في بلاد الرأفة

هدى بركات

الإثنين 09/01/2017
الثانية عشرة وثلاثين دقيقة يفتح الحارس الباب. الناس المتجمّعين أمام الباب يعرفون، مهما كرّروا النظر إلى ساعاتهم، أن المفتاح لا يتأخر دسّه في القفل ولو لدقيقة واحدة.

هناك المعتادون وقد يتبادلون بعض الكلام، وهناك الجدد. بالنظر خفية نستطيع أن نقدّر أوضاع مرضاهم على وجوههم. هذا الرجل الكهل يبدو مريضُه في حال حرجة، والأرجح أنّه شاب. تلك المرأة المتقرّحة الجفون أيضا. هؤلاء قلّما يتحدّثون. ومن مثلهم يضيق بالوافدة الجديدة الصغيرة القد، والمبالغة في تسويد شعرها بالصباغ إذ هي لا تكفّ عن الكلام بالصوت المرتفع، وعن سؤالهم عن مرضاهم كي تسدي النصائح... وكي تجد شقّا صغيرا تنفد منه إلى روايتها، وكم تعذبّت مع والدها الذي ظلّ يموت مدّة تجاوزت الشهرين، وكيف كان أفضل للجميع أن يموت حال دخوله الكوما – وتلفظها الغوما – معتقدة ربما أنّها تخفّف عمن سوف يموت قريبُه. وحين يبتعد الناس عنها تبدأ بالدّعاء إلى كافة القدّيسين بأن يتدخّلوا لشفاء الجميع، أو ليأخذوهم إلى السماء سريعا لتقصير أيّام عذاباتهم. تظلّ المرأة الصغيرة القدّ هكذا، تدور على الناس حتّى يطق المفتاح في باب قسم العناية الفائقة...

هنا، في هذا الطابق الثاني، البعيد والهادىء، يبدي الأطباء وفريق التمريض رأفة كبيرة، وصبرا وطول بال حيال الأهل والزائرين  الذين لايُسمح لأكثر من فرد أو إثنين بالتواجد في غرفة المريض. هم لطيفون حتّى مع من يرفع الصوت عليهم. وعند بعض التجاوزات الثقيلة تأتي رئيسة الممرضات مبتسمة، تهزّ رأسها متفهّمة مصغية، ولا تعطي اوامر بالصمت أو الخروج، كما يحصل في الطوابق الأخرى. كلّ غرف العناية الفائقة تطلّ بجدرانها الزجاجيّة على ما يشبه الساحة الصغيرة، حيث الأطبّاء والممرضون لا يكتفون بمتابعة الشاشات التي تنقل لهم أحوال المرضى، بل يسارعون إلى تلبية النداء الصامت حالما يرون أحد الزائرين ناظرا باتجاههم. يعرفون كل التفاصيل ويتكلّمون بصوت هادىء خفيض. ويشرحون للناس ما تقوله تلك اليرقات الكهربائيّة التي تتنقّل على الشاشات مصدرة أصواتها الإلكترونيّة الغامضة...

بعض الغرف صرنا نراها خالية من الزائرين باستمرار. هؤلاء كفّوا عن الزيارة، عن تفقّد مريضهم وعن الاستفسار عن أحواله من الأطباء، هؤلاء عرفوا أن عليهم الاستعداد لما بعد المستشفى والمكالمة الهاتفيّة التي ستخبرهم بموته. لكن حركة الممرضين لم تخفّ حول تلك الأسرّة، بل هي ازدادت في الغرف الخالية من الزوّار، حيث نرى من خلف الزجاج الوجوه الحانية والأيدي المحمولة بين الأيدي...

وفي الأروقة المحيطة، وفي الممرّات بين الغرف، يرتفع في أحيان قليلة بكاء مكتوم. فنادرا ما يموت المريض في الثلاثين دقيقة المسموح خلالها بالزيارة. لا أحد يعرف لماذا يموت الناس عند الفجر، أو غالبيتهم. إذذاك، حين يخرج البكاء إلى فضاء الطابق الثاني يلتفّ الأطباء والممرضون كالأهل. فالمواساة تبدو كماكينة كبيرة تعيد الإنتظام إلى نبضات الأسرّة في الغرف القريبة حتّى يعود الصمت، وتتأكد الممرضة من دفق الأوكسجين في الرئات المتعبة من على شاشتها..

الرأفة تُوزّع هنا مع الشاش الأبيض والمطهّرات. حيث يراود الموت ويدور بين الأسرّة لا يتبقى إلا الرأفة. كأنّها بلاد بذاتها. الممرضة تنسى يومها كاملا، ذلك الذي قضته في بلاد القسوة، وتنفصل حتّى عن طوابق المستشفى الأخرى حيث يختلط هدوء الموت بالكثير من ضجيج الحياة. حيث زوّار الواجبات والوجهاء الصغار، وحيث أكياس الفاكهة وروائح الطبيخ وسلال الزهر وبكاء الأطفال وطلبات الأهالي وتذمّر المرضى...

في الطابق الثاني شيفرة يسلك الجميع بموجبها. بين بابه والمصعد رواق ذو طلاء بنفسجي يبدو كالمعبر بين بلادين. من بلاد الرأفة إلى...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021