ذئبة روما بمواجهة كورونا

محمود الزيباوي

الأربعاء 25/03/2020
مع اشتداد النكبة التي تعيشها إيطاليا في زمن تفشّي فيروس كورونا الجديد، نشر رسام الكاريكاتير الفرنسي الشهير جان بلانتو، رسماً استعاد فيه نصباً تاريخياً يُعرف باسم "ذئبة الكابيتول". يختزل هذا التمثال البرونزي ذائع الصيت، أسطورة شهيرة تروي إنشاء مدينة روما الخالدة، ويُمثل ذئبة كبيرة تُرضع طفلين صغيرين.

نال هذا التمثال شهرة كبيرة منذ زمن بعيد، وبات رمزاً لمدينة روماً، وهو من محفوظات متحف الكابيتول. ويُجمع الخبراء على القول بأنه مؤلف من جزئين يعود كل منهما إلى زمن مغاير. يجسّد الجزء الأول الذئبة العملاقة التي تقف على قوائمها الأربع، ويمثّل الجزء الثاني الطفلين الذين يرضعان من حلماتها المتدلية. قيل في القرن الثامن عشر، أن الذئبة تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وأن الطفلين يعودان إلى القرن الخامس عشر. غير أن الدراسات المعاصرة أثبتت ان الذئبة تعود في الواقع إلى القرن الثالث عشر، وقد أضيف لها الطفلان في نهاية القرن الخامس عشر.

بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كانت الذئبة مصباً لنافورة كما يبدو، وقد أهداها البابا سيكتوس الرابع إلى مدينة روما في 1471 حيث دخلت كنيسة القديس تيودوروس في هضبة بالاتين، وأضيف لها في هذه الحقبة الطفلان اللذان قام بنحتهما المثّال أنطونيو بولايولو. نُقل هذا التمثال إلى ساحة قصر الكابيتول في منتصف القرن الخامس عشر، ودخل المتحف بعد العام 1876، وبات منذ ذلك التاريخ رمزاً للمدينة الخالدة، وصورة تختزل أسطورة تأسيسها. تجري أحداث هذه الأسطورة في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، غير أن أقدم أثر أدبي معروف لها يعود إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، كما أن أقدم صورها التي وصلتنا تعود كذلك إلى هذه الحقبة.

تتحدّث هذه القصة عن مَلِك يُدعى نوميتور، من السلالة الحاكمة لمدينة ألبا لونغا، المدينة التي تقع في لاتيوم، فوق التلال الألبانية، على مشارف جنوب شرقي روما. حكم نوميتور هذه المدينة إلى أن أقصاه أخوه الأصغر أموليوس، وقتل أبناءه، وأرغم ابنته ريا سلفيا على أن تصبح كاهنة عذراء في معبد الآلهة فستا. كانت الشريعة السائدة تفرض على كاهنات هذه الآلهة أن يحافظن على بتوليتهن، وكان أموليوس يأمل أن تمنع هذه الشريعة ريا سلفيا من أن تنجب أطفالاً يهددون عرشه. لكن إله الحرب مارس تراءى إلى الأميرة العذراء في الحلم وأغواها، فأنجبت منه توأمين أسمتهما رومولوس وريموس، فأمر أموليوس بإلقائهما في نهر التيبر للقضاء عليهما، وأوكل أحد رجاله بهذه المهمة، إلا ان هذا الأخير اكتفى بوضعهما في سلة قذفها في النهر، فسارت المياه بالطفلين إلى أن ألقت بهما على ضفاف هضبة بالاتين، وهي الهضبة الوسطى من هضاب روما السبع. هكذا حلّ رومولوس وريموس تحت شجرة تين برّي، ووجدتهما هناك ذئبة، فقامت بإرضاعهما، وتولّت رعايتهما. 

اكتشف راعي غنم يُدعى فاوستولوس، الطفلين، فتعهّدهما وزوجته بالرعاية كإبنين لهما، وحين شبّ الطفلان، عرفا حقيقة نسبهما، فواجها أموليوس، ونجحا في القضاء عليه، وأْعادا جدّهما نوميتور إلى عرش ألبا لونجا، وأرادا بناء مدينة خاصة بهما عند ضفاف هضبة بالاتين، غير أنهما اختلفا بشأن اختيار الموقع، فاتّفقا على أن يُؤخذ برأي من يرى منهما العدد الأكبر من النسور الطائرة. قال رومولوس أنه رأى اثني عشر نسرًا، واعتبر ذلك علامة من الآلهة تشير إلى أن اختياره هو الصواب. وقال ريموس إنه رأى ستة نسور فقط، واتّهم أخاه بالغشّ. وحين شرع رومولوس في بناء سور حول الموقع الذي اختاره، وثب ريموس من فوق الخندق الذي كان سيحمل أساس السور، وسخر من أخيه رومولوس. إثر هذا الخلاف، قُتل ريموس إما بيد أخيه رومولوس، أو بيد أحد رجاله، وأضحى رومولوس الحاكم الأوحد للمدينة التي سمّاها روما على اسمه، وبعدما حكمها لمدة 38 عامًا، اختفى بطريقة غامضة أثناء عاصفة. وتقول أسطورة لاحقة أنه أصبح إثر احتجابه سريّاً إله الحرب.

تظهر صورة الذئبة والطفلين الرضيعين في قطع نقدية تعود إلى الفترة الممتدة من نهاية القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرون المسيحية الأولى، ونقع على نحت غائر يستعيد هذه الصورة على عمود كبير يعود في الأصل إلى عهد الإمبراطور تراجان الذي حكم من سنة 98 إلى سنة 117. يتكرّر هذا المشهد في عدد من ألواح الفسيفساء، منها لوح سوري من محفوظات متحف معرّة النعمان، مصدره قرية دير فركيا في جبل الزاوية، وهو من نتاج العام 511، ويُعتبر الشاهد الفني الوحيد لهذه الأسطورة في الهلال الخصيب.

ظلّت اسطورة الذئبة المرضعة حيّة في القرون الوسطى، كما يُستدل من العدد الكبير من الآثار الفنية التي تمثّلها. دخلت هذه القصة عالم الفنون التشكيلية من الباب الأوسع، ومن أشهر الزيتيات التي تصوّرها، زيتية أنجزها بول روبنس في العام 1612. في ايطاليا، نقع على لوحة جدارية من محفوظات متحف الكابيتول تحمل توقيع جوزيبي شيزاري، ومصدرها مبنى المجلس العام الخاص بروما في القرن السادس عشر. كذلك نقع على جدارية من الحقبة نفسها أنجزها الإخوة كاراش في قصر مانياني في مدينة بولونيا.

 في الأزمنة الحديثة، شاعت الصورة بشكل كبير بعدما تبنتها الحركة الفاشية، وأبرز شواهد هذه الحقبة فسيفساء تزيّن أرض محطّة أوستيانس في روما، وهي من نتاج 1940. ظلّت قصة رومولوس وريموس حيّة بعد سقوط الفاشية، ودخلت عالم الفن السابع، وأشهر الأفلام التي تستعيدها فيلم من اخراج سيرجيو كوربوشي عُرض في 1961. 

عاشت أسطورة تأسيس روما في الذاكرة الجماعية على مدى الأجيال، وباتت قصّة تُروى للكبار كما للصغار، وأحدث صورها اليوم رسم كاريكاتيري فرنسي من توقيع بلانتو، يستعيدها في أزمة فيروس كورونا.
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020