هكذا صارت شمس الملوك.. الحاجّة شمس

وجدي الكومي

الخميس 06/06/2019
صحيفة "أخبار اليوم" المصرية.. خبر قصير يوم 29 يناير كانون الثاني 1962 عنوانه "ماري كويني تكتشف نجمة عمرها 16 سنة"، وفي متن الخبر: اكتشفت ماري كويني نجمة سينمائية جديدة اسمها "شمس" وعمرها 16 سنة، وطالبة في مدرسة حلوان الثانوية ستقدمها في فيلمين. الأول "دنيا البنات" بطولة ماجدة وإخراج سعد عرفة، والثاني بطولة فاتن حمامة وإخراج حلمي حليم.
 
كانت السينما المصرية آنذاك في فترتها الحرجة، فترة السيطرة، والتأميم. ففي العام 1957، أنشأت الدولة المصرية ما عُرف وقتها بـ"مؤسسة دعم السينما"، لكنها كانت للسيطرة على السينما، في أعقاب التكشف الذي تحقق، عند ضباط يوليو والسلطة، في أعقاب العدوان الثلاثي، بما للسينما من خطورة.

تحولت مؤسسة دعم السينما إلى المؤسسة المصرية العامة للسينما، وتحددت أهدافها في رفع المستوى الفني والمهني للسينما، وتشجيع عرضها داخل مصر وخارجها. كانت الأحوال تتقلب بالسينما في الستينيات، ونجومها الكبار يهجرونها إلى بيروت، وطوابير العاطلين تمتد بسبب التحكم في الأجور والعجز عن إنتاج المزيد والمزيد من الأفلام بعدما تحولت عملية الإنتاج إلى عبء على كاهل خزينة الدولة، في حين أنها لم تكن هكذا قبل تأميمها. وسط هذه الظروف، ذهبت شمس الملوك جميل البارودي، إلى التلفزيون، لمشاهدة شقيقتها الصغيرة وهي تعمل في برنامج "ماما سميحة" فرآها المخرج عبد المنعم شكري، وعرض على والدها أن تؤدي دوراً في أوبريت "قطر الندى".

نشرت مجلة "الإذاعة والتلفزيون" صورتها في الغلاف، فرأت ماري كويني الصورة، واتفقت مع شمس على دور صغير في فيلم "دنيا البنات"، بأجر 40 جنيهاً. وبعد حصولها على شهادة الثانوية العامة من مدرسة حلوان الثانوية، تدخل عبد المنعم شكري مرة أخرى عند والدها، واختارها لبطولة مسلسله "العسل المر".

حسمت هذه الحلقات التلفزيونية تردُّد النجمة الجميلة الشقراء، فقررت أن تدرس في معهد التمثيل، ووقّعت بالفعل عقداً مع مؤسسة السينما، للتمثيل في 3 أفلام، منها "الجزاء" و"هي والرجال"، وتقاضت عن الأول 150 جنيهاً، وعن الثاني 250 جنيهاً.

صدَّرت شمس البارودي، منذ بداياتها، صورة لنفسها، وأجادت تعميق هذه الصورة في أذهان الناس، وهو الأمر الذي نجحت فيه حتى نهاية مسيرتها الفنية مطلع الثمانينات باعتزالها المفاجئ. لكن تلك الصورة اختلفت في البداية، عن النهاية. ففي البداية، حرصت على الإمساك بكتاب كلما حاورها أحد محرري المجلات الفنية المصرية في الستينات، وعلى الحديث عن المؤلفين الذين تقرأهم، ومنهم سارتر والعقاد. حتى أن مجلة "آخر ساعة" الصادرة عن مؤسسة "أخبار اليوم" المصرية، حينما أجرت معها حواراً يوم 13 أكتوبر 1965، عنونته "القطاع العام يفتح الأبواب المغلقة أمام الفنانة المثقفة".

يشي العنوان بحالة السينما المصرية آنذاك. السينما وقد صارت قطاعاً عاماً، وأبوابها مغلقة، إلا أن الحسناء المثقفة المتحدرة من عائلة سورية هجر جدها الأكبر دمشق وجاء بأسرته إلى القاهرة، تُفتَح لها الأبواب. إذ سافرت شمس إلى إيطاليا، ضمن مهرجان "سودنتو" السينمائي مع فيلم "الوديعة" ضمن الوفد العربي الذي يضم المخرج حسين حلمي، وناهد شريف، وعبد الرحيم سرور.

بشّرت "آخر ساعة" المصرية بشمس. تحدثت عن دورها في فيلم "الراهبة" للمخرج حسن الإمام العام 1965. وتقول شمس للمجلة "إن القطاع العام فتح الأبواب المغلقة في وجوهنا، وأنه لن يمضي وقت طويل حتى تكون الثقافة شرطاً للعمل في هذا الوسط".

يمكن تقسيم حيا شمس البارودي إلى أربع مراحل رئيسية.
الأولى: الستينيات، ظهورها، وتألقها، وانتهت تلك المرحلة باقترانها من الأمير المزواج، خالد بن سعود. ومحاولتها الانتحار مرتين، قبل أن تعود إلى السينما مطلع السبعينات بعد الطلاق.
الثانية: السبعينيات والازدهار الكبير. الزواج من حسن يوسف. والانفصال، ثم العودة إليه مرة أخرى والتألق المدوي.
الثالثة: الثمانينيات والاعتزال المفاجئ بعد رحلة عُمرة. ورؤية الرسول، ثم الاختفاء.
والمرحلة الأخيرة: تحريم التمثيل.
 
لم يكن من الممكن أن يمر ظهور شمس البارودي مرور الكرام، ولا أن تفلت من مصيدة الأمير خالد بن سعود بن عبد العزيز آل سعود، النجل التاسع للملك سعود. قبل اقترانها بالأمير العام 1969، كانت شمس البارودي قد بلغت ذروة الفنانة "السيكسي" المثيرة، تصورها أغلفة المجلات وهي ترتدي بنطلونات قماشية حابكة، وقمصاناً عسلية اللون، أو برتقالية، وينسدل شعرها الذهبي على كتفيها وجانبي وجهها، وتتحدث عن فساتينها، وكتبها، وحفلات السينما التي تدخلها، والأفلام التي مثلتها. وحينما يهل العام 1969، تبدأ الصحف تحكي عن الزيجة الصاخبة، يصحو الناس على قصة حب بين ممثلة جديدة، وأمير، وتدور أحداثها في استوديوهات السينما المجاورة لقصر العريس. وفي سبتمبر من ذلك العام، أصبحت الشائعات واقعا، لقد تزوجت شمس الملوك من نسل الملوك.

فستان
نشرت "الجمهورية" تقريراً في 21 سبتمبر/أيلول بعنوان "تم أمس زواج شمس البارودي من الأمير خالد بن سعود". وفي العناوين الفرعية للخبر: "فستان الزفاف بـ7 آلاف جنيه، والشّبْكة بـ15 ألف". أما "الأهرام"، فحاولت أن تركب السبق الصحافي، فنشرت حكاية تعارف شمس البارودي البالغة من العمر 26 سنة، والأمير، في بيروت.

ولم تكتفِ الصحف بزف النبأ السعيد إلى القراء، بل نشرت أيضاً أخبار المخرجين الغاضبين من الزيجة، والأفلام المتعطلة. فعنونت "الكواكب" تقريرها الصحافي: "شمس البارودي تمثل 3 أفلام بعد زواجها من الأمير"، فيأتي هذا التقرير كأنه مدفوع الثمن، كتبه أحدهم دفاعاً عن شمس البارودي، أو ربما بإيعاز منها. إذ كانت "الجمهورية" قد نشرت قبل ذلك بأسبوع خبراً بعنوان "برقيات لمدير الجوازات: إمنعوا شمس البارودي من السفر"، وذكر محرره أن شركات الإنتاج المتعاقدة مع شمس اضطرت لإرسال برقيات لوزير الداخلية ومدير الجوازات لمنع سفرها لقضاء شهر العسل مع الأمير، لارتباطها بعقود تصوير في مصر. وبحسب خبر "الجمهورية"، فإن المخرج أحمد ضياء الدين، أرسل إلى منزل شمس البارودي رسالة يطالبها باستئناف تصوير عملها في بطولة فيلم "أشياء لا تشترى" إنتاج مؤسسة السينما.

تسببت زيجة شمس البارودي من الأمير في تعطل عملها في الأفلام التي كانت قد تعاقدت عليها، بل تسببت في معارك قضائية بينها وبين المنتجين، مثلما جرى مع منتج فيلم "فرقة الحب والمرح" الذي كانت شمس قد صورت الكثير من مشاهده فعلاً، لكن الأمير تدخل لحذفها لأنها كانت ترتدي ميني جيب. فرفع عدلي المولد، المحامي وصاحب الشركة المنتجة للفيلم، دعوى قضائية العام 1969 ضد شمس، يطالبها بمبلغ 20 ألف جنيه، تعويضاً عن توقف العمل في الفيلم، وإعادة تصوير اللقطات التي اشتركت فيها بعد إسناد الدور إلى نبيلة عبيد. وحجز المنتج على أثاث الزوجية في قصر الأمير خالد، حسبما جاء في الخبر المنشور في صحيفة "الجمهورية" في 14 أكتوبر 1969.

لكن نهاية الزيجة جاءت بعد شهرين، في ديسمبر 1969..
أولاً، نشرت "أخبار اليوم" في السادس من ديسمبر 1969، خبراً بعنوان "الأميرة شمس البارودي انتحرت مرتين"، نعرف منه تأزم وتعقيد الحياة الزوجية بينها وبين الأمير خالد، إلى درجة جعلتها تُقدم على الانتحار مرتين، مرة بقطع الشرايين، ومرة بابتلاع الاسبرين.
تحدث الخبر عن مفاوضات الطلاق بين الجانبين، ورغبة الأمير في أن يجعلها تتنازل عن مؤخر الصداق البالغ 15 ألف جنيه، غير الـ15 الأولى التي دفعها كمقدم زواج.
لكن لماذا ساءت العلاقة بين الجانبين إلى هذا الحد؟

نعرف ما حدث من حوار غاضب أدلَت به شمس لمجلة "الكواكب" في 20 يناير 1971، كشفت فيه للمرة الأولى تفاصيل ليلة الزفاف العاصفة بينها وبين الأمير الذي طلب منها أن توقّع له في مفكرة ذهبية خصصها للنساء اللواتي تزوجهن، وهو يقول لها: "وقّعي هنا.. سيأتي يوم تباع فيه هذه المفكرة بالألوف".

محرر "الكواكب"، ضياء الدين بيبرس، الذي أجرى الحوار مع شمس البارودي آنذاك، نقل عنها قولها: "طلبتُ الطلاق ليس طمعاً في مال الأمير، إنما عندما رأيت كرامتي أفضل عندي من المال، لولا الفضيحة لطلبت منه الطلاق في الليلة الأولى، التي قال لي فيها: إن زواجنا زواج متعة، وهو زواج يقرّه الإسلام ويعترف به، وهو يحلّ للمسافر، وللمحارب، وأنا مسافر.. وأحارب أحياناً".

زواج وصعود مدوٍّ
السبعينيات هو عقد عودة شمس البارودي للسينما ولمصر. هو أيضاً عقد نجاحها، وصعودها، ومقارنتها نفسها ببنات جيلها، ومنهن نجلاء فتحي. تعاقد معها رمسيس نجيب على بطولة فيلم من إخراج بركات، صوّر بالألوان الطبيعية والتقطت مناظره في 3 بلدان هي المغرب ولبنان وباريس، وهو "امرأة سيئة السمعة".

خبّأ هذا العقد الكثير من النجاح والتألق لشمس، واحتفظ أرشيف الصحف بوقائع الحب الملتهبة بينها وبين حسن يوسف، ثم اقترانهما، ثم طلاقهما المباغت بعد شهرين من الزواج، وقضية النفقة التي رفعتها ضده شمس، ثم عودتهما.. أجرت حواراً مع مجلة "الكواكب" العام 1972، اتهمت فيه الصحافة بأنها سبب جراحها، لأن الصحافيين كذبوا في سيرتها، حينما نشروا أخباراً تقول إنها تزوجت حسن يوسف في سوريا، والحقيقة أنها تزوجته في القاهرة، وسجل زواجهما مأذون قسم الزيتون، واسمه مصطفى حجازي، وتاريخ عقد الزواج 9 فبراير 1972.

ورغم هجوم شمس على الصحافة، فإنها كانت تسمح لها بنشر تقرير، كل شهر أو شهرين، عن أفلامها، كأنها لا ترغب من النحلة إلا عسلها. ففي ذروة تألقها الفني، العام 1976، وبينما كان فيلمها "كفاني يا قلب" في دور العرض، كانت "الكواكب" تنشر عنها أخباراً تتحدث عن أجرها الذي وصل إلى عشرة آلاف جنيه، وعن حياتها الأسرية التي باتت تنازعها على الفن خصوصاً بعد ولادة طفلتها ناريمان، أو "ناري" كما تحب أن تطلق عليها.

احتلت شمس صفحات المجلات الفنية أكثر من زميلاتها في تلك الفترة، فخصصت لها مجلة "آخر ساعة" صفحتين يوم 8 مايو 1977، لحوار عنوانه: "رفضت الجامعة قبول أوراقها فأصبحت نجمة سينمائية"، وفي عنوان فرعي: "أجرها 10 آلاف جنيه". فكيف تحولت هذه النجمة اللامعة، بعد بضع سنوات، إلى تحريم التمثيل. في فترة الحجاب، تحديداً العام 1986، نشرت لها مجلة "المصور" حواراً مقتضباً بعنوان: "شمس البارودي تحت الحجاب: التمثيل حرام.. وأنا نادمة أطلب الغفران".


تحولات مدهشة في سيرة حياتها، صنعت من شمس الملوك، الحاجّة شمس. تصاريف أقدار مدهشة، حيرت محبيها، إضافة إلى المخرجين وزملائها الفنانين. في مقال له نُشر العام 1988، بعنوان "من فضلكم لا تشاهدوا أفلامي"، يقول طارق الشناوي إنه أجرى مع شمس حواراً عبر الهاتف، بعدما 5 سنوات على اعتزالها، لم يكف خلالها المخرجون عن محاولات إقناعها بالعودة إلى التمثيل، ولما فشلوا قرروا استثمار أفلامها القديمة بإعادة عرضها.

كان "حمام الملاطيلي" فيلمها الأشهر مع صلاح أبوسيف. وكانت قد مضت عشر سنوات أو أكثر على عرضه الأول، حينما أعيد عرضه العام 1985، بعد اعتزال شمس بحوالى عامين، فحقق في أسبوع عرضه الأول 22 ألف جنيه، وهو ما لم يحققه الفيلم عند عرضه المرة الأولى سنة 1973.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019