إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا...

أسعد قطّان

الإثنين 23/03/2020
"إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل". من منّا لا يتذكّر مستهلّ المقالة التي كان يكتبها الصحافيّ حسني البرظان (نهاد قلعي) في مسلسل «صحّ النوم»؟ لكن أحداً منّا لا يعرف كيف كان الصحافيّ سيكمل مقالته. فأحداث المسلسل الكوميديّ كانت تأخذه دائماً، وتأخذنا معه، إلى أمكنة أخرى ومواقف أخرى تمنعه من متابعة المقالة وتمنعنا من معرفة الجواب. لكنّ ما لا يذكره الناس ربّما هو أنّ فطّوم حيص بيص (نجاة حفيظ)، صاحبة الفندق المغرمة بالصحافيّ، حاولت مرّةً أن تعطي جواباً عن السؤال الذي يطرحه. فبادرته بالقول: "شو في بإيطاليا غير المعكرونة.. وشو في بالبرازيل غير القهوة"؟

لعلّي لا أعرف تعبيراً فكاهيّاً عن عالمنا المعولم يضاهي في عمقه افتتاحيّة حسني البورظان لمقالته غير المكتملة. فكلّ شيء في عالمنا اليوم يبدو مرتبطاً بكلّ شيء، حتّى إنّه ربّما علينا فعلاً أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا حتّى نفهم ماذا يجري في البرازيل. وفي عالمنا المنكوب بلوثة الكورونا، ينبغي لنا أن نعرف ماذا جرى في الصين كي نفهم ماذا يحدث، لا في إيطاليا فحسب، بل في كوريا وألمانيا والولايات المتّحدة أيضاً. تتّصف العولمة بأنّها زادت حياتنا تعقيداً، لا لأنّها تربط الأشياء بعضها ببعض، في السياسة والاقتصاد والاجتماع فحسب، بل لكون حياة الفرد فيها باتت مفتوحةً على كمّ هائل من احتمالات الوجود والصيرورة. في المجتمعات الزراعيّة القديمة، كانت الأطر التي تتحرّك فيها حياة الأفراد، معلومةً، وقابلةً إلى حدّ بعيد للرصد المسبق. معظم الأفراد، مثلاً، كانوا يتّخذون مهنة آبائهم، ويسلكون مسارات شبه مرسومة مسبقاً. الحداثة قلبت هذا جذريّاً. أعادت النظر في الثوابت وغلّبت المتحوّل على الثابت. ثمّ أتت العولمة فربطت المجتمعات بعضها ببعض، اقتصاديّاً وثقافيّاً، على نحو مكثّف لم يشهده التاريخ من قبل. صارت إيطاليا مرتبطةً بالبرازيل، بصرف النظر عن الطريقة التي كان حسني البورظان سيختتم بها مقالته لو تسنّى له ذلك.

لكنّ تعقيد الحياة المعولمة يستدعي البحث عن الحلول السهلة. هذا نجد صداه في الجواب الذي تعطيه فطّوم عن المعضلة التي يطرحها حسني: ماذا في إيطاليا غير المعكرونة، وماذا في البرازيل غير القهوة؟ ربّما يكون السوبرماركت هو استعارة العولمة الكبرى. تعقيد العولمة غالباً ما يدفع البشر لاستهلاك النظريّات السهلة لتفسير الأمور، كما يبتاعون حاجيّاتهم من السوبرماركت الواحد، عوضاً من البحث عنها في الحوانيت الصغيرة. نظريّات المؤامرة، التي راحت تفرّخ كالفطريّات في زمن الكورونا، هي بضاعة السوبرماركت الثقافيّ التي نستنجد بها كي نداوي تعقّد العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة في الزمن المعولم. وليس من باب المصادفة أنّ الأصوليّات الدينيّة وغير الدينيّة ازدهرت في زمن العولمة. فهذه تتّسم بقدرتها على فبركة الأجوبة السهلة، للأسئلة الصعبة. نظريّات المؤامرة وأجوبة الأصولييّن في زمن العولمة، وجهان لعملة واحدة، عملة البحث عن تذليل القضايا المتشابكة بمعادلات تبسيطيّة. وليس من الغريب أن تلجأ الأصوليّة إلى المؤامرة، وأن يغذّي الخوف من المؤامرة شوكة الأصوليّة.

غير أنّ نظريّة المؤامرة تختزن في ذاتها، التباسين. الالتباس الأوّل هو أنّها تفترض أنّ القابعين في الغرف المظلمة يستطيعون تحريك ملايين البشر، كما لو كانوا مجرّد آلات عمياء، وذلك رغم أنّنا نعيش في زمن أضحت المعلومة قادرةً أن تصل فيه إلى أقصى أقاصي الأرض من دون المرور بالقنوات الرسميّة. الالتباس الثاني هو أنّ نظريّة المؤامرة ليست تبسيطيّةً فحسب، بل انتقائيّة أيضاً. فهي تختار المعطيات التي تتناسب مع تأويلها للأمور، وتُسقط كلّ المعطيات الأخرى التي تقلّل من شأن هذا التأويل أو تفكّكه أو تنفيه. من هذا المنظور، هي لا تختلف كثيراً عن جواب فطّوم حيص بيص، عن المعضلة التي يطرحها حسني البورظان. بالتأكيد ثمّة في البرازيل ما هو أكثر من القهوة، وثمّة في إيطاليا ما هو أكثر من المعكرونة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020