من سراء الكتابة وضرائها

روجيه عوطة

الأربعاء 31/03/2021
في الزمن الكوروني، شاعت فرنسياً المقولة إياها حول الكتابة، التي تفيد بأنها تحمل الى السراء، أي الى ما يمكن أن يسمى، وعلى مبالغة لا تلائم السياق هنا، بالكينونة الهنيئة، أو بهناء الكينونة: حالة من السكينة والتؤدة. فعلياً، شيوع هذه المقولة مردّه أن عدد المخطوطات المرسلة الى دور النشر، ازداد خلال الحجر الصحي، بمعنى أن الإقبال على الكتابة بدا وكأنه يخفف من وطأة هذا الوضع، فيجعله موضوع تحمل على الرغم من كل الضجر والانغلاق. بالتالي، الكتابة هي سبيل الى السراء في وقت الضراء، لا سيما بسبب إتاحتها التعبير عن لواعج الذات أو وقائع المُعاش، بحيث أن التعبير عنها هذا لا يتركها مجرد مصدر للقلق.

كل الآتي في هذه المقولة قد يكون صائباً من باب أن ثمة بالتأكيد من سيردد، وعند الوقوع عليها، بأنها تمثل علاقته بالكتابة. فيمكن قراءة هذه المقولة-ولا أريد أن أصفها بالدعاية احتراماً للمقتنعين بها- في التوصيفات التي ترافق ورشات الكتابة، والتي تبدو، وعلى الغالب من أحيانها، كأنها دلائل عملية من أجل التنعم بسرائها: "كيف تكتب فتشعر بالراحة؟". حسناً، لا بأس بهذا، لكن المقولة إياها ليست قادرة على أن تنسي مقلبها المختلف، أي الذي يدور حول إشارة الى ضراء الكتابة في وقت السراء. فللكتابة أيضاً هذا المقلب، الذي لا يوصل الى هناء، إنما على العكس، الى شيء، من المعلوم أن المنظور الأفلاطوني حدده بأنه شبيه بعطب إنسي. ألخّص هذا المنظور: الكتابة تطفل على ما يجب أن يبقى في الفكر لأنه، وحين يخرج منه، فهو يتعرض للتلف، أي يموت. الكتابة تدمير لملَكة التذكّر. الكتابة لا رواح فيها، بمعنى لا حركة للروح فيها. كل كتابة هي "كتابة على ماء" (فيدروس)، يعني بدلاً من الهناء، هناك هباء بهباء. عالم الكتابة ليس عالم الأخذ والرد، وفي النتيجة، ليس عالماً طبيعياً.

حين علّمنا الراحل برنار ستيغلر، هذا المنظور، أقدم على استخلاص درس مهم منه، وهو أن الكتابة قد تكون دواءً، لكنها، وفي الوقت نفسه، داء. إنها، وبعبارة واحدة، فارماكولوجية، وهذا، إسوةً بكل الوسائط التقنية. إذ إنها سبيل اهتمام بالنفس، إلمام بها، لكن لا بد من الحذر منها، لأنها قد تسيطر عليها بما هي روح وبما هي جسد. فعلياً، الكتابة هي الترياق وهي السم معاً، وربما، في هذه الجهة يمكن وصلها-هنا فكرة مرمية هكذا بلا روية- بالقراءة. كتابة وقراءة؟ القراءة، باعتبارها تقنية عضوية، هي ترياق الكتابة حين تصير سمّاً، والكتابة هي ترياق القراءة حين تغدو سمّاً. لكن كيف تسمم الكتابة؟ أكتفي بإجابتين لا تختصران كل الإجابات، التي من الضروري في يوم من الأيام جمعها، أو الاطلاع على أقوال الكاتبات والكتّاب عن فعلهم الإبداعي من بابها. فعندما تقول دوراس، على سبيل المثال، أن الكتابة هي من قبيل صياح بلا ضجيج، فهذا قد يكون من سراء الكتابة، الا أنه من ضرائها أيضاً: فما هذا الصياح الذي لا يضج، أليس صياحاً مكتوماً ومعطلاً؟!

الإجابتان إذاً.
الأولى أن الكتابة قد تؤدي إلى الاستلاب بها، بمعنى أنها قد تقبض على ممارسيها، ولا يعود من الممكن لهم أن يطلوا على ما يجري حولهم سوى من خلالها. الاستلاب ليس تقدم الكتابة على موضوعها، إنما تقدمها على كل ما هو ليس كذلك. ففي إثر الاستلاب، يولد ذاك الذي يظن انه، وبواسطتها، سيغير الكون، أو يولد ذاك الذي تصير مرجعه، بمعنى يضع كل شيء في خدمتها، وهو ذاته، وبفكاهة، الذي تقول له فكرة ما، فيردّ "اكتبها اكتبها". للإستلاب أشكال عديدة، لكنه، في خلاصته، يجعل من الضروري أخذ مسافة (استعارة كورونية) من الكتابة، من كل ما يتعلق بها، أي نمط الحياة، والتفكير الخ. فمن الضروري نوعاً ما، ألا يقتنع ممارسو الكتابة بأنهم كاتبات وكتّاب!

الإجابة الثانية ليست منقطعة عن إجابة الاستلاب، إنما تبرز ما يشبه ذروة من ذرواته. يحيل إلى هذه الإجابة موضوع لم يُدرس ملياً: الغرافومانيا، أي ما يمكن تعريبه بهوس الكتابة. إذ أنها حالة وصفها الطبيب السويسري بلولر، ثم اهتم بها أوسيب لورييه، ولاحقاً، تطرق إليها ميشال ديفيد في كتابه عن غرافومانيا الكاتبة نوتومب. الغرافومانيا، وباختصار طبعاً، تتشكل، كهوس، كوسواس، بالاندفاع إلى الكتابة من دون مقاومة، كما لو أنها ستبلغ غرضاً ما منها. لكنها، كلما أوشكت على بلوغه، اختفت، فيحكمها التكرار إلى ما لانهاية من أجل الوصول اليه. كما أن هوس الكتابة هو هوس بكونها تحمي من ضراء ما، بمعنى تحويلها إلى طقس متكرر من أجل الوقاية بها منه. إلا أنها، وفي هذا السياق، وإن أُقبل عليها كسرّاء مضاد للضرّاء، كدواء مضاد للداء، فخلال ذلك، لا تكون سوى هذا الضراء وهذا الداء.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021