جنازة للطبقة الوسطى

روجيه عوطة

الثلاثاء 26/05/2020
أشارت مجلة "فورين بوليسي"، منذ أيام، إلى أن الطبقة الوسطى في لبنان قد ماتت. كتبت أنكال فوراً ذلك من مدينة طرابلس، قائلةً ان وراء واجهات مباني التي كانت تلك الطبقة تقيم فيها، ثمة يأس لا يتوقف عن النمو. كما أنها، وفي أثناء النعي المؤسف للطبقة اياها، علقت ورقة نعوة تخص لبنانها القديم، الذي كان قد انتهى منذ زمن طبعاً، اي لبنان صاحب التاريخ التجاري العريق، أو صاحب اي تاريخ "فاخر".

على أن اعلان موت تلك الطبقة قد بدا في ناحية من نواحيه مشهدياً، أو "شاشاتياً" (من شاشة) على وجه التحديد، أكثر مما هو فعلي، بحيث أنه انطوى على معلومة تبسيطية، وهي أن 65 في المئة من مواطني لبنان كانوا "ميدلكلاس". وهؤلاء، ومع التطورات الأخيرة، باشروا في فقدان طبقتهم.

النسبة كبيرة، وكبرها، هنا، يحيل الى الاستفهام المتكرر حول الطبقة الوسطى: كيف من الممكن تعيينها؟ من الممكن القول، وعلى طريقة كريستوف غيلوي أن تعيينها لا يرتكز على راتب أو موقع اجتماعو-مهني، بل باحساس انتمائي إلى قيم رائجة، تنتشر في اثر مشروع اقتصادي وثقافي، تهندسه البرجوزاية الكبيرة، وتطلقه كمشروعها.

على هذا النحو، ثمة انتماء قيمي إلى هذا المشروع، إنتماء إلى مجتمعٍ، الكل يرفع فيه القيم نفسها، الكل يروج لها، الكل يحس أنه داخله، والكل يحس ألا شيء في خارجه. طبعاً، هذا المشروع، وبالأخذ بخلاصات غيلوي، بلغ حتفه، ليس مرة، بل مرات تلو المرات. لكنه، وكأي ميتة في زمن الرسملة التامة، هي لا تؤدي سوى إلى انتشار جثتها، إلى تكاثر هذه الجثة، بوصفه انكاراً لموتها.

غير أن الإحساس بالانتماء إلى القيم، الذي تحدث عنه غيلوي، وبسحبه على الـ65% الذين حشروا في الـ"ميدلكلاس" لبنانياً، لا يبدو أنه متحقق. والسبب، ليس أن تلك القيم ليست رائجة، بل لأن رواجها مكتمل المعنى، أي أنها، إما مضمحلة، أو مستقرة على عكسها. بهذه الطريقة، تظهر الـ"ميدلكلاس" المحلية وقد غالت في الأخذ بقيمها من ناحية كونها رائجة إلى درجة أنها تزاول نقيضها، وفي هذا، تطيح بها. الـ"ميدلكلاس"، في هذا السياق، قسمان: قسم ينتمي إلى القيم بعد اضمحلالها، فلا ينتمي في واقعه إليها، وبالتالي، هو ليس طبقة وسطى على الرغم من ذيوع اعتباره كذلك. وقسم ينتمي اليها بإقرارها على نقيضها، وهذا، يعد طبقة وسطى متطرفة (extreme middle class). بيد أن الاختلاف بين القسمين يتعلق أيضاً بالعلاقة بالبرتلة، بالصيغة البروليتارية التي تشتغل فيهما: القسم الأول، متعايش مع برتلته، من دون أن يعني هذا أنه مثبت لها، أما القسم الثاني، فهو الذي لا يسعى سوى إلى نفيها.

في الواقع، من الـ65% من المحشورين عنوة في "الميدلكلاس"، من الممكن الإبقاء على نسبة ضئيلة للغاية تمثلها بما هي طبقة وسطى متطرفة فقط. لهذا، موت الطبقة الوسطى هو ايضاً بمثابة موت للتطرف، للتطرف بوصفه سبيل الانصهار فيها، لكنه ليس موتاً معهوداً، إنما موت مميز. فبكلمات نتالي كانتان، من الممكن القول إنه لم يحدث سوى بعد انتحار طويل، قبل أن تموت الطبقة الوسطى في اثر الانهيار، كانت قد انتحرت!

الانتحار؟ ينطلق من نفي البرتلة، يتشكل في الانقطاع عن الطبقات المكابدة، في أخذ البرجوازية الكبيرة، طبقة النظام، مثالاً أعلى ووجهة راسخة، في نكران الخراب، في المكابرة عليه، في "فلترته"، في التماهي الكاريكاتوري مع "ميدلكلاس" كونية بلا أدنى المقومات، في رهاب الوعي الطبقي، في انتاج فردية جماهيرية، يعني مسيئة للفردية، في حب نهاية التاريخ من دون أن يكون مسبوقاً بأي موقع فيه، في تقديم تصور إعلامي عن السياسة، في السقوط في الشعبوية الثقافية، إلخ. كل هذا جعل الطبقة الوسطى، وفي كل مرة كانت تتطرف، تطلق النار على نفسها، وتنتحر.

فعلياً، يحمل موت الطبقة الوسطى إلى جنازتها من أجل دفن مشروعها، اي المشروع الذي صار الانتماء اليه يعادل التطرف ومزاولة القيم بنقيضها، بتطييرها. وهذه الجنازة هي ظرف للتنبه إلى كون المشروع اياه لم يكن في داخله أحد، بحيث أنه لا يمثل حتى الذين يرتاحون إلى الظن بأنهم يسكنون فيه. كما لو أنه لم يكن موجوداً من قبل، لا سيما أنه، وكما تعلمنا، موجود ذاتياً اكثر مما هو موجود موضوعياً.

بدلاً من هذا المشروع، لا بد لنا من مشروع مختلف، يقوم بإثبات البرتلة وليس نفيها، يقوم بالوسط فعلاً، الوسط بما هو رجاء الخلق، وليس رجاءً للتنميط والرواج: يحمل الى نظام آخر، عادل، حيوي في كل قطاعاته، ديناميكي تمثيلياً، له مكانه في عالمنا، وبعبارة واحدة، ديموقراطي بالمعنى الرحب.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020