ذو الوشاحين مارسيل خليفة... أجمل الأوطان ينتظركم فعجلوا مقدمه

وضاح شرارة

الأربعاء 10/07/2019

 

 حين أراد الرياضيون الأميركيون السود، أبطال الركض في مسافاتهم المتفرقة في دورة ألعاب مكسيكو العالمية 1968، التنديد بسياسة التمييز العنصري وقمعها احتجاجات الافريقيين – الاميركيين في شيكاغو 1968، وقبلها في 1966 وفي 1963، ارتقوا منصات الفائزين عند عزف النشيد الوطني "الأميركي" (الولايات المتحدة) ونكسوا الرؤوس ورفعوا القبضات. وسدد الأولمبيون السود ثمن الرأي الجسماني هذا في إقصاء شطر من المواطنين وتعريضهم للعنف والاغتيال، طوال حياتهم المهنية. ولما سخر سيرج غانسبور، المغني والموسيقي الفرنسي، من النشيد الوطني الفرنسي ("المرسيلية") غناها على وجه نؤاسي (نسبة إلى أبي نؤاس، الحسن بن هانئ، المولى الشاعر)، وتعتع جملها، وأتبع أشهر هذه الجمل وأولها مطلعها: "هيا يا أبناء الوطن/ يوم المجد جاء"، بـ"إلخ. إلخ. إلخ."، وهو مغمض العينين، مشتعل السيجارة، متهافت الوقوف.

والفرنسي المحدث، ذو المنبت البولندي، واللاجئ اليهودي مع أهله إلى الملجأ الفرنسي "حاور" وطنه على هذا النحو فدعا إلى الازراء والحط بأصل البلاء: "القومية" الضيقة، وتمجيد الأصول العرقية، وترتيب الناس على مراتب بحسب قربهم من رأس الخلق أو بعدهم المزعومَيْن منه. أما المغني العمشيتي، من ساحل جبيل – البترون، مارسيل خليفة، فيجيب الزبالةَ والكهرباءَ المقطوعة، والبيئةَ الملوثة، وموت الناس على باب المستشفيات، وحلول الحصى والرمل محل جبال الوطن، وثرثرات الخصوم، ودعوات الأعداء إلى محبته (هو المغني)، و"منبت الفتن"، و"الأمكنة الدبقة والمهسترة"، والشعورَ بالفراغ والحاكم الواحد، ولَوْك النشيد في وطن الطوائف، وقذارة اليأس ...( وأجزاء الجمل والعبارات هذه من قطوف تعليقه على حائطه في "فايسبوك")- يُجيبُ هذه كلها بجملة- ماركة (علامة) طنانة وتافهة وركيكة، تشبه لعب أولاد المدارس بمحفوظات لفظية: "تصبحون على وطن".

وهي من الجمل – الماركات التي ابتكرها الأدب الوطني المقاوم في أوائل الحروب الملبننة على لسان ربيع الخطيب وزياد الرحباني وأمثالهما: "بعدكم طيبين؟ قولوا ان شاء الله!". فحُملت الحروب هذه على "فيلم أميركي طويل"، "عَملِ" الرحباني الابن الخالد إلى يوم دينونة التفاهة، وهو ليس قريباً. وحملت على مباراة كرة قدم يرويها بعض أعلام الثقافة الوطنية والشعبية المنتصرة. وولد هذا الأدب "كل الجهات الجنوب" و"أجمل الأمهات..." و"يا علي...". وبعد أعوام مُدحت "ثقافة الدم"، ولون بالأحمر ماء النوافير في معارض غرفة الزجاج في وزارة الإعلام. ودعا بعض "شعراء" هذه "الشعرية"، الوطنية والشعبية المحلية، إلى مبايعة ثقافة الدم التي شيدت على جثث بعض أنصار "الحركة الوطنية".

وإحصاء المغني الموسيقي، وذو الوشاحين: الكوفية "الفلسطينية" سابقاً و"اللفحة" البيضاء التي فتنت صحافية لبنانية "مثقفة" اليوم، علل غيظه يكاد يقتصر على الخدمات والأعطال. ولا يدخل في باب السياسة إلا الاحتلال الاسرائيلي، حكماً، والطوائف، المحمولة على الوطن كله. والسياسة، على هذا الشكل، هي متوسط السياسة على مقياس التراث العطر الذي يقصر الدولة على الخدمات، وناط السيادة بمصالح إقليمية: مقارعة الامبرياليات والصهيونية والرجعية العربية. وهذا التراث العطر والمجلل بالانتصارات المدوية هو مرجع ذي الوشاحين وأمثاله.

والحق أن إجابة مارسيل خليفة هذه لا تعدو، إلى غنائيتها الركيكة، التنصل الطفولي من الواقع. فهو حين يكتب ما كتب ينزل نفسه منزلة البريء الذي لم يأتِ ذنباً وصادف حظه العاثر أن "وقع" في لبنان و"وحوله"، على قول اسرائيلي سائر. ويندرج هذا التنصل في تراث لبناني عريق يتصل من "لكم لبنانكم ولي لبناني" (جبران) إلى تنصيب أدهم خنجر بطلاً استقلالياً ("السيد" نواف الموسوي)، ويمر بتعريف لبنان "فدرالية طوائف ودكاناً على البحر" (كمال جنبلاط) وبـ"ابنوا دولة أولاً ثم ناقشونا" (حسن نصرالله).


وصور التنصل هذه تستقوي بقيم بطولية أريستقراطية، عسكرية وأخلاقية. فالمتنصلون لا ينكرون أن لبنان، ناساً ومجتمعاً ومرافق ومصالح وهيئات واقتصاداً وثقافة...الذي كان على الموعد في 1989 هو صنيعة الجماعات المسلحة والمتقاتلة والمتحالفة، المحلية والاقليمية. وهو ثمرة إدارتها حروبها المتناسلة، وهدنها المتقطعة، وما حسبته انتصاراتها المتصلة وما تنكر أنه هزائمها المنكرة. وخلفت هذه الحروب، "الجميلة" مرة أخرى، قتلى ودماراً وهجرة وتهجيراً ومراتب نفوذ وإقطاعات تعمل بمنطق السيرورات التي أنشأتها وأورثتها مكانتها. وتولى الوصاية على "الإعمار" وسياسته وموارده "الراعي السوري" ، على ما سماه ومدحه وخافه رهط منتخب من رجال ونساء السياسة والفكر والغناء والشعر والرواية.. وحين يناقش الخبراء السياسيون المجربون والخبراء والاداريون والمفكرون الاقتصاديون (مثل زياد الرحباني) والمفكرون الكوميديون (مثل شربل نحاس) أحوال الدين العمومي والسياسة المالية والنقدية، والرواتب والأجور، يسهون عن روافد الديْن ومنابعه الحربية الأولى، ويسهون عن رعاته ووسطائه ورواتب الكومسيونية وأولادهم، وليس هناك من يذكرهم بأن الديْن إنما تولى، في أوائله، تعويضَ أو شراء خسائر الدمار والقتل اللذين نتجا من حروبهم المستدرجة. وذلك على شاكلة ما فعل كارل بولانيي، أحد كبار اقتصاديي ما بين الحربين العالميتين، في شأن الديون الاوروبية وأثرها في أزمة 1929.


والمتنصلون يتنصلون من لبنان غيرهم لأنهم يتمتعون، على ما يزعمون سراً أو جهراً، بفضائل الصفوة، الشريفة مولداً ودماً وأصلاباً. فهم الشجعان وهم الأقوياء، وهم العفيفون، وهم الأطهار، وهم المؤمنون، وهم الذاكرون... على شاكلة أمثالهم في كتب السير والملاحم. وغيرهم خلاف ذلك: عملاء، قذرون، كذابون، سراقون، خونة... على شاكلة أمثالهم في فيلم إيتوري سكولا الإيطالي الشهير. وهم يرون ان الفيدرالية لا تليق بأهل السلطان والحزم والرأي "الصح" من غير استثناء، ولا بمجسدي فصائل جماعاتهم ومستوفي هذا التجسيد. ولا تليق التجارة بأهل السيف منذ خمسة قرون معلومة على أضعف تقدير. والدولة - الدولة، على مثال الرجل- الرجل والفحل - الفحل، لا يستقيم لها أمر إذا لم تلدها مواكب الشهادة، ولم يتقدمها "سادة قافلة الوجود"، خالفو أدهم خنجر على تدبير الناس وضعفهم ونسيانهم وشرورهم. فكيف تتحدر دولة من هذا الطرز من أمثال رياض الصلح وبشارة الخوري...؟ فليس فيهم رئيس جهاز استخبارات واحد، ولا قائد "قوات" فلان أو فلان، أو دعم سريع، أو أمن وطني!

فإذا جمعت البراعة من النتن اللبناني إلى استعجال ولادة "الغد (الذي) يغني" من أحشاء المقاومة البتول، جازت ترجمة الجمع هذا (البراءة + المقاومة = الدولة العادلة) دعوةً ملحة إلى انقلاب عسكري أو "جماهيري" عاجل. فهذا دأب الانقلابات العسكرية "العربية" منذ فجرها. من البريء؟ من لم يتعاطً السياسة يوماً لأنه يحمي الوطن ويفديه، إلخ. إلخ. الخ. من المجرم؟ من ولغ في حياة البشر العادية والتافهة، ومعه أهل السياسة والإدارة والدين العام. ما الحل؟ رجاء أهل البراءة الرضا بحكما الذي لا يليق بهم ويتخطى استحقاقنا بما لا يقاس.


ألم يقل لكم ذو الوشاحين: أجمل الأوطان ينتظركم! فعجلو مقدمه!

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019