاشتراكي والأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية والدراسات الدولية بجامعة إكسيتر بالمملكة المتحدة، ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية بالجامعة، والمدير المشارك لمركز إكسيتر للدراسات العرقية والسياسية، إيلان پاپه (حيفا ـ 1954)، المنتمي إلى مدرسة "المؤرّخين الجدد" التي أعادت بعناية رواية الأحداث الحقيقية لقيام دولة إسرائيل على نحو يختلف عن الرواية الرسمية الإسرائيلية.

تكاد الأصول الدقيقة للصراع اللامتناهي بين الفلسطينيين والإسرائيليين تدخل غياهب النسيان، ونادراً ما تُعرف من قبل عامة الناس خصوصاً بعد مرور أكثر من 70 عاماً على نشوبه. ومن هنا، فإن الاهتمام الرئيس بهذا العمل الآتي من منظور تاريخي، يسمح لنا بالدخول في منطق التصميم الذي لم يتم الاعتراف به من قبل مسؤولي الدولة العبرية، والذي يعتبره المؤلف "تطهيراً عرقياً".

يكشف پاپه أن الاستيطان في دولة إسرائيل كان مشروعاً مع سبق الإصرار، وليس نتيجة غير مقصودة لحرب عربية ـ إسرائيلية كما يكرر التأريخ الرسمي الاسرائيلي، وكيف أصبح اليهود يشكلون غالبية كبيرة في دولة احتلت 78٪ من الأرض، فيما كان ثلثا سكان فلسطين، في نهاية العام 1947، والذين يبلغ عددهم حوالي مليوني نسمة، من العرب.

 لقد طُرد 800 ألف عربي فلسطيني إلى خارج الحدود في سياق مخطط الطرد والتهجير وارتكاب المجازر. ويذكر المؤلف أنه في 10 آذار/مارس 1948، جرى تبني "خطة دايلث" بتحريض من بن غوريون، وهي "الخطة الشاملة لطرد جميع سكان قرى ريف فلسطين". كما صدرت تعليمات مماثلة، بالمصطلحات نفسها تقريباً، لتنفيذ إجراءات تستهدف المراكز الحضرية. وبعد ستة أشهر، طُرد السكان المسالمون العزّل باتباع سياسة العنف والترهيب، حيث تم تدمير 531 قرية، وإخلاء 11 حياً من ساكنيها، واقتلاع 800000 شخص (نصف السكان الأصليين لفلسطين) من أراضيهم، واستبدالهم في العديد من المدن باليهود.

نُفذتْ كل هذه العمليات بلا مبالاة من البريطانيين في نهاية فترة انتدابهم، كما أن تقارير مراقبي الأمم المتحدة الذين تولوا السلطة، لم تتجاوز حاجز مجلس الأمن. وهكذا، وتحت العين الساهرة للمنظمة الدولية، استمرت المرحلة الأخيرة من التطهير العرقي، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 1948 واستمرت حتى صيف 1949.
 
سواء من السماء أو من الأرض، كان من المستحيل عدم النظر إلى جحافل الرجال والنساء والأطفال وهي تتقدم شمالاً كل يوم، لكن في قلب هذه الدراما كان مطلب الفلسطينيين بـ"حق العودة" الذي تعارضه إسرائيل معارضة شديدة، يتجذر بقوة.
 
كان هذا الحق موضوع قرار الأمم المتحدة الرقم 194 والصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، القرار الوحيد لصالح فلسطين، والشاهد على الفترة القصيرة التي لم تمنح فيها الولايات المتحدة بعد دعماً غير مشروط لإسرائيل، مثلما فعلت بعد ذلك وتفعل حتى الآن.

لن نعود إلى اللائحة اللانهائية للانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين، والتي يؤكد پاپه أنها لم تتوقف منذ ذلك الحين، بل يلاحظ أيضاً السلوك البارد وغير الإنساني للجيش الإسرائيلي، والإفلات التام من العقاب الذي ما زال يتمتع به الجنود والضباط، رغم الحقائق التي يجب أن تندرج في نطاق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويعزو ذلك إلى التواطؤ الوثيق بين الدائرتين المدنية والعسكرية إلى أن كثيراً من المسؤولين العموميين يأتون من الجيش، وليس من المستغرب أن يكون الجيش هو المنفّذ للأهداف السياسية المخزية. 

يقول پاپه: ما زال الصمت يحيط بهذه الصفحة من التاريخ المعاصر، ومن المفهوم أنه لم يجرؤ أحد على اتهام اليهود بالتطهير العرقي في أعقاب المحرقة. ومع ذلك، ما زال من المدهش أن التطهير العرقي للعام 1948، تم القضاء عليه بالكامل تقريباً، ومحوه من الذاكرة الجماعية العالمية، وبالتالي، هل يمكن بناء سلام صادق ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين في ظل هذه الظروف؟

(*) مدونة نشرها الكاتب العراقي رضا الأعرجي في صفحته الفايسبوكية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021