قصص الثورة: الخوف والتحرّر منه

يارا نحلة

الخميس 09/01/2020
تواصل الثورة استئثارها بالمشهد الثقافي البديل في المدينة، مع تحوّلها إلى مادّة أساس لمعظم الإنتاجات الفنية والثقافية الحالية. ويُلحظ الإقبال الشديد لجمهورها على ليالي إحياء الثورة، بالمقارنة مع ما قبل 17 تشرين. ومنها ليلة سرد قصص حول الثورة استضافتها منصة "كليفهانغرز" لسرد القصص في "مكتبة علية" في الجميزة.
 
وخلال الجلسة التي تنظمها منصة "كليفهانغرز" مرة في الشهر، منذ تأسيسها قبل خمس سنوات، أدلى المؤدون بشهاداتهم الخاصة حول الثورة عبر وسائط متعدّدة: الكوميديا، الشِّعر، أو السرد القصصي العادي. قاربها كلّ منهم من منظوره الذاتي الخاص، مسلطين الضوء على الفوارق الشاسعة في التجارب الفردية المعاشة إزاء هذا الحدث الجماعي. ففعل التواجد في الشارع، بشكلٍ فجائي، وسط آلاف الأشخاص، ليس نفسه بالنسبة للجميع. لا سيّما "الكويريون" والنساء واللاجئون الذين لأجسادهم تجارب خاصة مع الشارع والمجتمع والنظام والثورة.

شاركت ديما ميخائيل متى، وهي مؤسسة منصة "كليفهانغرز" ومضيفة العرض، قصصها حول نشاطها في الساحات وإحتلالها للشوارع عبر عدسة كويرية تظهر مدى أهمية هذه اللحظة الثورية، خصوصاً لجهة ما تتعرّض له أجساد النساء والكويريات من إقصاء عن الشارع والفضاء العام. تحدّثت عن القلق الإجتماعي الذي يسبّبه وجودها بين الآلاف من الغرباء، وعن تجاوزها لهذا القلق إثر الشعور بالرابط الذي يجمعها بهم ويجعلهم مألوفين. "فهي المرة الأولى التي أرى فيها الرجال يعتذرون للنساء والناس يطعمون بعضهم بعضاً. إنها المرة الأولى التي أشعر بأننا نبني مجتمعاً متضامنا وموحّدا".

في المقلب الآخر، تجربة للاجئة سورية هي مادونا أديب، التي كانت شاهدة على إشتعال الثورة السورية وعلى تحولاتها إلى حرب، فكانت لها مقاربة خاصة لهذا الحدث. مَشاهد عديدة أعادتها الثورة اللبنانية إلى ذهن مادونا ومخيلتها، فأحيت ماضيها المدجج بالخوف والتروما والقلق، رغم بعض المشاهد المبهجة، والبعض الآخر الذي لا يخلو من السخرية والهزل كإنفجارها ضحكاً حين أدركت أن الهجوم الذي تتعرّض له في ساحة رياض الصلح هو هجوم بالعصي وليس بالكيماوي. وقالت معلّقةً: "ما كنت بعرف إنو في ثورة بيضحكوا فيها الناس ومش بيتقوصوا، كرمال هيك كنت نزّل عوينات الشمس وإبكي". ثم ختمت قصتها قائلة: "وأنا لا أزال أبحث عن أرض وعن هوية".

وقد تخلّل الليلة عرض stand-up comedy للكوميدي نور حجار الذي يمكن وصف بعض نكاته بـ"المظلمة" وذلك نظراً للأوضاع غير الطبيعية التي نحياها على مختلف الصعد. كما كان للشِّعر المحكي حضور، على لسان حمزة شمص الذي قدّم تجربة الثورة من وجهة نظر ثوار بعلبك. كما تحدّث عن علاقته ببيروت، وعن "كثرة الثقافة التي تسبّب التروما والبارانويا"، وعن الذنب الذي اقترفه آباؤنا بتوريثنا هذا النظام الجائر.

ولعلّ الجامع بين شهادات الرواة كافةً، إضافةً إلى شهادات أفراد الجمهور الذين فتح لهم "الميكروفون" لاحقاً، هو عنصر القلق والصعوبات النفسية التي أثارها حدث بهذه الضخامة، خصوصاً أنه جاء متزامناً مع "الإنهيار" الموعود. وظهرت بيروت، في رواياتهم جميعاً، كمبعث للتناقضات العاطفية؛ للحماسة والخوف، التعلّق والنفور، الأمل والإحباط، في آخر محاولاتهم لإنقاذ هذه المدينة، وهي محاولات ترتطم مرة تلو الأخرى بعراقيل وتعقيدات النظام القائم.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020