"هوم" يبحث عن الثورة في خبايا الذات

رائد الرافعي

السبت 03/10/2015
عندما تكون فكرة الوطن ضبابية وتهيم مفاهيم الإنتماء والحرية والتمرّد في فضاءات اليقين والتساؤلات والتناقضات، تصبح رحلة البحث عن "حقيقية" الثورة أشبه بعملية ركوب الأفعوانية في مدينة الملاهي، تولّد عند المرء مشاعر قوية وغير متوقعة وتأخذه إلى دفائن الأماكن الداخلية الخفيّة.

يندرج فيلم "هوم" للفنان السوري رأفت الزاقوت يندرج في إطار الأفلام الوثائقية السورية الجديدة التي تنبش بعمق تحت أنقاض الصراعات والمعارك اليومية في سوريا بحثاً عن جوهر التحوّل الذي يشهده الفرد السوري اليوم. والفيلم بحسب الزاقوت هو "عملية توثيق للمشاعر والعلاقات التي تتولّد في لحظة الثورة" وهو فيلم يغرف بشاعرية من خزّان الصداقات والعمل والإحساس بالخطر المشترك الذي أنتجته الأحداث في سوريا.

يبدأ الفيلم الذي عُرض للمرّة الأولى في تموز في مهرجان مارسيليا للسينما العالمية برغبة، وهي رغبة المخرج الذي يعيش حالة المنفى في لبنان في الدخول، إلى قلب الحدث حيث الثورة تعجن واقعاً معاشاً جديداً. يتوجه الزاقوت مع كاميرته إلى منبج وهي بلدة قريبة من حلب، تمّ تحريرها من قوات النظام السوري ليكتشف الواقع الجديد في ظلّال الثورة. ويبدو اهتمام الزاقوت منذ البداية بطبقة من الفنانين الثوريين يجدون في التعبير الفني والمسرحي وسيلةً لبناء مجتمع سوري جديد في عملية تحرّر من كافة القيود السياسية والإجتماعية والفكرية. فنراه بأسلوب الأفلام الوثائقية المعتادة يقابل شخصيات انبثقت من حيوات عادية لتدخل في عملية صناعة الثورة، فيسألها عن مشاعرها وتطلعاتها ويشاركها شعور النشوة أنّ شيئاً ما قد حصل في الداخل السوري لا يمكن كسره.

"منبج كانت كصندوق مغلق وفجأةً صارت مليئة بالثقوب كثيرة ويمكن الإنفتاح على العالم من خلالها،" يقول الزاقوت.  

وبعد تلك الرحلة الإستطلاعية الأولى، يقرّر الزاقوت وهو نفسه قد عمل لسنوات طويلة في عالم المسرح والدمى، أن يعود لمرة ثانية إلى منبج، ليكون هذه المرّة مع كاميراته جزءاً من الحدث. فيقرّر أن يشارك مجموعة من الفنانين عزلتهم في منزل ريفي أثناء تحضيرهم لمسرحيات شعبية، تستخدم الدمى كأداة للغوص في قضايا الثورة والسياسة.




وهنا تأخذ كاميرا الزاقوت بعداً آخر يتخطى الدور التوثيقي لتصبح أداةً شبه علاجية تستحضر النقاشات حول التغيير والثورة. ففي واحد من المشاهد، في المساحة التي يقرّر أصحابها في تسميتها بهوم والتي يمكن أن تترجم إلى العربية بتعابير مختلفة كالموطن أو المنزل، يقوم الشباب في حلقة دائرية في إبداء رأيهم كلٌ بالأفراد الآخرين في جوّ من حرية التعبير االتي استجدت على حياتهم. وتظهر تلك الحلقة وكأنها أشبه بعملية علاج نفسي جماعي من تراكمات الماضي القمعي الذي عايشوه.

ويبدو "هوم" وكأنه يبحث عن أطر ومساحات وحدود الثورة الملموسة والفيزيائية. فمنذ البداية هناك شعور في عمليات الدخول والخروج إلى ومن المنطقة المحرّرة بسكّانها وواقعها. وفي مرحلة لاحقة، ينتقل الفيلم من المكان الواقعي إلى مكان رمزي يظهر كمساحة خيالية أو مساحة يوتوبية حيث كل شيء ممكنا. فـ"هوم" بجدرانه وحديقته هو المساحة الإفتراضية التي تحوي كل مفاهيم التحرّر والثورة غير الحسيّة فتغلفها وتحميها وتسمح بنموها. وشعور العزلة في هوم يعزّزه شريط الفيلم الصوتي والإضاءة الدافئة والحميمية فيه.  

فتحديداً ما يختار الزاقوت تسليط الضوء عليه في الفيلم هو الثورة الداخلية أو الثورة على الذات التي تتجلى في شخصية الفنان الشاب أحمد، الذي تدفعه تجربة العيش في هوم إلى إطلاق العنّان للجوانب الحسّاسة والأنثوية في كيانه. فنراه ينفض عنه غبار التقاليد والمجتمع المحافظ ليُظهر لنفسه وللآخرين عوالمه الداخلية الخاصة التي كانت مطموسة قبل الثورة. وفي أحد المشاهد، نراه يرقص الباليه لوحده في باحة "هوم" في حالة من تحرّر الذات.

تجربة "هوم" التي تنطلق من العام لتنتهي إلى الخاص هي تجربة تحملها شخصياتها في داخلها. فعندما ينتفي "هوم" المكان الملموس وتنتقل الشخصيات إلى المنفى، تجد الشخصيات المكان الثوري الحقيقي مختزناً في أعماقها. 


سيُعرض الفيلم لأول مرة في بيروت، الثلاثاء في ٦ تشرين الثاني المقبل، في مسرح "مترو المدينة" - الحمرا. وسيكون عرضاً خاصاً هذه المرة، بانتظار عروض مقبلة مفتوحة للجمهور. 

     

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019