الأغاني التي هزمت البشير

شادي لويس

الجمعة 12/04/2019
في 17 يناير من العام الماضي، اجتمع الآلاف من محبي المغني السوداني الراحل، محمود عبد العزيز، في استاد الخرطوم الدولي لإحياء الذكرى الخامسة لوفاته. توقع البعض أن يهتف الحضور ضد النظام السوداني، بعدما كانت المظاهرات قد اندلعت في اليوم السابق ضد الغلاء، لكن المناسبة مرّت من دون إزعاج كبير للسلطة. كانت للمطرب، الذي يعرفه جمهوره باسم "الحوت" -لأنه ابتلع بجماهيريته سابقيه ومعاصريه- شعبية كاسحة في حياته، وكان لموته المبكر عن 45 عاماً أن يضيف لها، ليتحول إلى أيقونة للتمرد. كان شعار "أبقوا الصمود"، الذي عرف به "الحوت"، وعلامة ضم الذراعين على شكل مقص التي يرفعها جمهوره، تحمل الكثير من إشارات الاحتجاج الضمنية بين محبيه من الأجيال الشابة. وكان النظام السوداني قد حاول الاستفادة من شعبية "الحوت" في حياته. فعُمَر البشير نفسه، رقص على خشبه المسرح معه. وبعد وفاته، كانت حفلة تأبينه الضخمة برعاية مسؤولي الحكومة وحضورهم. إلا أن محبي عبد العزيز، الذين ينتمون إلى جماعتين هما "أقمار الضواحي" و"محمود في القلب"، لم ينسوا مهانة الجَلد الذي تعرض له في مدينة الفاشر العام 2009، عقاباً له على مخالفة "السكر". فنظام البشير، على ادعاءات "أسلمته"، كان يتعامل ببراغماتية وليونة كبيرة مع الموسيقى، لكن "الحوت" كان مثيراً للمشاكل أكثر مما يحتمل النظام، سواء في المسرح أو في حياته الخاصة، وكان من الواجب تأديبه، وقمع ما يمثله، فاعتُقل أكثر من مرة. 

نجح نظام البشير، في تدجين محبي "الحوت"، والذين باتوا يُسَمّون "الحواتة"، لوقت طويل، حتى انطلقت الاحتجاجات في ديسمبر الماضي مرة أخرى. وهذه المرة، قررت جماعة "أقمار الضواحي" أن تهجر الاستاد والرعاية الحكومية، ولتحيي الذكرى السادسة لوفاة عبد العزيز في الشوارع والانضمام إلى مظاهرات "ثورة ديسمبر". حاولت السلطات التصدي لهذا التحرك، ومارست الكثير من الضغوط التي انتهت بإصدار عائلة عبد العزيز بياناً يتبرأ من "أقمار الضواحي"، وهاجمتها جماعة "محمود في القلب" رافضة تسييس ذكرى الفنان الراحل. لكن الوقت كان متأخراً جداً. نزل الآلاف من محبي "الحوت" إلى المسيرات، وهم ينشدون أغنيته الأثيرة، "أقمار الضواحي"، لينادوا "القابضين عليك جمرة يا النايمين بدون تمرة"، الحالمين بـ"وطن واحد وطن شاسع، وطن لا محزون ولا مهموم ولا مسجون ولا محموم".

ولم يكن "الحوت" وحده في المسيرات. فذكرى رحيل الملحن والمغني السوداني، مصطفى السيد أحمد، والتي صودف أنها أن تقع في اليوم نفسه، أي 17 يناير، جلبت محبيه إلى المسيرات، جنباً إلى جنب مع "الحواتة". مرّ على وفاة السيد أحمد أكثر من 23 عاماً، ولذا فإن محبيه ينتمون إلى جيل أكبر سناً، وكان حضورهم أقل عدداً في التظاهرات، إلا أن أغانيه الأكثر أدلجة، والتي كتب معظمها شعراء يساريون، مثل "الممشى العريض"، كانت ربما تتردد في قلوب مريديه وغيرهم، وهم يفردون "أجنحة العشم في ساحة الوطن البتول"، ويغنون معه "وضحكت ماهمّاني شي، وبكيت ولا همّاني شي، وعندك وقفت من المشي، وغرقت في ضو النهار". 

أما المغني السوداني الراحل، محمد وردي، والذي غادر السودان إلى المنفى بعد انقلاب البشير، العام 1989، فعادت أغنيته "سلم مفاتيح البلد"، مِثل نصّ نبويّ، ليعيد غناءها وتسجيلها عدد من الفنانين الشباب، ولتبث مرات ومرات في مواقع الإذاعات الإلكترونية الداعمة للثورة، وهي تصدح: "عليك الزخف متقدم، وليك الشعب متلملم ومتحزم، يقول سلِّم"، "سلمنا الزمان الضاع، وليل الغربة والأوجاع وآلامنا اللي عشناها"، وتنتهي بالتحذير الحاسم "هتهرب وين من الألم الكبير والجوع... هترب وين من الذكرى وعذابتها".
 

أعلن وزير الدفاع السوداني، عصر أمس الخميس، اقتلاع النظام والتحفظ على البشير في "مكان آمن"، ولا يبدو واضحاً ما الذي ستؤول إليه الأمور. لكن، إن كان هناك ما يمكن الجزم به، فهو أن ذلك التراث طويل من الغناء السوداني، وأصحابه المتمردين، ساهموا في هزيمة البشير، ربما متأخرين، لكنهم هزموه.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019