عن إنجيل "منحول"

محمود الزيباوي

الأربعاء 22/04/2020
احتفل مسيحيو الشرق، الأحد الماضي، بعيد الفصح، وهو أعظم أعيادهم وأكبرها، وبه يُختم الصوم الكبير. ويُعرف هذا العيد كذلك باسم أحد القيامة، وفيه يستذكرون قيامة المسيح من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من صلبه وموته. ومع هذا العيد، ينتهي أسبوع الآلام، ويبدأ زمن القيامة الذي يتواصل حتى عيد العنصرة الذي يحتفي بحلول الروح القدس على تلاميذ المسيح بعد صعود يسوع إلى السماء بعشرة أيام.  
 
يستعيد أسلوب الآلام، الأحداث التي وردت في الأناجيل الأربعة، وهي الأناجيل التي تبنّتها الكنيسة، وتوصف بالقانونية، غير اننا نقع كذلك على إنجيلين يُعرفان بإنجيلَي الآلام، وهما من الأناجيل غير القانونية التي توصف بالمنحولة. يُعرف الأول بإنجيل بطرس، ويُعرف الثاني بإنجيل نيقوديموس. وهذان الاسمان يعودان لبطلين من أبطال الأناجيل القانونية، فبطرس هو هامة الرسل، وقد دعاه يسوع ليكون تلميذاً، ثم رفيقاً له يلازمه باستمرار، ثمّ رسولاً، واسمه يُذكر دائماً أوّلاً عند ذكر أسماء الرسل. أما نيقوديموس، فهو من رؤساء اليهود، وقد جاء إلى المسيح ليلاً ليباحثه في أمر الولاد الثانية الروحية، فاقتنع بكلامه، ودافع عنه أمام اليهود، وعمل على تطييب جسده بعد موته وشارك في دفنه.

يعود انجيل بطرس إلى مرحلة مبكرة، فقد ذكره بعض من آباء الكنيسة ابتداء من نهاية القرن الثاني وإلى نهاية القرن الرابع وبداية الخامس، وقد اعتُبر من الكتب المفقودة إلى أن عثرت بعثة فرنسية على نسخة مجتزأة منه في صعيد مصر، في نهاية القرن التاسع عشر. تبدأ هذه النسخة المجتزأة بختام محاكمة يسوع، وتنتهي بظهوره الأول عند بحيرة طبرية بعد قيامته من الموت، وتتقاطع هذه الرواية بشكل عام مع رواية الأناجيل القانونية، غير أنها تحوي تفاصيل لا نجد لها أثراً في هذه الأناجيل. كما أنها تحمل أثر مذهب من المذاهب التي رفضتها الكنيسة ووصفتها بالبِدع، وهو المذهب الذي يُعرف بالدوسيتي، وقد ظهر في زمن نشوء المسيحية، وكان يقول إن نسوت المسيح لم يكن إلا ظهوراً، وليس حقيقياً، وكذلك آلامه.

الكهنة
في حديثه عن محاكمة يسوع، يقول انجيل بطرس: "ولكن لم يغسل أحد من اليهود يديه، لا هيرودس ولا أيًا من قضاته، وعندما رفضوا أن يغسلوا أيديهم قام بيلاطس". بحسب انجيل متى، وُلد يسوع في أواخر أيام الملك هيرودس الكبير، حاكم اليهودية، أي القطاع الجنوبي من الولاية الرومانية في فلسطين، وأعطى هذا الملك الأمر بقتل جميع الأطفال في بيت لحم، حتى لا ينجو يسوع ويملك على اليهود ويتربّع على عرشه. وفي نهاية مسيرته، "تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي". تمّت المحاكمة في دار الولاية، وأمام إصرار اليهود على إدانة المسيح، "أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً: إني بريء من دم هذا البار". يتجاوز إنجيل بطرس هذه الأحداث، مؤكداً بأن الحكم على يسوع تمّ على أيدي اليهود وهيرودس وبيلاطس. ثم ينقل رواية اقتياد المسيح إلى الصلب، وتتقاطع هذه الرواية مع الأحداث في الظاهر التي رصدتها الأناجيل الأربعة، غير أنها تحمل في الباطن بُعداً آخر. صُلب يسوع بين لصين، وكان هو صامتاً، "كما لو أنه لم يشعر بألم". وقبل أن يسلم الروح، نادى وصرخ: "قوتي يا قوتي، أنت تركتني".

وتتعارض هذه الرواية مع الرواية القانونية التي تؤكّد آلام المسيح، وفيها يصرخ المسيح في الساعة التاسعة بصوت عظيم قائلاً: "إيلي، إيلي، لما شبقتني؟"، أي"إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟". باختصار، يعكس نص انجيل بطرس هنا، أثر المذهب الدوسيتي الذي يقول إن المسيح لم يتخذ جسداً حقيقياً، بل إنه ظهر على الأرض في شكل وهيئة جسد، ولهذا لم يشعر بأي ألم لأن جسده سمائي وليس مادياً.

دفن المسيح
من الصلب، ينتقل الراوي إلى فصل دفن المسيح، ثم يصل إلى مشهد القيامة، ويتضمن هذا المشهد أحداثاً لا نجد لها أثراً في الأناجيل القانونية. بحسب انجيل بطرس، جاء جمع من أورشليم ونواحيها، في صباح السبت، لمعاينة قبر يسوع الذي خُتم بسبعة أختام، وفي الليلة التي تسبق الأحد، وفيما كان الحرس يتناوبون في مهمّتهم اثنين اثنين، دوّى صوت عظيم في السماء، ونزل من هناك شابان يحيط بهما نور عظيم، واقتربا من القبر، "وبدأ الحجر الذي وضع على باب القبر يتدحرج من ذاته وجاء على جانب، وفُتح القبر ودخل الشابان". أيقظ الحشد قائدهم والشيوخ، "وبينما كانوا يعلنون الأمور التي رأوها، رأوا ثانية ثلاثة رجال خارجين من القبر، واثنين منهم يساندان واحدًا، وتبعهم صليب". وكان رأسا الرجلين الأولين يبلغ السماء، أما رأس الرجل الذي يقودانه باليد، فكانت تتخطّى السماوات. وسُمع صوت من السماء يقول: هل بشّرت الراقدين؟، "وسُمعت إجابة من الصليب: نعم". ذُعر الجمع، وراحوا يخطّطون في ما بينهم لإخبار بيلاطس بما رأوه، "وبينما كانوا يفكرون في ذلك شوهدت السماء تُفتح ثانيه، ونزل رجل ودخل القبر". أسرع الحرس إلى بيلاطس، وأخبروا بيلاطس بكل ما رأوه، وقالوا: "حقّاً كان ابن الله". وأجاب الوالي: "أنا بريء من دم الله". فتوسّل الكلّ اليه بأن يخفي الأمر، وقالوا "من الأفضل لنا أن نكون مذنبين بالإثم العظيم أمام الله، ولا نقع في أيدي شعب اليهود فنُرجم". فأعطى بيلاطس الأمر بعدم النطق بكلمة.

وفي المعنى، ظهر المسيح مع ملاكَين لهما قامة هائلة، وكان أعظم منهما، وأكّد بأنه نقل نبأ القيامة إلى الراقدين، أي إلى الموتى. يظهر أثر المذهب الدوسيتي مرّة أخرى في هذه الرواية، التي تجعل من المسيح ملاكاً ذا قامة هائلة، يتخطّى برأسه السماوات. ونجد في نبأ البشارة إلى الراقدين إشارة إلى نزوله إلى مثوى الأموات، وهو الحدث الذي لا يتحدّث عنه أي من الإنجيليين بشكل مباشر، إلا أننا نجد في بعض رسائل العهد الجديد إشارات تتصل اتصالاً مباشراً بهذا الحدث الغامض. ففي رسالته الأولى، يقول بطرس إن المسيح "أميت بجسده ولكنه أحييَ بالروح، فذهب بهذا الروح يبشر الأرواح التي في السجن" (3، 19). وفي رسالته إلى أهل أفسس، يؤكد بولس أن المسيح الذي صعد إلى ما فوق السموات "نزل أيضاً إلى أسافل الأرض" (4، 9).

يزخر الأدب المسيحي الأول بالنصوص التي تصف مراحل هذا النزول، وأوّل هذه النصوص نص انجيل نيقوديموس الذي اعتبر من الأناجيل المنحولة، كما أشرنا. وفقاً للعقيدة المسيحية، صُلب المسيح يوم الجمعة ودُفن جسده في قبر حُفر في الصخر، ونزلت نفسه في سبت النور إلى مثوى الأموات حيث أرواح الراقدين تنتظر في العدم، من دون مكافأة ولا قصاص، لأن أبواب الفردوس مغلقة أمام الخليقة منذ سقوط آدم. مات المسيح بالجسد وكان على نفسه أن تنزل إلى الجحيم لتُسجن فيها، لكن المخلص "وطئ الموت بالموت"، وحطّمت نفسه قدر الجحيم لتهب "الحياة للذين في القبور".

تتقاطع خاتمة انجيل بطرس مع خاتمة الأناجيل القانونية بشكل كبير. صباح الأحد، توجّهت تلميذة المسيح، مريم المجدلية، مع صديقاتها إلى القبر للبكاء وقرع الصدور، وعند وصولهن "وجدن القبر مفتوحًا، واقتربن، ووقفن، ورأين هناك شابًا جالسًا في وسط القبر، جميلًا ولابسًا رداء أبيض لامعًا. وقال لهن: من أين أتيتن؟ من تطلبن؟ أتطلبن الذي صُلب، لقد قام وذهب. وإذا لم تصدقن، قفن في ذلك المكان، وانظرن الموضع الذي كان يرقد فيه، لأنه ليس هو هنا، لأنه قام وذهب هناك حيث أُرسل".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020