قصص الفونوغراف: كيفت استقبل العرب الإسطوانات؟

حسن الساحلي

الخميس 10/10/2019
في الجزء الأول من سلسلة ندوات موسيقية يقدمها "مترو المدينة" بعنوان "بدون خشخشة"، يخبرنا عازف العود والباحث في مؤسسة "آمار"، أسامة عبد الفتاح، أجزاء من تاريخ التسجيل في العالم العربي بداية القرن العشرين، من خلال قصص من تلك الحقبة، ومقطوعات لعبها بواسطة فونوغراف، وأغانٍ قدمها لنا بصوته، لمطربين وعوالم من طبقات ومراتب مختلفة، اشتهرت اسطواناتهم في بلاد الشام ومصر في بداية القرن العشرين (عبدو الحامولي، عبد الحي حلمي، أسمى الكمثرية، فرج الله بيضا ...). 

تبدأ القصة في العام 1857، عندما قام الفرنسي إدوارد دو مارتنفيل بتطوير جهاز يستطيع رسم الإرتجاجات الصوتية على أقراص ورقية. بعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ، اعتمد على هذه التقنية، الباحث الأميركي توماس إديسون، لتطوير آلة من نوع جديد، لا تكتفي برسم الصوت، بل تقرأه أيضاً، حيث استعاض عن القلم بإبرة تحفر الصوت على إسطوانة شمعية، ثم أضاف غشاءً رقيقاً جداً، تخبط الإبرة عليه بالطريقة نفسها المحفورة في الإسطوانة، منتجة بذلك الطاقة الصوتية نفسها.

بعد إديسون، طوّر آخرون أنماطاً أكثر عملية من الفونوغراف، وبدأت شركات عالمية تصنيع هذه النماذج لأهداف تجارية. كانت الكلفة مرتفعة، لذلك انحسر السوق الجديد في الطبقات العليا والأرستقراطية التي احتكرت سماع الموسيقى حتى أواخر القرن التاسع عشر. لم يتغير الحال سوى في بداية القرن العشرين، مع اكتشاف الباحث الألماني الأميركي إيميل برلينر أقراصاً دائرية صلبة ومسطحة (تسمى خطأ بالإسطوانة) أكثر عملية وأقل كلفة من اسطوانات إيديسون الشمعية.


في العام 1901 شارك برلينر بتأسيس شركة "فيكتور توكينغ ماشين كومباني" التي احتكرت الإكتشاف الجديد، وافتتحت فروعاً لتوزيع منتجها في بلدان عديدة من أوروبا والعالم. أشهر تلك الشركات كانت "غراموفون" البريطانية الّتي أخذت على عاتقها التوزيع في الشرق الأوسط (ولذلك شاعت تسمية "غراموفون" عند الحديث عن الفونوغراف).

من نوادر ذلك الزمن، أن إحدى الصحف العربية، كتبت مشككة في صحة اختراع الغرب للفونوغراف. وإثبات الخديعة بالنسبة إليها، امتلاك الآلة الجديدة القدرة على نطق الكلمات العربية بشكل مثالي وبالفصحى، وهو ما سيعجز عنه أي أوروبي أو أميركي في حال قرر تعلم العربية، ما يثبت أن الإختراع غير غربي! 

وقد كُتب الكثير من الكلام الغريب عن الفونوغراف. مثلاً يخبرنا الشيخ الأزهري محمد بخيت المطيعي العام 1906 أن الفونوغراف الذي يكتب الكلام ثم يعيد قراءته "كان يستعمله أفلاطون لتسجيل أقوال مرضاه العاجزين عن التنقل، وكان موجوداً في المحاكم لتسجيل أقوال الشهود والمجرمين، كما استعمله الملوك لتسجيل الإتفاقيات المهمة". وفي رده على سؤال عن الفرق بين الآلة الجديدة والشجرة التي نطقت للنبي موسى (من كتاب "إزاحة الوهم والإشتباه عن رسالتي الفونوغراف والسيكوتاه") يقول المطيعي: "الجامع بينهما أن كلاهما جماد ناطق سمع منه كلام الله، ومتى كانت الكلمات المسموعة من الشجرة كلام الله اللفظي الذي سمعه موسى عليه السلام، كانت الكلمات القرآنية المسموعة من الفونوغراف كلام الله اللفظي وقرآن بلا شبهة في ذلك".


في العام 1902 ولترويج اكتشافها الجديد، قررت شركة غراموفون التعاقد مع مغني أوبرا إيطالي شهير يحمل اسم كاروزو، سجلت له إسطوانات عديدة، محولة إياه أول نجم عالمي في عالم الغناء، وأول متصدر لقائمة بيع الإسطوانات! قررت الشركة بعدها التوجه إلى مختلف الأذواق، وبدأت بحملات تسجيل في مناطق العالم، واختارت من العالم العربي مدينة الإسكندرية التي كانت لا تزال كوزموبوليتية الطابع، حيث سجلّت بالتعاون مع شركة "زونوفون" وهي الفرع الإيطالي من الشركة الأم، عشرات الإسطوانات لعَوالم ومغنين مغمورين أو شبه مغمورين من تلك الحقبة.

رفض مطربو الصف الأول المشاركة يومها (مثل عبد الحي حلمي والمنيلاوي) غالباً بسبب ارتيابهم من الإختراع الجديد وخوفهم على مراتبهم في المجال، مفضلين الإنتظار بينما ينجلي الضباب. رفض المقرئون أيضاً تلاوة القرآن للتسجيل، بسبب عدم وجود فتوى تحلل سماع كلام الله من "جماد" ، وسننتظر حتى العام 1905 لنسمع أول تسجيل قرآني.

من الأسماء القليلة المعروفة يومها التي سجلت إسطوانات، نذكر الشيخ سيد السفطي، الذي كان مغنياً ناشئاً لعبت الإسطوانات دوراً في صعوده في المجال (وسجل في العقود التالية أكثر من 300 اسطوانة)، بالإضافة إلى المغني والملحن ابراهيم القباني أحد رموز الغناء النهضوي في القرن التاسع عشر، الذي سجل آخر توثيق لصوته الذي تبدل بسرعة بسبب مرضه.
 


من ناحية العوالم، تذكر مؤسسة التوثيق والبحث "آمار" وجود نوعين من الأصوات النسائية في تسجيلات 1904 و1905.

أولاً، تلك التي قدمت طقاطيق خفيفة مخصصة للأفراح، جزء منها ريفي أو ذو طابع خلاعي، يخبر المرأة كيف تقدم جسدها لزوجها ليلة الدخلة (واعترضت بعض الصحف في تلك الفترة على وجود هذا النوع من الإسطوانات التي "لا يفترض أن تصل إلى آذان الفتيات اليافعات والبريئات"). وعرفت بهذا "الغناء البلدي"، بهية المحلاوية، صاحبة "اتمخطري يا حلوة يا زينة"، والمبتدئة حينها منيرة المهدية التي سجلت عشرات الإسطوانات لجميع الشركات. وظل هذا النوع من الغناء سائداً حتى بداية العشرينات، ولم يغنه الرجال بشكل عام باستثناء قلّة، منهم عبد الحي حلمي وعبد اللطيف البنا.

أما النوع الثاني من الأغاني النسائية، فكان لعوالم "أرقى"، قدمن الأدوار والقصائد في مستوى يوازي أحيانأً مطربي الصف الثاني من الرجال، ومنهن أمينة العراقية، أمية العوادة، وأسمى الكمثرية التي عرفت بأدوارها ذات المستوى العالي (لم يكن تعبير "عالمة" ذا معنى سلبي بالضرورة في تلك الفترة، والتحول في معنى الكلمة لم يحصل كلياً سوى في العشرينات).

في الفترة نفسها، دخلت شركة جديدة السوق، هي "أوديون" الألمانية، التي بدأت منافسة مع "غراموفون" لاحتكار أبرز مطربي الصف الأول. بعدها بعامين أو ثلاثة، دخلت أول شركة عربية السوق، وهي "بيضافون" التي أسسها الأخوين بطرس وجبراييل بيضا، أولاد عم مغني المواويل المعروف فرج الله بيضا. وبدأ الثنائي تسجيل الإسطوانات لإبن عمهما في منزلهما بمار الياس (بيروت)، وكان يُكتب على الإسطوانات اسم الشركة مصاحباً لجملة "أولاد عم فرج الله بيضا".

توسعت الشركة بسرعة وافتتحت أبوابها في برلين (المدينة التي تُصنع فيها الإسطوانات) والقاهرة، التي أصبحت بسرعة سوق الشركة الأساسي. عرف عن "بيضافون استعمالها خطاباً قومياً ينادي بكسر الهيمنة الغربية على سوق الموسيقى في العالم العربي، وقد سجلت الشركة أصوات مغنين عرب من مختلف الجنسيات، وافتتحت فروعاً لها في سوريا، العراق، تونس والمغرب. في السياق عينه، يمكن فهم اختيار الشركة رمز الغزال ليكون مقابلاً لرمز الكلب الذي كانت تستعمله شركة غراموفون His Master's Voice البريطانية. 


لم يدخل السوق بعد "بيضافون" سوى شركة عربية واحدة هي "ميشيان" التي كانت ملكاً لرجل أرمني مصري يعمل وحيداً في منزله في القاهرة. تعاملت الشركة مع أبرز مغنّي تلك الحقبة، مثل سيد درويش ونعيمة المصرية، وسجلت عدداً من الأعمال المسرحية والحوارات الكوميدية. خلال الحرب العالمية الأولى، انفردت الشركة بتسجيل الإسطوانات في القاهرة بسبب توقف الشركات الأجنبية عن العمل. من نوادر تلك الحرب، انشقاق الفرع الألماني من "غراموفون"، تحت اسم جديد هو "بوليفون"، واستولى على جميع إسطوانات الشركة الأصلية وسوّقها في البلدان العربية مع تغيير اللوغو فقط.

بعد الحرب عادت الشركات للعمل، أولاً في بيروت والقاهرة، ثم لاحقاً دمشق، بغداد، الكويت، والبحرين. هيمنت شركة جديدة على المغرب، هي "باتيه" الفرنسية التي عجزت عن تسويق نفسها في الشرق الأوسط بسبب اختلاف اسطواناتها عن اسطوانات الشركات التي كانت مهيمنة قبل الحرب (في حال أراد أحدهم استعمال اسطوانة "باتيه" كان يفترض أن يشتري فونوغرافاً يتناسب معها). في هذه الفترة ظهر التسجيل على الكهرباء الذي شكل ثورة حقيقية في المجال، وجعل الصوت أنقى وأوضح. أصبح لكل موسيقي، ميكروفون خاص به، بعدما كانت الفرقة تقف بأفرادها كافة أمام الميكروفون (المطرب في الواجهة والآلات منخفضة الصوت بالقرب منه أما الآلات الإيقاعية ففي الخلف). 


ولم تكد تمرّ سنوات قليلة على دخول الكهرباء، حتى بدأ سوق الإسطوانات بالتراجع. كانت موسيقى النهضة تشهد أفولاً أيضاً، وبدأ مغنون مثل محمد عبد الوهاب بالتحول نحو أنماط جديدة، تستعير بعض أساليب الموسيقى الغربية التي غزت اسطواناتها المشرق. شكل دخول الراديو فارقاً كبيراً أيضاً، فالآن أصبح في الإمكان سماع مئات الأغنيات من دون الإضطرار لشراء أي اسطوانة، ومع دخول السينما الغنائية إلى المشهد، تراجع بيع الإسطوانات أكثر، وبدأت شركات الإسطوانات بإغلاق أبوابها تدريجياً، فاسحة المجال أمام سحر من نوع جديد ليأخذ مكانها.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019