آمارشوي: الداخل بوصفه قصيدة للفراغ

روجيه عوطة

الجمعة 12/07/2019
زيارة معرض فيليم آمارشوي (متحف جاك مار-أندريه 158 Boulevard Haussmann) تحدٍّ ظريف، لسبب أساسي: ففي حين أن باريس الصيفية، وبشمسها عندما لا تحرق أو تضرب، تدعو إلى تمضية كل الوقت خارج المنزل، تجيء أعمال ذلك الرسام الدنماركي لتحض على العكس، بحيث أنها بمثابة تقريظ للفضاء الداخلي. فقد برع آمارشوي في تربيته، في بنائه من لوحة إلى أخرى، ليصبح هذا الفضاء أو الداخل، توقيعه الذي يعرف كيف يضعه من كل جهاته. إلى درجة أن الإشارة إلى كونه قدَّم شعرية خاصة به، ليست ضرباً من المبالغة أو المجازفة، إنما هي توصّف مساره بدقة، إذ حوّل فيه المساحات الداخلية، بين الجدران، إلى قصيدة لبه، اي إلى قصيدة للفراغ. 

فعلياً، لا يمكن الوقوف على علاقة آمارشوي بهذا الداخل، الا بربطها بعلاقته بزمنه الفني، الذي بقي، وطوال حياته، بعيداً من كل التيارات التي نشأت فيه. فيوم كان رفاقه، الذين درس معهم الرسم في معهد الفنون الجميلة في كوبنهاغن، يتوزعون على الالتزام بالمعيار الاكاديمي، وعلى الالتحاق بالانطباعية والانخراط في التيار الرمزي، كان، وبعد أعوام من التنشئة الرسمية، يختار البقاء على هامش هذه الجلبة كلها، مقرراً الاهتمام برسمه، وحيداً ومتمهلاً، خلافاً لكل موجة. فربما، الحكاية التي تعبّر عن وضعه هذا، هي أنه عندما زار باريس ذات مرة، في نهاية القرن التاسع عشر، أي في أوج الحركة الانطباعية، دعاه الناقد المشهور تيودور دوري إلى العشاء مع زعيمها مونيه، لكنه لم يأتِ، لأنه يريد التنزه مع زوجته ايدا في الأحياء والشوارع. بالتالي، قرر البقاء لامنتمياً إلى أي وجهة، مفضلاً عيشه الساكن، الذي يجتاحه الرسم، على "الدعاب" كما كان يصف الأعمال الفنية التي لا يحبذها. وفي هذا العيش، راح يكتشف كل داخل، منتقلاً من ادراكه إلى الدراية به.

يستخلص آمارشوي الداخل من كل مطرح: فهو في الغرفة الخالية، وسع بين طاولة وكرسي. وفي الغرفة المأهولة، صمت قريب من الرهبة. وفي المنظر الطبيعي، أفق مؤلف من خلاء. وفي الجسد العاري، بطن ثابتة على لحظة بين صقلها وترهلها. وفي وقوف مجموعة من الأشخاص إلى جانب بعضهم البعض، هو نظراتهم التي لا تتلاقى البتة... باختصار، وهو اختصار شديد للغاية، يتمحور هذا الداخل حول لعبة بعينها مع الضوء، الذي لا ينير عتمة ولا يقلبها إلى سناء، بل يحل من النافذة فيها، تاركاً مفعولاً محدداً، اي مضاعفة دهمتها، فيحل لينتفي من تلقائه. بهذه الطريقة، الداخل يتألف من عتمة تستند الى الضوء، الذي أنارها، للأبعاد، وفي الغرفة مثلاً، بين الأثاث، وإذا حضر في هذه الغرفة، وهذا الغالب، إحداهن، لا تزعج العتمة بوجهها، بل إنها غالباً ما تديره، ليبرز ظهرها فقط، وعندها يكون الظهر كناية عن داخل الوجه. أما عندما لا تديره، فلا يكون وجهها هذا إلا مكسَر الضوء ومفتته، بسبب كِلسيّته التي تحيل إلى ما يشبه الاحتضار المكتوم.

الا ان انشاء الداخل على هذا النحو لا يجعل منه داخلاً موحشاً أو مملوءاً بالكدر على الدوام، إنما يتسم، وفي متنه، بالسكينة، بسكينة "كل شيء على ما يرام طالما أن كل شيء عادي". مثلما أنه، وفي عدد من لوحاته، قد ينقلب إلى فضاء للغبطة. ففي الرسوم التي تتناول الحقول، يبعث الداخل، هذا الأفق الخالي، على غبطةٍ مردها انفلات في المدى، حيث تتلاصق خضرة الأرض مع زرقة السماء، وينبسطان. ففي الواقع، ليس داخل فيليم آمارشوي مقفلاً، فالضوء نفسه الذي ينير عتمته، الذي يبنيه، يجيء من خارجه، وبذلك يصله به، وهذا الاتصال بحد ذاته هو الذي يمدّه بشدّته وبريقه. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019