كاميرا ايرفينغ بن...حياة الفحم

حسن الساحلي

الجمعة 25/01/2019
افتتح في بيروت (منطقة المرفأ) منذ أيام مركز متخصص في التصوير الفوتوغرافي بإسم  "مركز مينا للصورة"، وتضمن الافتتاح معرض "لا مكترث" للفنان الأميركي إيرفينغ بن (تنسيق ماثيو هوميري)، أحد أشهر أسماء القرن الماضي في التصوير الفوتوغرافي التجاري والفني. لن يكتفي المركز، الذي يحمل تصميمه التجريدي والبروتالي بصمات المهندسة اللبنانية لينا غطمة، بتقديم 4 معارض لمصورين لبنانيين وعالميين سنوياً، بل سيخصص، بعد انتهاء المعرض الحالي، مساحة منه للإنتاج الفني، من المفترض أن تستضيف بشكل دوري مصورين وعاملين في المجال.


تدير المركز لثلاث سنوات منال خضر، ومن أعضاء مجلس الإدارة المصور اللبناني فؤاد الخوري الذي يعتبر من أبرز مصوري الحرب اللبنانية، بالإضافة إلى رفعت النمر، وطارق نحاس، الذي عرف في مجال جمع الصور والأعمال الفنية بشكل عام. اختيار فنان من مستوى إيرفينغ بن، لافتتاح المركز، يعطي فكرة ربما عن التوجه الذي سيأخذه الأخير في المستقبل، مع الوضع في الحسبان أن صور المعرض أتت جميعها من مجموعة بينو Pinault العريقة التي تعتبر من الأهم في العالم، وهي ملك الملياردير الفرنسي فرنسوا بينو.

يقدم المعرض عينة من مسيرة الفنان التي استمرت منذ أربعينات القرن الماضي، ولم تتوقف سوى عند وفاته في العام 2009، عن 91 عاماً (آخر ملصق له مع مجلة "فوغ" كان قبل أشهر فقط من وفاته). عرف بن، بشكل خاص، بالتصوير التجاري مع مجلة فوغ التي عمل معها أكثر من 60 عاماً ضمت 165 ملصقاً للمجلة، وهو شقيق المخرج آرثر بن، أحد الأسماء الشهيرة في هوليوود الستينات، التي عرفت بدَور في دخول السينما الأميركية مرحلتها الجديدة، بسبب تأثره بالموجة الفرنسية الجديدة (من أفلامه Bonnie and Clyde  وThe Chase ).


اعتبرت أساليب ايرفينغ بن، ثورية في مجال التصوير التجاري، حيث كرس خلال الأربعينات استعمال الخلفية البيضاء أو المتقشفة، عند تصوير الأزياء والأغراض التجارية، بلا أي زيادات في الديكور والخلفية. وقد اقتُبس أسلوبه هذا على نطاق واسع، وساهم في تكريس الطابع الإختزالي المعاصر لأعماله. أما أساليب الإضاءة عند ايرفينغ بن، فهي حادة وموجهة بشكل عام، وقد كرست ما يمكن تسميته بـ"الروحانية التجارية"، التي سيطبقها على البورتريه والمواضيع غير التجارية ايضاً.

لعب دوراً في بناء جماليات جديدة للصورة الفوتوغرافية على أنواعها، لكن يبقى تأثيره الأكبر في مجال الموضة، حيث أطلقت عليه تسمية "أرستقراطي تصوير الموضة" لفترة طويلة. ورغم أن هذا النوع من التصوير لا ينتمي إلى الفني والإبداعي بشكله المباشر (بسبب موضوع التصوير فقط) إلا أن هؤلاء المصورين يعتبرون الأكثر حساسية اتجاه الضوء، بعلاقته مع البشرة والجسد، بسبب الضغط الذي تشكله الماركات والشركات المتنافسة لخلق أكبر قدر من التأثير في المشاهد، ولضرورة زيادة النعومة والبريق على المواضيع المصورة، الذي يتطلب تعدد مصادر الضوء، والتجريب الدائم مع أساليب تحوير الضوء وتخفيفه. لكن، في كل الأحوال، شهدت فترة صعود بن، تقاطعاً كبيراً بين التجاري والفني، ولم يكن ليعيبه عمله في هذا المجال، بما أننا نتحدث عن حقبة ولادة الفن المعاصر، وظهور رموز الفن التجاري مثل آندي وارهول وغيره من فناني البوب، الذي ألغوا الحدود بين المجالين.

لكن، مع ذلك، تعايش بن مع شخصيتين خلال عمله في التصوير. الأولى محكومة بالسوق، والثانية تحاول التناقض معه، والتركيز على القيمة الإبداعية والفنية للصورة. ركز المعرض على الصنف الثاني من الصور التي، بعكس الصور الأولى، كانت غالباً بالأبيض والأسود، وتتمحور حول مواضيع بشعة أو غير تقليدية، تتفاوت بين أعقاب السجائر والجماجم والمأكولات الفاسدة (قدم المعرض عينات من هذه المواضيع). وللسخرية، فأن هذا الصنف من الصور يعتبر أكثر قيمة من الصنف الأول، ويباع بالمزادات بمبالغ طائلة.

استعمل بن لهذه الصور، أسلوب التظهير بالبلاتين – بالاديوم، الذي أعاد إحياءه (كان رائجاً في القرن التاسع عشر). يجعل هذا الأسلوب، الصور، أقرب إلى اللوحات المرسومة بالفحم، حيث يبرز التفاصيل الصغيرة أو الأوساخ التي يخبئها في العادة التظهير بالفضة الجيلاتينية. طبعاً استمر بن في استعمال أسلوب التظهير الأخير، بأسلوب فني رائع، ما يظهر بشكل خاص في المعرض مع صور جماجم الحيوانات التي تظهر نعومة العظام وقوتها في آن.

عرف بن بتصوير بورتريهات لمشاهير ذلك الزمن، في زوايا ضيقة بناها خصيصاً لهم في الإستديو. المثير أن هذه الزوايا ساعدت هؤلاء على الراحة خلال التصوير، كما أعطت منظوراً مميزاً للصور (اختار المعرض عدداً من هذه الصور، من بينها بورتريه لهيتشكوك وآخر لجورجيا أوكيفيه).


قدم المعرض أيضاً عينة من مجموعته الإثنية، التي سافر من أجلها حول العالم (الزيارة الوحيدة للعالم العربي كانت في المغرب)، وتحوي صورة أطفال كوزكو الشهيرة. صوّر بن، شخصياته في الإستديو، ما كرس انفصالها ووحدتها في مواجهة المصور الأجنبي المأخوذ بغرائبية الأزياء والعادات الغريبة. كما قدم المعرض، صور بن المخصصة لأصحاب المهن المختلفة، التي يحاكي فيها المصور الفرنسي أوجين آتجيه (1857–1927)، وكانت بتكليف من مجلة "فوغ". وربما هي المجموعة الأكثر تميزاً من الناحية البصرية، رغم ما يمكن أن تثيره من ملاحظات حول فيتيشية نظرة الطبقات الأرستقراطية إلى الفقراء والعمال، خصوصاً أنها تمحورت حول أصحاب المهن الصغيرة، من عمال الفحم والصرف الصحي وتجار السمك.

تسرد النشرة المخصصة للمعرض قصة هذه الصور: بدأ بن تصوير هذه المجموعة في باريس ولندن، العام 1950، ثم في نيويورك العام 1951. طلب من العمال القدوم إلى الإستديو بملابس العمل، حاملين أدواتهم. وفيما لبى الباريسيون طلبه متشككين، استجاب عمال لندن بفخر، أما الأميركيون فبعضهم حضر بملابس يوم الأحد، كما لو أنهم يستعدون لتصوير في هوليوود. يشير بن إلى هذه الصور في لقاء له، العام 2008، قائلاً إنها ما تبقى لنا من زمن السحر. ورغم أنها طُبعت في البداية بالفضة الجيلاتينية، إلا أن بن أعاد طباعتها لاحقاً، حيث عاد إليها من العام 1967 حتى العام 1999، فكان يرجع إلى "التيغاتيف" أو يعيد تحوير الصورة الأصلية وتغيير حدودها وتباينها اللوني، ليعطيها معاني جديدة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019