من هو الطنبوري و"بلبل بيروت" محي الدين بعيون؟

حسن الساحلي

الجمعة 03/05/2019
في الكتيب المرفق مع مجموعة إسطوانات أصدرتها "مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية" AMAR(*) تضم أعمال الطنبوري محي الدين بعيون، تخبرنا المؤسسة سيرة غنائية وموسيقية للفنان البيروتي الذي كان يوماً أحد أهم نجوم الغناء والعزف في مصر وبلاد الشام، معتمدة على أرشيف إسطوانات بيضافون وغرامفون التي سجلها خلال مسيرته. نعتمد في المقال على هذه السيرة، لنخبر قصة "بلبل بيروت" الذي "أنار يوماً بعذب أنغامه المشرق بأسره".

اشتهر بعيون في أداء الموال البغدادي في زمن كان نظم الموال وغناؤه سائداً في بيروت ومدن الساحل اللبناني، وقد عرف بتأثره بفرج الله بيضا، صاحب شركة بيضافون التي أسسها الأخير مع أخيه لتسجيل مواويلهما (عرف بأداء المواويل أيضاً كل من ألكسندرا بدران، الياس ربيز، أحمد الطرابلسي، وشعيب العيتاني)، وبخاصة البغدادية منها التي تعتبر "من الأنماط العالمة في بغداد وليس من الأنماط التراثية الشعبية، لأن طريقة قولها تشترط أن يكون المغني مقتدر وصوته جميل، ومساحته الصوتية ممتدة، ويكون صوته متطور ولديه أكثر من ديوان واحد في الغناء".

تعلم بعيون النغم على يد عازف القانون أحمد البدوي، الذي ترك مصر إلى طرابلس الشام في ثمانينات القرن التاسع عشر، وغالباً الفضل يعود إليه لتوجه بعيون نحو أساليب الغناء المصرية وتأثره لاحقاً بأسماء مثل أبو العلا محمد وسيد درويش وداوود حسني وغيرهم. وفق كاتب سيرته "عشق محي الدين بعيون الغناء عشقاً صوفياً وحفظ من القصائد أحلاها ومن الموشحات أعذبها. سافر طالباً الغناء ومجالس الطرب، في مصر والعراق، قبل أن يجد في حلب ضالته فأقام فيها مدة طويلة يعمل في أرقى مسارحها". وبعكس مجايليه، لم يختر بعيون آلة العود الأكثر رواجاً في ذلك الوقت، بل فضل آلة البزق التي كانت تسمى يومها "الطنبور البغدادي" (ومنه اكتسب لقبه "الطنبوري")، وقد لعب دوراً أساسياً في إدخال الآلة إلى التخت المصري، بعد أن كانت معروفة فقط في بلاد الشام. ويخبرنا محمد القصبجي في إحدى مقابلاته أنه تعرف على آلة البزق للمرة الأولى بفضل بعيون، حيث تبادل معه معلومات تقنية عن أساليب العزف وحركة الريشة. أما بما يخص عزف بعيون على الآلة فكان يعتبر "هادئاً يهتم أكثر ما يهتم بالتفاعيل النغمية والإيقاع الداخلي للجملة، محركاً ريشته من معصم اليد أغلب الوقت".


لا معلومات دقيقة حول زمن ولادة بعيون، والفوارق بين تقديرات المؤرخين تصل لأكثر من 20 عاماW. كما لا يعرف تحديداً متى انطلقت شهرته، لكن كاتب سيرته يرجح أنها ترافقت مع الفترة التي شهدت فيها بيروت إنفراجاً عقب صدور الدستور العثمانيّ الجديد سنة 1909. المؤكد أن بعيون كان قد أصبح نجماً معروفاً في العام 1912 بعدما تعاقدت معه شركة بمستوى غرامفون لأداء القصائد والمواويل البغدادية خلال حملتها الرابعة والأخيرة إلى بلاد الشام. الغموض يلف أيضاً الحقبة الأخيرة من حياته بعدما أصيب بمرض في حنجرته، وكل ما نعرفه أنه اكتفى بتسجيل عزفه على البزق مع بيضافون في العام 1927، وشارك في حفلة "الكريستال" العام 1929 ليغيب اسمه منذ ذلك الحين وحتى وفاته في العام 1935 "بعدما عانى آلام المرض والعوز" وفق ما تخبرنا صحف تلك الفترة.

في كل الأحوال يبقى الأكثر أهمية بالنسبة لنا أن صوت بعيون الساحر وعزفه البارع على البزق، وصلانا في الإسطوانات التي سجلها بين العامين 1912 و1927. تنقسم هذه الإسطوانات إلى خمس فئات، كل واحدة منها تمثل فترة معينة من مسيرة المغني. الفئة الأولى سجلت خلال حملة غريمافون الأخيرة على بلاد الشام وهي مشاركة بعيون الأولى في التسجيل العام 1912. شارك بعيون العزف أهم عازفي الكمان خلال هذه الفترة، سامي الشوا، الذي استقدمته الشركة من القاهرة إلى بيروت لمشاركة المغنين والموسيقيين في تسجيلاتهم، وتكشف لنا هذه الإسطوانات عازف قانون من البارعين جداً، ذكر على لسان المطيبية بإسم زكي القانونجي أو "أبو نعيم"،  لكن ليس هناك من تسجيلات أخرى له أو معلومات عنه، سوى تلك القصيدة(**) التي يمتدحه فيها الشاعر اللبناني جرجي سعد خلال جلسة طربية بمشاركة بعيون و"نفر من الأدباء والشعراء" (أوردها عبد الله الفاخوري في نصه المؤرخ العام 1914).


مشاركة بعيون الثانية في التسجيل تأخرت 8 سنوات بسبب الحرب الكبرى التي توقفت فيها شركات الإسطوانات عن العمل. عادت هذه الشركات بعد الحرب وتغيرت عقود الإحتكار وتطورت تقنيات التسجيل. طلبت شركة بيضافون من بعيون المجيء إلى القاهرة ضمن مجموعة كبيرة من مطربي بر الشام والعراق لأداء الحفلات وتعبئة الإسطوانات. سيظهر بعيون في هذه الإسطوانات عازفاً على آلة البزق للمرة الأولى من خلال تقسيمين مرسلين، وسيغني في الإسطوانات مجموعة من القصائد والمواويل البغدادية بالإضافة لموال مصري "أعرج".

شارك أمير البزق أيضاً في هذه التسجيلات، ويظهر فيها تأثر بعيون بمغنيين مصريين من ذلك الزمن، مثل الشيخ أبو العلا محمد، وسيد درويش، وابراهيم أفندي القباني وداود حسني، ما ينطبق أيضاً على تسجيلات بيروت عام 1924 التي نسمع فيها موشح "لما بدا يتثنى" المنسوب للشيخ محمد عبدالرحيم المسلوب، وأعمال كانت جديدة يومها لسيد درويش (موشح "أنا من وجدي") وداود حسني (دور "حرمت إعشق بعد اليوم"). تعتبر هذه السنة الأغزر إنتاجاً في مسيرة بعيون، حيث سجل 14 موالاً وعشر قصائد، وللمرة الأولى يسجل الموشحات والأدوار، كما أنها المرة الاولى التي نسمعه مؤدياً أغانيه وهو يحمل طنبوره بيده، يعزف عليه ويترجم لنفسه آلياً.

في العام 1925 سافر بعيون مجدداً إلى مصر و"الناس في شوق لسماعه، وأهل النغم يريدون مبادلة العلم معه". كتب اسمه في قائمة الشرف، في نادي الموسيقى وأشيد بشركة بيضافون التي ستسجل له على تخت سامي أفندي الشوا، محمد حسني العواد، ومحمد أفندي عمر. سجل بعيون في هذه الرحلة خمسة مواويل بغدادية، ثلاث قصائد، دوراً وأربعة تقاسيم مرسلة على البزق. وهي السنة ذاتها التي سيسافر فيها برفقة تخت محمد أفندي عمر إلى تونس وبعض بلاد المغرب العربي حيث امتدت شهرته. عاد إلى بيروت بعد عامين، وقد أصيب بمرض "الفواق" في حنجرته، ويسمى في مصر بالزُغُطّة، وهو نفس الداء الذي أصاب الشيخ محمّد رفعت المقرئ الشهير. يقال إنه لم يغن في رحلته إلى الولايات المتّحدة في نفس العام سوى في مجالس خاصة "تستره لو عاجله احتباس الهواء في حنجرته"، كما أن تسجيلاته مع بيضافون في العام 1927 التي استخدمت الطريقة الثورية يومها  في التسجيل على الكهرباء عوضاً عن التسجيل اليدوي (الآكويستيكي)، غاب عنها الغناء، واقتصرت على عزفه على البزق في خمسة تقاسيم مرسلة، تقسيم على البمب، وسماعي البيّاتي القديم، هي آخر ما سجله الفنان قبل غيابه عن عالم التسجيل نهائياً.

(*) أطلقت "مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية"(AMAR) إصدارها العاشر بعنوان «الطنبوري محي الدين بعيون... بلبل بيروت» بالتعاون مع «مهرجان أبو ظبي» ووزارة الثقافة اللبنانية. يشكل هذا الإصدار أوّل نشاط تقيمه المؤسسة اللبنانية المتخصصة في حفظ الموسيقى العربيّة القديمة ونشرها، في مناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسها، وهو عبارة عن كتيّب مؤلّف من 66 صفحة باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، بالإضافة إلى ثلاث أسطوانات مُدمجة تجمع تسجيلات مختارة من رصيد بعيون الغنائي وعزفه على آلة الطنبور (البزق). محي الدين بعيون هو أحد أسياد فنون المقام في بلاد الشام. تميّز بقوّة صوته وجزالة عزفه وتنوّع فنونه في غناء القصائد والموشحات والأدوار والمواويل المصرية والبيروتية البلدية. سافر إلى حلب والقاهرة وبغداد وطرابلس الغرب وتونس، ولاقى الاستحسان أينما غنى وعزف.

(**) لأبي العيون على القلوب تسلط/ فلقد أهاج تحسّري وحنيني  

       ورفيقه زاكي فقد أزكى الجوى / بقلوبنا بالعزف والتلحين


©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019