"الإفيه" المصري.. والخطاب "الديني" وأقرانه

ناصر كامل

الثلاثاء 12/10/2021
حين يكون السؤال: "سعد زغلول قال أيه"؟، يجيب معظم المصريين: "مفيش فايدة!"، والبعض يضيف: "وقال غطيني يا صفية؛ وصوّتي". قلة قليلة تتذكر مقولة أخرى لزعيم الأمة وقائد ثورة 1919، ليجيبوا مثلاً: "قال الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة".

على المنوال نفسه، تروج جملة بهجت الأباصيري (عادل إمام) في مسرحية "مدرسة المشاغبين": "العلم لا يكيل بالبتنجان"، وتُنسى جملة طه حسين: التعليم كالماء والهواء.

معظم المصريين غرباء عن تاريخهم، لكن هذا ليس موضوعنا، هذه مقدمة للتفريق بين ثلاثة مستويات للكلام: وقائع محل تحقيق تاريخي، الإفّيه، الخطاب.

واقعة "مفيش فايدة" تنسب إلى سعد زغلول، البعض يسوقها للتدليل على يأسه من مواصلة الكفاح من أجل الاستقلال وجلاء المحتل البريطاني عن مصر، وأنه لا فائدة من أي جهد لتغيير الواقع، ويصحح آخرون الواقعة فيذكرون أن سعداً قالها لزوجته، صفية، حين اشتد عليه المرض في أواخر أيام حياته؛ قاصداً أنه لا فائدة تُنتظر، بعد، من الدواء.

الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة، وكذلك التعليم كالماء والهواء، يمكن اعتبار كل منهم خطاب.

جملة الأباصيري "إفّيه". وكما هو واضح، فإن "الإفّيه" كلمة أو فعل تهكمي، يطلق بقصد الإضحاك، وتكون ذروته الفعلية، حين يتلامس، يتقاطع، يتصادم، مع: مقولة، واقعة، خطاب. أطلق الأباصيري "الإفّيه"، عقب سماعه خطاب، الأستاذة عفت (سهير البابلي) العلم لا يكيل بالمال، وهي مقولة، خطاب، يستمد طاقته من خطاب طه حسين.

***

في فيلم "مراتي مدير عام" (1966) يشعر الأستاذ عبد القوي (شفيق نور الدين) بالغضب جراء تعيين الأستاذة عصمت فهمي (شادية) مديراً عاماً، وحين تصافحه للمرة الأولى يستدعي حنفي "الفرّاش" (حسين إسماعيل) كي يجلب له "القبقاب" ليستعيد الوضوء، وهنا تُطرح مسألة الخلاف الفقهي: هل تنقض مصافحة المرأة الوضوء أم لا؟ يتمسك عبد القوي برأي ابن حنبل، فبعد كل مصافحة، ينادي على حنفي. لكن، وقرب نهاية الفيلم يصافح عبد القوي الأستاذة عصمت بيديه الاثنتين، فيسرع حنفي، جالباً "القبقاب"، لكن عبد القوي، الغاضب جراء نقل المديرة؛ التي أثبتت كفاءة وجدارة وأحبها جميع الموظفين، يطوح بـ"القبقاب"، بعيدا، حين يأتي به حنفي، كالعادة، ويرد على حنفي الذي قال له: "مش ابن حنبل قال ينقض"، فيقول: "أبو حنيفة قال ما ينقضش".

رأيا أبو حنيفة وابن حنبل، كلاهما، خطاب. "ماينقضش" إفّيه. المصافحة واقعة. في مواجهة المصافحة هناك خطابان، وعبد القوي يتحول، عبر تجربة، ممارسة، واقع جديد، من خطاب لآخر، هو في الواقع نقيضه.

الخطابان ينطويان على خطابات عديدة متعلقة بعمل المرأة، لباسها، وغيرهما. في المصافحة ونقض الوضوء أكثر من خطاب ديني، فدار الإفتاء المصرية ذكرت أن "مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية محل خلاف في الفقه الإسلامي؛ فيرى جمهور العلماء حرمة ذلك، وأجاز الحنفية والحنابلة مصافحة العجوز التي لا تُشتهى، بينما يرى جماعة من العلماء جواز ذلك؛ لما ثبت أن عمر بن الخطاب صافح النساء لمَّا امتنع النبي عن مصافحتهن عند مبايعتهن له، فيكون الامتناع عن المصافحة من خصائص النبي، ولا حرج في تقليد هذا الرأي عند الحاجة".

في فهم ما المقصود، تحديداً، بالمرأة الأجنبية يشار دائماً إلى الآية 31 من سورة النور، وهي موجهة للنساء (المؤمنات)، ولذلك فهي تحدد، الرجل الأجنبي، لكن يقاس عليها لتحديد المرأة الأجنبية. ومن ينشغل بالمقارنة سيقع، بلا شك، في لائحتين: طويلة متعلقة بالرجل الأجنبي، وقصيرة للمرأة.

أما نقض الوضوء بالمصافحة فهو محل خلافٍ أيضًا؛ "فيرى الشافعي أنها تنقض الوضوء ولو من غير شهوة، ويرى أبو حنيفة أن اللمس بنفسه لا ينقض ولو كان بشهوة، ويُفَصِّل الإمام مالك القول في ذلك بين ما إذا كان اللمس بشهوة فينقض أو من غير شهوة فلا ينقض".

هكذا يعرف المشاهد في أي "محنة" كان عبد القوي مع الأستاذة عصمت، ومن أين خرج، وإلى أين ذهب.

ففي المصافحة الختامية، كان عبد القوي يضع السبحة في معصمه، ويضغط على يد الأستاذ عصمت بكلتا يديه، وهو يغالب دموعه، لكن هذا كله، كما رآه المشاهد، كان "من غير شهوة"، قطعاً، في الظاهر، طبعاً.

***

في فيلم "شارع الحب" (1958) يقف حسب الله (عبد السلام النابلسي) في مقدمة الشاشة (الكادر) وخلفه، على مسافة، في عمق المشهد، يجلس ثلاثة من أعضاء فرقته، ويوجه لهم "خطاباً"، يرفض فيه مقترحهم بأن يتزوج سنية ترتر (زينات صدقي)؛ كحل لمشكلتهم المالية المتفاقمة، ثم يتحول إلى "خطاب" آخر، فيرفع كلتي يديه وينظر إلى السماء ويقول: "يا لطيف، يا حفيظ، إلهي، إلهي، لا تحوجني لها يا رب، أفرجها من عندك يا كريم، إبسطها يا با"، فيسقط عليه سائل (لا يعرف المشاهد من أين نزل)، ويكمل حسب الله "سط"، ثم يقف الثلاثة ويتقدمون ليصبحوا خلفه، مباشرة، ويكون حين نزل على رأسه السائل قد أنزل يديه، ثم يرفع يده اليمني، ويقول "كفاية، ما تبصتهاش أكتر من كدا"، يكتمل المشهد بمعرفة المشاهد أن الملقي بالسائل هي سنية ترتر، وأنه ملوخية؛ قد اعدتها له ولأعضاء فرقته.

الباسط، كما هو معروف، وكما يعتقد المسلمون، اسم من أسماء الله، وقد ورد فعل بسط، ومشتقاته مرات عديدة في القرآن، وفي أغلبها كان البسط متعلقاً بالرزق، "الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" (الرعد، 26)، "إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" (الإسراء، 30)، "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض" (الشورى، 27).

***

فى نهاية العام 2014، وفي الاحتفال بالمولد النبوي، وقبل أن يكمل ستة أشهر في الحكم، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوته لـ"ثورة دينية". دعوة بدت صادمة؛ فالحضور، وقتها، ظهرت عليهم، بوضوح، علامات الذهول من الكلمات التي ينطق بها، والأحكام التي يصدرها. فهو بدأ بالحكم على "عوام الناس" بعدم الصدق والإمانة والإخلاص، ثم وصم المصريين جميعاً بأنهم يعانون من الانفلات السلوكي والأخلاقي والفوضى، وأرجع كل ذلك كله إلى مشكلة في "الخطاب الديني"، ثم أطلق دعوته: "نحن نحتاج ثورة دينية"؛ لأن "الأمة تتمزق، الأمة تدمر نفسها بنفسها"، وحمّل شيخ الأزهر مسؤولية "تجديد الخطاب الديني".

وتكررت الدعوة، والمطالبة، والتبرم من عدم الاستجابة، لكن السيسي لم يطرح، أبداً، ولو بصورة مختصرة، ما يفهمه، أو يعنيه، بكلمة "خطاب"، فـ"التجديد" قد لا يكون "جديداً" على "الفكر العربي/الإسلامي"، وقد لا يكون هناك جدل كبير حول المقصود من "الديني"، لكن "الخطاب"، وهو "قلب" الدعوة، ليس مطروحاً أو متداولاً، عربياً، إلا منذ نحو أربعة عقود.

لا يتسع المجال، قطعاً، لعرض الصياغات، والمجالات، والتصورات المتعددة لمفهوم الخطاب، لكن ما تقدم من فقرات، وما سيلي، يحتاج إطاراً "مفاهيمياً" ما.

مصطلح "خطاب"، و"تحليل الخطاب" له، في النقد الأدبي الغربي المعاصر، مدلولات عديدة، يمكن، تلخيصاً، نسبتها إلى قسمين رئيسيين: ما يتصل بالبحث اللغوي (اللساني)، والنقد ما بعد البنيوي؛ وعلى الأخص ما يعرف بـ"التاريخانية الجديدة"، والدراسات الثقافية.

من القسم الأول يفيدنا، هنا، مقترح الفيلسوف الإنكليزي هربرت بول غرايس، الذي أعطى المتكلمين ومقاصدهم مكانة محورية عند تفسير المعنى؛ فقد لاحظ أن للكلام دلالات غير ملفوظة يدركها المتحدث والسامع من دون علامة معلنة واضحة، فحين يقول شخص لآخر: "ألا تزورني؟" فإن السامع لا يفهم أن الجملة سؤال، بل هي دعوة للزيارة، رغم أن شكل الجملة النحوي يوحي بكونها سؤالاً.

على هذا فإن المشاهد لا تلتبس عليه قصدية "حسب الله"، فتكوينه الجسماني (وضعية يديه، ونظرته إلى السماء)، ومنطوقه، يحددان مقاصده، بوضوح، ويصبح تفسير معنى الكلمات يسيراً، ولا تحتمل تأويلاً، أو للدقة، لا تقتضيه.

القسم الثاني يشغل فيه ميشيل فوكو مكانة مركزية؛ فقد صاغ لمفهوم الخطاب سياقاً دلالياً اصطلاحياً مميزاً، عبر تنظيراته واستعمالاته الكثيفة له في العديد من الدراسات "التطبيقية". فالخطاب عنده شبكة معقدة من العلاقات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تبرز عبرها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه.

في ترجمته لمحاضرة فوكو "نظام الخطاب" (1970)، يعلق محمد سبيلا في الهامش بعد ذكر فوكو لكلمة الخطاب، فيقول: "يتكاثر في هذا النص (محاضرة فوكو، 1970) ورود كلمة خطاب (Discours)، وهو مصطلح لساني، يتميز عن نص وكلام وكتابة وغيرها بشكله لكل إنتاج ذهني، سواء كان نثراً أو شعراً، منطوقا، أو مكتوباً، فردياً أو جماعياً، ذاتياً أو مؤسسياً، في حين أن المصطلحات الأخرى تقتصر على جانب واحد. وللخطاب منطق داخلي وارتباطات مؤسسية، فهو ليس ناتجاً بالضرورة عن ذات فردية يعبّر عنها أو يحمل معناها أو يحيل إليها، بل قد يكون خطاب مؤسسة أو فترة زمنية أو فرع معرفي ما".

أما عبارة فوكو، التي قاطعها سبيلا بهامشه، فهي: "أفترض أن إنتاج الخطاب، في كل مجتمع، هو في الوقت نفسه إنتاج مراقب، ومنتقى، ومنظم، ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل، وإخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة".

في كتابه "الكلمات والأشياء" يذكر فوكو أنه في كل المجتمعات، تقريباً، ثمة قيود معروفة على ما يقال، وهي نابعة مما يسميه "شفرات الثقافة"، التي تؤثر، بطريقة لا واعية، في صيرورة المجتمع ومنتوجاته الثقافية وغيرها.

***

كل ما تقدم سنجده في فيلم "الزوجة الثانية" (1967). القصة (20 صفحة) نشرها أحمد رشدي صالح، العام 1955، ضمن مجموعة قصصية حملت العنوان ذاته، والسيناريو اشترك فيها: سعد الدين وهبة، صلاح أبوسيف، محمد مصطفى سامي، وانفرد الأخير بالحوار، وكان الإخراج لأبوسيف.

عُرض الفيلم للمرة الأولى بعد هزيمة يونيو/حزيران. أول ما يُشاهد: "شركة القاهرة للإنتاج السينمائي.. تقدم.."، ثم "من خطة 65/66". التأخير لا يرجع لوقوع الهزيمة، بل ناتج عن تعثر مالي، وتغير في القيادات، مشكلات مالية وإدارية متفاقمة، وسابقة على الهزيمة، ومفضية إليها، ليست المشاكل، مشاكل القطاع العام السينمائي، فقط، بل تشمل كل النشاط الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي، الذي تباشره الدولة.

مشاهد ما قبل العناوين، وامتدادها، مرافقة لظهورها، وحتى نهايتها، تمثل بدقة خطاب دولة يوليو؛ في أنصع صوره وصياغاته، الصورة تقدم قرية مصرية "نموذجية" في 1966: شوارع نظيفة، واسعة، وآلات زراعية حديثة، وصبية وفتيات بملابس لائقة، والكلمات (كتبها صلاح جاهين) تأتي على لسان لاعب بيانولا؛ تحكي سردية عن واقع قرية مصرية قبل 23 يوليو 1952: فوارق طبقية شاسعة، وظلم.

تظهر لوحة الفيلم "الزوجة الثانية"، ويرافقها، صوت آلة نحاسية، تعزف ما يعرف في ثكنات ومعسكرات ووحدات الجيش والشرطة بـ"نوبة صحيان"، إشارة إلى أن شيئاً مهماً سيلي، يعقبه صوت من خارج الكادر (الصوت لشفيق نور الدين)، يقول: "الدنيا واللي في الدنيا".

الفيلم يمثل خطاب الدولة، وتلخصه اللقطة الأخيرة (لقطة كبيرة جداً للقرية وجموع الناس من زاوية مرتفعة. ثم ترتفع الكاميرا لأعلى على السماء وتظهر كلمة النهاية)، يرافق ذلك، ويظهره (خطاب يوليو) صوت المعلق من خارج الكادر، في الجمل الختامية: "دنيا وفيها كل شيء. وكل من جاها مشي وكل ظالم إنخسف. والحق هو اللي إتنصف. وتوتة توتة فرغت الحدوتة".

ظهر ذلك للمرة الأولى في 14 أكتوبر 1967، بعد أقل من مئة يوم من هزيمة يونيو/ حزيران.

***

المشاهد العشر الأولى (بعد المشاهد الافتتاحية، التي تظهر فيها عناوين الفيلم والمشاركون فيه، وهي المشاهد التي تقدم "خطاب، سردية، يوليو") تعرض السمات الأساسية للشخصيات الرئيسة ومقاصدها الأهم، وخطوط "الصراع" المتشابكة، وبذور تصاعده.

في المشهد الأول يلقي عتمان، العمدة (صلاح عبد الصبور) خطابين: حد الله! أنا ما أكلش سحت ولا أدخل بيتي سحت، خدمة الوطن من الإيمان، لكن المشاهد يتبين زيفهما. ويتضح أن العمدة لا يمارس ظلمه وسطوته إلا من خلال أدواته، الخُفراء الثلاثة، حسان (عبد المنعم إبراهيم) أداته التي تهدد، وتهيمن، وتسهل الجور، والثلاثة يلعبون دور الدعاية، ويمدونه بكل ما يجعله منتشياً وهو يمارس سلطته.

في المشهد الثاني يقف المشاهد على الحدود الطبقية القاطعة، التي تعبر عن واقع الأحداث، وتعزز خطاب يوليو الأساسي. في المشهد نفسه، يتعرف المشاهد، أيضا، على الدافع الرئيس، المسيطر، على عتمان، فالثروة بنظره لا قيمة لها من دون أن يكون له وريث "ذكر" تؤول إليه.

بيتا عتمان وعلوان متجاوران، وفيهما تقبع الزوجتان: حفيظة (سناء جميل)، زوجة العمدة، المتقدمة في السن، التي لم تنجب، مما ينغص عليها حياتها، ويدفعها لتجريب كل ما تحمله المخيلة الشعبية من أفعال كي تنجب، فهيمة (سهير المرشدي) زوجة علوان وَلُود (تنجب أربعة) وتداوم على إغاظة حفيظة.

فاطمة (سعاد حسني) وزوجها أبو العلا (شكري سرحان) أقرب للأقنان، خدم في بيت العمدة، إضافة إلى العمل في طاحونته.

ينظر عتمان لفاطمة الجميلة، الولود، بشهوة بالغة، ويحسد أبو العلا "تبارك الخلاق. بقى الحلاوة دي كلها يتحضن بيها واد جربوع زي أبو العلا!"

وبينما يواصل العمدة ظلمه وسرقته الظاهرة لأراضي الفلاحين، تواصل أدوات قوته لعب دورها الإداري في التلفيق والتزوير والنصب، وفي السيطرة "القمع"، وفي الهيمنة "الإيديولوجية"، والدعاية، فالخُفراء وإستطفانوس أفندي (المحاسب) يرددون عقب سرقة واضحة يختمها العمدة بقوله "أنا مسامح في الباقي لوجه الله" فيعقب "الكورس": "يا سلام ع الإنسانية يا سلام ع الحنية"، ويعلق "المسروق": انعم وأكرم بالإنسانية.

قمة أدوات القوة بالنسبة للعمدة يشغلها شيخ البلد (حسن البارودي) فهو كما يدعي قارئ ودارس ومطلع، لذلك فهو "منظر" لخطط العمدة، مسوغ لها، وهو "طبيبه"؛ خاصة في ما يتعلق بالخصوبة، وهو مفتيه ورأس جهازه الدعوي، وفيه تجتمع خصال متناقضة، فمنه تصدر بعض الحكمة الشعبية "الراسخة"، وبعض الإيمان، والكثير من الصغائر والضعف والطمع والنظرة الرجعية والجهل ومعاداة العلم والطب، في المجمل كل ما يمكن أن يكون علامة على الجهل والمرض والفقر والتخلف والعنصرية.

***

تتشابك الخيوط، ويتصاعد الصراع، ويجبر عتمان أبو العلا على تطليق فاطمة، وفي اللحظة الفاصلة تسمع فاطمة وهي في الحبس، هي وأطفالها وزوجها وأم زوجها المريضة، صوت الأراجوز من الخارج، الأراجوز يحب زوجته، وهي تحبه، لكن خفيراً مسلحاً يشتهيها، ويهددهما، وعندها تلقي زوجة الأرجوز بخطاب، هو في ملمحه الرئيس صياغة للجملة الأخيرة للصبية التي خطفها عفريت في ليلة زفافها، وحبسها في صندوق زجاجي، وهي الحكاية الافتتاحية في ألف ليلة وليلة، التي تعقب، مباشرة، هروب شهريار واخوه شاه زمان مما وقع لهما مع زوجتيهما، تسمع فاطمة زوجة الأراجوز وهي تقول: "بالقوة ح أرقص له واحب اللي في بالي. دا ماتخلقش اللي قدر يغلب مرا". تلهم كلمات زوجة الأراجوز فاطمة بخطة تخرجهم من كارثة، وتقنع زوجها أبو العلا أن يطلقها وتعده بصيانة شرفها "وعد بيني وبينك وربنا شاهد، يستحيل يشوفني ولا يكون لي راجل". وتفي بوعدها، فلا ينال عتمان، بعد زواجهما، منها شيئاً، وتحمل من "زوجها" أبو العلا، وحين يعرف عتمان يسقط مشلولاً، وتتفاقم حالته عند إنجاب فاطمة لمولودها الذكر، فيموت، وتتصرف فاطمة بطريقة متسقة مع "مشروع" يوليو، وتوزع الأرض على الفلاحين، المظلومين (300 فدان).
وهكذا نسمع: توتة توتة فرغت الحدوتة.

***

لا شيء مسيطراً على شخصيات الفيلم أكثر من الدين، يحتل الجهل، والمرض، والفقر مراتب تالية، وبعده بمسافات. لا حوار في الفيلم لم تقُل خلاله شخصية مشاركة فيه لفظاً دينياً، والشخصيتان المسيحيتان ترسمان بدورهما علامة الصليب. ولكل شخصية رئيسة "خطاب" ديني، مميز ومختلف، عن "خطاب" مضاد له، فلكل من عتمان وعلوان خطاب ديني، لكن كلاً منهما يتضاد مع الاخر، والأمر كذلك بالنسبة لعتمان وأبو الاعلا، وعتمان وفاطمة. الخطاب الرائج من قبل قمة الجهاز "الإيديولوجي" شيخ البلد يواجهه أبو العلا مباشرة: يا راجل يا كافر.


هناك نقطتان محوريتان في الفيلم، تتقاطع عندهما خطابات دينية متعددة: الطلاق والجواز وشروط صحتهما، والآية القرآنية "واطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

بحرص، وإتقان، شديدين صاغ كتّاب السيناريو والحوار المسألة الأولى، ففور معرفة فاطمة بطلب (أمر) العمدة من أبو العلا تطليقها كي يتزوجها، تولت قيادة المقاومة: تطلقني ليه.. هو (عتمان العمدة) ربنا كون فيكون.. نطفش .. قوم بينا... رب هنا رب هناك"، ويهربون، فيمسك بهم خفراء العمدة، ثم تُلفق العمدة لأبو العلا تهمة سرقة أموال من خزانته، ويهدده بحبل المشنقة، فهناك قضية مقتول من أهل القرية لم يقدم الجاني للحكومة، التهمة جاهزة، والسلطة قادرة. وحين تذهب فاطمة، برفقة شيخ البلد للجامع، أثناء تجهيزها للزفاف من العمدة، يقاطعها شيخ وهي تبكي ويسألها عن سبب بكائها، وعلى من تدعي، ثم يبين لها أن طلاق المكره لا يقع، وكذلك لا يقع الزواج بالإكراه.

حال أبو العلا وفاطمة في الطلاق، وكذلك عتمان وفاطمة في الزواج انطباق تام مع مختلف التخريجات الفقهية: فهنا، في الفيلم، نجد تحقق شروط الإكراه: "أن يكون ظُلمًا وبعقوبة عاجلة لا مُستقبَلة، وأن يكون المُكرِه غالبًا قادرًا على تنفيذ التَّهديد، بولاية أو تغلُّب أو هجوم مثلًا، وأن يكون المُكْرَه عاجزًا عن دفع الإكراه بنحْوِ هَرَبٍ أو مقاومة أو استغاثة، وأن يَغْلِبَ على ظنه وقوع ما هدَّد به إن لم يُطَلِّق، وألا يظْهر منه ما يدل على اختياره".

طاعة أولى الأمر هي مناط الجدل. وفي تفسير من هم هؤلاء، ذكر الطبري وابن كثير عدة أقوال: فهم الأمراء (الحكام)، وهم أهل العلم والفقه، وهم أصحاب محمد، وهم أبو بكر وعمر، فقط. أما حدود هذه الطاعة فتقف عند أن يؤمر بمعصية، أو أن يرى كفراً بواحاً.

كل الحركات "الإسلامية" التي "خلعت" خرجت عن طاعة أولي الأمر، واستخدمت القوة لتبيان خروجها، كانت في حاجة لفتوى بوجود معصية، وكفرا، ووصل الأمر إلى أن ذلك لا يطال أولي الأمر، فقط، بل مجمل المجتمع.

هنا يقدم "الزوجة الثانية" مشهداً دالاً، فعندما شرع أبو العلا في محاولة قتل عتمان العمدة "ولي الأمر" في ليلة زفافه بفاطمة، منعته من ذلك، وبررت منعها بأنها وأولاده وأمه في حاجة إليه، وأنها قادرة على الوفاء بوعدها له.

***


مكث "الزوجة الثانية" في ذاكرة المصريين عبر تكرار عرضه في التلفزيون، عروضه السينمائية الأولى كانت في أجواء قاتمة مفجعة أصابت "خطاب يوليو" في مقتل؛ فالحدوتة لم تنته، بل بدأت أخرى أكثر مرارة، وأعمق مدى.

علقت إفّيهات عديدة سريعاً في المخيلة: الليلة يا عمدة، هي حبكت، دي تبقى ليلة، إنطاع يا أبو العلا. لكن اقوى ما حُفر من كلمات الفيلم في وعي المصريين، ومحا، تقريبا، كل الفاصل بين سلطة يوليو والواقع السابق عليها، وكذلك الواقع اللاحق لعرض الفيلم، حتى اللحظة، جملة عتمان العمدة: "البلد بلدنا.. والدفاتر بتعتنا والتواريخ بإدينا". فهذا "جوهر" السلطة، سواء غطت ذلك بخطاب ديني أم دعت لتجديده، المسألة أن الإكراه يخلع الطاعة، وبلُغة الواقع: ينزع المشروعية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021