"حدث ذات مرة.."لتارنتينو: فجر هوليوود الكاذب وذكريات الطفولة

شفيق طبارة

الأحد 11/08/2019
لنكن صريحين؛ عندما نذهب لمشاهدة فيلم لكوانتن تارانتينو، نجد أنفسنا مدفوعين لا إرادياً لحب الفيلم قبل مشاهدته حتى. نحن على استعداد أن نتقبل ونستمتع بأي شيء يقدمه مخرج "بالب فكشن". يجبرنا تارنتينو أن نفتش عن أعذار لتبرير عيوب أفلامه، معتمدين على نجاحها وعلى حبنا له لنعفيها من تجاوزاتها. يشجعنا على هذا الشعور، نجاح أفلامه الثمانية الأولى، الشغف والحب الذي يكنه المخرج للسينما، فهو سينيفيلي أصيل. وإن كان هناك شيء واضح، كشاشة السينما البيضاء، هو أن تارانتينو مخرج فريد محب لأعماله التي هي حالة ونوع شخصي جدا.


"حدث ذات مرة في هوليوود" الفيلم التاسع لكوانتن تارانتينو، حدث سينمائي بحد ذاته.. حتى أن موعد عرضه في مهرجان "كانّ" الأخير كان منتظرا أكثر من أي فيلم آخر. هو ما قبل الأخير للمخرج (أعلن سابقا أنه يريد أن يصنع عشرة أفلام فقط). الفيلم قصيدة ورسالة حب للسينما عامة ولسينما الستينات ولنفسه خاصة.

لن نتحدث عن القصة ولا القصص الفرعية كما أوصى المخرج في مهرجان "كانّ"، ولكن ما يمكن قوله أن تارانتينو يعيدنا إلى نهاية الستينات وبالتحديد العام 1969. عندما تبدأ رياح التغيير السينمائي في لوس أنجلس بشكل عام وفي هوليوود بشكل خاص (هوليوود الجديدة*)؛ يتعين على الممثل ريك دالتون (ليوناردو دي كابريو) وبديله وصديقه كليف بوث (براد بيت) محاولة التكيف مع هذا الوضع. يجب عليهما أن ينظرا بعين مختلفة وأن يعملا في شيء غير معتادين عليه، من أجل الازدهار من جديد والشروع في مغامرة جديدة معا. يقدم تارانتينو لوس أنجلس المشمسة والجميلة، ويرفع تحية للإنتاج التلفزيوني والسينمائي (خاصة "بي موفي") في تلك المرحلة، ولكنه يكشف أيضا عن التغيير في النموذج الاجتماعي والثقافي الحاصل.

الكثير الكثير يحدث في الفيلم، كعادة تارانتينو، يغرق الثنائي في عملهما وصداقتهما ويغرقاننا معهما داخل رأس تارانتينو الذي ينقح خياله بأحداث واقعية وشخصيات حقيقية مثل بروس لي، تشارلز مانسون، ستيف ماكوين، شارون تيت (مارغوت روبي) نجمة "وادي الدمى"، وزوجة المخرج رومان بولانسكي والضحية الأسطورية لـ"عائلة مانسون". الغرق لن يطول، يسحبنا تارانتينو للحظة لنأخذ نفساً ثم يغرقنا من جديد بحوارات طويلة، وجرعة دراما زائدة عن المعتاد (مثل فيلم "جاكي براون")، ودماء وعنف بطريقة تارانتينو. حتى إنه يقدم مونولوجاً لأحد القتلة من عائلة مانسون؛ يتحدث فيه عن إضفاء الطابع الرومانسي على العنف في عالم الترفيه كأنها تخرج من فم تارانتينو نفسه.


يجد تارانتينو دائما طريقة فريدة للتواصل مع جمهوره؛ فهو يحتفي بأفلامه المفضلة معيداً بعض مشاهدها بطرق مختلفة. في فيلمه التاسع يعزز مهاراته كمخرج وكاتب سيناريو، يطبقها على مفهوم واسع لصناعة السينما في الستينيات. على الرغم من نوايا المخرج الجديرة بالثناء لكتابة رسالة حب لهوليوود؛ فإن الفيلم ببساطة ليس لديه تعريف خاص أو محدد... "حدث ذات مرة في هوليوود" مزيج ثقافي غير مستقر، بطبقات ونغمات رائعة بفضل أسلوب المخرج الفريد والكيمياء المثيرة بين أبطاله، التي تدعمها حوارات طويلة ومتعددة وعنف ودماء وضحك (كما يحدث دائما في سينما تارانتينو). أميركا في فيلم تارانتينو على وشك أن تفقد براءتها. الفيلم صورة ثابتة لماضٍ متحول. رحلة عبر أصوات وألوان وملائكة وشياطين هوليوود وأميركا في ذلك الوقت. ولكن هوليوود التي أعاد تشييدها تارانتينو، لم تفتح أعينها بعد على وصول المتمردين الجدد الذين سيحدثون ثورة فيها (مثلا فيلم بوني وكلايد، العام 1967)، بل فضل مخرج "رزيرفوار دوغز" التركيز على التراجع الطويل التي عانت منه مملكة الأفلام خلال تلك الحقبة. يقفز الفيلم ببراعة بين ذكريات الماضي السريعة بمشاهد توضيحية. يعرف تارانتينو دائما ما يريد تقديمه، فتلميحاته عن ثقافة البوب في ذلك الوقت هي تعبير فني عن حنينه إلى الماضي، فهناك صورة أكبر يريد تقديمها. ومع ذلك هناك أغاني نيل دياموند، ذا ماماس اند ذا باباس، إشارات إلى سينما الوسترن لسيرجيو كوربوتشي، الأفلام الحربية لانطونيو مارغيريتي، روايات البوب الغربي، الحفلات الضخمة في قصر بلاي بوي، قمصان الهاواي،  حركة "فلاور باور"، ملصقات الأفلام، السترات الجلدية، الهيبيز، واجهة دور العرض السينمائية الضخمة القديمة، التنانير القصيرة، ومواقع تصوير الأفلام.


 لطالما أشعرنا تارانتينو بأنه مؤرخ ولكن أيضا مخرب؛ يلعب بالماضي كما يحلو له، يستخدم أحداثه لتكوين وتقديم تقديره ومحبته الخاصة لفترة غير مرغوب بها في عصر ما (كما فعل في "سفلة مجهولون")، اقتناعا منه ومنا أن موهبته، ككاتب ومعالج لأساطير سينيفيلية، كافية لتقديم أفلام بالطريقة التي يراها. يقدم السينما كقالب لذاكرة جماعية، كشغف يفيض، كطريقة حياة. يقلب الحقائق والمشاهد والاحداث كما يحلو له، في كل ثانية تقريبا يصفعنا بثقافة بوب (غالبا ما تكون منسية)، ويستشهد بتفاصيل سينمائية تدفعنا لمراجعة توصياته بمشاهدة أفلام معينة استعدادا لفهم جميع جوانب ونكات الفيلم الداخلية. لكن لا داعي للقلق حتى دون هذا الفرض المنزلي؛ "حدث ذات مرة في هوليوود" ممتع مليء بالإثارة يتطلب التركيز لكثرة التلميحات، الكوميديا مسلية بشكل لا يصدق (بعض المشاهد أضحكتنا حتى بعد انتهائها بدقائق عدة) ولكنه بالتأكيد ليس أفضل ما قدم المخرج الأميركي. هو كما نصفه "بيور تارانتينو" بنضج أكبر وفهم أعمق بأن الصورة بألف كلمة خاصة الدقائق الخمس عشرة الأخيرة.

* هوليوود الجديدة هي موجة سنيمائية في أميركا بدأت أواخر الستينات، خرجت عن تقاليد سينما هوليوود الكلاسيكية. 

  • يبدأ في الصالات السينمائية اللبنانية في 15 آب 2019، على أمل عدم حذف أي مشهد من مشاهد الفيلم كما حدث في أفلامه السابقة عندما عرضت في لبنان.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019