إحتفاليّة "الأميركية"-150 عاماً.. "قادة" بالجُملَة ونوستالجيا الاحتجاب

فادي طفيلي

السبت 22/10/2016
منذ أشهر، تحتفي الجامعة الأميركيّة في بيروت بالذكرى الـ150 لتأسيسها، وهي الصرح الذي أسّسه مرسلون أنجيليّون أميركيّون في العام 1866 تحت مسمّى "الكليّة السوريّة الإنجيليّة". وقد اختارت الجامعة مظهَرين عموميين لاحتفاليتها تلك، تمثّلا في عراضة لصور شخصيّات درست وتخرّجت وعلّمت فيها، علّقتها على أعمدة إنارة الرصيف البحريّ البيروتيّ إلى شمالها، وبمعرضٍ لصور وخرائط تاريخيّة تمثّل الحياة الطلّابيّة والجامعيّة والشعبيّة والعمرانيّة حولها وفي كنفها، علّقتها على سورها الجنوبيّ إلى يمين شارع دانيال بلس، المُكنّى باسم مؤسّسها الأميركيّ.

وتضمّ العراضة العموميّة على الرصيف البحريّ البيروتي صورًا لـ66 شخصيّة حظيت كلّ منها بنبذة عربيّة وإنكليزيّة قصيرة مُختصرة لصاحبها، أو صاحبتها. واستلّت النبذات من منشورات سابقة للجامعة ولم تُعَدّ خصيصًا لهذه العراضة العموميّة، أو أنّها خضعت لتحرير ميكانيكيّ بسيط وسريع، بدليل أن بعضها تنقصه معلومات أساسيّة، كصورة الفنّان خليل الصليبي المُفتقرة نبذتها إلى تاريخٍ، وصورة الكيميائيّ سمير تابت المُتّسمة نبذتها بالتكرار ("عالم كيمياء وإداري جامعي. عالم كيمياء ومعلّم قاد الجامعة في أصعب أوقاتها")، وصورة كوستاس إيزيدوريديس التي تضمّ نبذة تقول أنّه "عالم، مبتكر، كيميائيّ بارع، ساهم مع مخلوف حدادين في وضع تفاعل بيروت الذي أثمر تجديدات في العلاج الطبّي"، من دون أيّ شرح بسيط لماهيّة "تفاعل بيروت" أو إشارة تعريفيّة سريعة لمخلوف حدادين...

ويمكن القول أن صور الاحتفاليّة العموميّة لـ150 AUB على كورنيش بيروت، تمثّل الصورة التي تودّ الجامعة أن تعمّمها عن نفسها. وتتصدّر صفة "قائد"، الصفات الممنوحة للشخصيّات المرفوعة صورَها. وذاك التصدّر لا ينبع فقط من عدد الذين حُمّلوا هذه الصفة، بل من مدى شيوع و"استهلاك" هذا التعبير في بلد مثل لبنان بات يضمّ "قادة" أكثر من مواطنين.

وبلغ عدد الشخصيّات "القياديّة" التي تحتفي بها الجامعة الأميركيّة، 26 شخصيّة، بينها امرأتان فقط، هما سلوى مكارم، المتخرّجة في 1958 والباحثة في مجال التمريض ومديرة مدرسة التمريض في الجامعة، وأدما أبو شديد، المتخرّجة في 1931 كأوّل امرأة تحمل شهادة الطب في الجامعة الأميركيّة. ويتقاسم "القادة" المُحتفى بهم صفات قياديّة لا تخلو من الغموض أحيانًا، كمثل حالة علي غندور، "القائد الثقافيّ" بحسب النبذة. ويحمل بعضهم صفة "قائد" بلا أي إضافة، كمثل حالة إسماعيل الأزهري، أوّل رئيس وزراء للسودان (1954)، وناصيف اليازجي، الكاتب اللبناني المعروف، وإيلي سالم، الأكاديمي اللبناني، وعلي أكبر صالحي، الدبلوماسي الإيراني ورئيس منظمة الطاقة الذريّة الإيرانيّة من العام 2013 إلى اليوم. كما يحمل البعض صفة "مصرفيّ قائد"، كاللبناني رياض سلامة، و"قائد في مجال الأعمال"، مثل راي إيراني، ونعمة يافث، وسعيد خوري، وشكري شمّاس، و"قائد حكومي"، كصائب سلام، و"قائد تربوي"، مثل الإيراني ذبيح غربان، مؤسس جامعة شيراز وعميد كليّة الطب فيها ثم رئيسها.

والحال، فإن كثافة "القادة" ووفرتهم، وكثرة "المبادرين" و"رجال الدولة" و"الناشطين" و"الباحثين" و"الروّاد" و"المؤسّسين" و"رجال الإحسان"، في تلك الصور المعلّقة في فضاء المدينة العام لتشير إلى دور الجامعة في هذا الأخير، تستحضر بُعدين متناقضين في العلاقة مع رائيها. فهي من جانبٍ تنجحُ في الإشارة إلى مدى أهميّة الجامعة في أداء دورها التربوي والأكاديميّ التاريخيّ منذ ستينيّات القرن التاسع عشر. لكنّها في جانب آخر تُحِلّ، لا بدّ، إحساسًا سلبيًّا وسوداويًّا في بدن المرء وفي تهويماته الذهنيّة هناك على الكورنيش، خاصّة إذا ما كان هذا المرء مُهتمًّا فعلًا باستعراض الصور والتفكّر في أدوار شخصيّاتها وأثارها ومساراتها، وفي معاني ألقاب "مبادر" و"رائد" و"قائد" الممنوحة لها، وفي تصاريف هذه الألقاب والصفات في حياة المجتمع والمكان خارج أسوار الجامعة.

فهناك فوق صورة "القائد الحكوميّ ورجل الإحسان" مباشرة، يصبّ مجرور المدينة مُروّعًا وعاتيًا في فحشه، مُحيلًا الزرقة البهيّة للمتوسّط إلى ظلمة كابوسيّة لأقذر ما ينتجه البشر. وهناك أيضًا، في موضع آخر، حيث ترتفع صورة "المؤلّف الموسيقيّ اللبنانيّ الرائد" والمساهم "مساهمة كبرى في النهضة الثقافيّة اللبنانيّة"، لا يمكن الصمود لأكثر من ثوانٍ بسبب رائحة البول المرعبة، المحوّلة المكان وفضائه إلى بؤرة من القذارة. 

وفي سياق الصورة التي تودّ الجامعة الأميركيّة تسويقها عن نفسها في تلك العراضة العموميّة، وبالمكان العموميّ البيروتيّ المأزوم بيئيًّا والذاهب إلى الانسداد عمرانيًّا، تبرز شخصيّات يمكن من خلالها رصد تحوّلات أدوار الجامعة في بثّ الطاقات البشريّة في المجتمع المحلّي. فالمؤرّخان هما فيليب حتّي، المتخرّج في الجامعة في 1908، وكمال الصليبيّ المُتخرّج في 1949. والأمر، على أهميّة فيليب حتّي وكمال الصليبيّ، بلا أدنى شك، يقول إنّ الجامعة لا تُنتج مؤرّخين جُدد منذ جيل الصليبيّ.

الشاعر هو خليل حاوي، وتعريفه بحسب النبذة الجامعيّة: "شاعر وطني، عربي. شاعر شغوف وبليغ ومناصر للقوميّة العربيّة"، وذاك، إلى الركاكة والتكرار اللفظيّ في النبذة، يُشير إلى مفهوم نمطيّ بائد للشعر تتمسّك به الجامعة، وهذا وحده كفيل بنفي أيّ حالة شعريّة جديدة من الوسط الجامعي الأكاديميّ ونبذها.

الفيلسوف هو شارل مالك، المتخرّج في الجامعة في 1927. لا فلاسفة جُدد منذ جيل مالك. الكُتّاب والصحافيّون هم بطرس البستاني، ويعقوب صرّوف (خريج 1870)، وأنيسة روضة نجّار (خريجة 1936)، وغسّان تويني (خريج 1945)، وغادة السمّان (خريجة 1965)، وأحدثهم إدفيك جريديني شيبوب (خريجة 1969).

الفنّانون هما خليل الصليبي (ولد في 1870 وتوفّي على نحو مأساوي في 1928، ونبذته لا تشير إلى هذا)، وهيغيت كالان (درست في الجامعة في الستينيّات). لا فنّانين بعدهما تحتفي بهم الجامعة. الفاعلون المعاصرون في الحياة الجامعيّة وخارجها هم "القادة في الأعمال" بالدرجة الأولى. في المصارف، في شركات المقاولات والإنشاء والتجارة، في الطب، وفي التطوير الاستثماري. والأحدث بين الشخصيّات التي تبرزها عراضة الجامعة العموميّة وتحتفي بها، هما آية بدير (خريجة 2004)، "صاحبة مبادرات، مبدعة، مؤسِسة شركة "ليتلبتس"، وقد صنفتها مجلّة "انتربرونور" من بين "روّاد الأعمال الناشئين الواعدين". وحبيب حدّاد (خريج 2002)، "صاحب مبادرات، مستثمر، ومؤسِس مشارك لمحرّك "يملي" المتفوّق لتعريب الكلمات وللبحث على الإنترنت، وهو أسس أيضًا "يلا ستارت أب"، أفضل ملتقى لأصحاب المبادرات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وإلى الأهميّة الكبرى طبعًا لما حقّقه كلّ من بدير وحدّاد، وإلى أدوارهما بالغة الحيويّة في عالمنا اليوم، غير أن تمثيلهما لأحدث الشخصيّات "القياديّة" التي تحتفي بها الجامعة وتبرزها في عراضتها العموميّة يشير إلى أمر لا يخلو من إيحاء مُقلق: غياب العلوم الإنسانيّة وانحسارها، وغياب الهمّ الجامعي في الحاجة إلى إحيائها، أو إلى تسليط الضوء على المنشغلين في حقلها. وهؤلاء موجودون في الجامعة بالتأكيد. إذ يكفي ذكر الناشطين في بثّ الوعي الجمعيّ في المجال العام والمنظر الطبيعي والأنثروبولوجيا. 

فبلد مثل لبنان يتفوّق بلا شك في إنتاج "القادة" والمستثمرين والأطباء والمهندسين والمبادرين وباقي المتعلّمين التقنيين. وفي إمكان مؤسّسات وعائلات وجماعات لبنانيّة عديدة المفاخرة، ربّما، بإعدادهم وبنسبها المئويّة. لكنّ ذلك يبدو خاليًا من أيّ معنى إذا ما استعرض في الفضاء العام اللبنانيّ، المخيّب للأمل والمشحون بالأزمات. لا بل إنّ هذا الأخير وآماله المخنوقة وأزماته قد ينعكس سلبًا على من يُقدَّم، أو يقدّم نفسه، فيه. فيبدو هذا المُقَدَّم جزءاً من التركيبة العامّة المأزومة، إذا لم يُقترح في تقديمه فضاء عام بديل "يبادرُ" فيه إلى احترام تواجد البشر ويراعي حركتهم وصحّتهم ومستلزمات تواجدهم وصفاء ذهنهم في المكان العام.

وفي المقلب الآخر لاحتفاليّة 150 AUB، ناحية شارع بلس، جنوبي الحرم الجامعي، لا تبدو هذه "المبادرة" في أبهى حللها أيضًا، على الرغم من تزيّنها بشعار "مبادرة حسن الجوار". فصور العمران والحياة الأكاديميّة والاجتماعيّة في الجامعة وحولها في عموم رأس بيروت، من منطقة الحمرا وصولًا إلى جلّ البحر والروشة، والمرفقة بخرائط تبيّن التحوّلات العمرانيّة في المنطقة منذ أن حلّت الجامعة فيها قبل 150 عامًا إلى الزمن الراهن، هي في النهاية مشاهد مطبوعة على مادة "الفينيل" السميكة، التي يشيع استخدامها للإعلانات التجاريّة والشعارات الحزبيّة وصور الزعماء والقادة السياسيين، وقد عُلّقت على سور الجامعة بين "الميديكال غايت" و"الماين غايت".

ربّما افترض القيّمون على هذه الاحتفاليّة العموميّة أن هكذا صور تخاطب مشاعر الحنين، والذكريات من شأنها التذكير بالصّلة المتميّزة بين الجامعة ومحيطها. لكنّ لوحات الفينيل السميكة على السور لا تزيد الجامعة إلا احتجاباً عن ذلك المحيط. بل أنّ تلك اللوحات، بمادتها التي تخفت وتتشوّه مع الوقت، تتحوّل إلى فضلات مُلوِّثة، كأنّها وضعت هناك بهدف الاحتجاب قبل كلّ شيء. فيما تستمرّ الجامعة في إعفاء نفسها من أيّ مبادرة انفتاح حقيقيّة على المحيط، هذا الأخير الذي يزداد ابتعادًا عنها، في النمط والشكل وأسلوب الحياة.
                         
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020