"باكوراو".. "ويسترن" معاصر لقهر الغزاة الجدد

محمد صبحي

السبت 19/10/2019
محبّو السينما في لبنان على موعد هذا الأسبوع مع واحد من التجارب السينمائية الأكثر شفافية لهذا العام. "باكوراو"، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي والمعروض ضمن فعاليات مهرجان الأفلام الإيبروأميركية(بيروت)، يقدّم مزيجاً سينمائياً مدهشاً يجمع بين جماليات الويسترن ومخاوف الخيال العلمي والنقد الاجتماعي وتشويق أفلام الرعب، منتجاً فانتازيا اجتماعية لا تخجل من عنفها المروّع ضد طبقة السادة (وحلفائها من البيض الغزاة) على أيدي سّكان قرية برازيلية يكتشفون اختفاءها من كل الخرائط الإلكترونية، بفعل فاعل حوّل بلدتهم النائية مسرحاً للعبته الدموية.

يبدأ الفيلم أحداثه في غضون بضع سنوات من الآن، بينما يجتمع سكان قرية باكوراو للرقص وتناول المخدرات الأليفة في جنازة زعيمة قريتهم، حيث يعيشون كجماعة متناغمة مع بيئتها الحاضنة. مع قريتهما المتخيّلة، يقدّم مخرجا الفيلم، كليبر ميندوسا فيلو وجوليانو دورنيليس، يوتوبيا لاسنتمنتالية تتجاور فيها نماذج إنسانية مستغربة وأنماط عيش غير مألوفة يتشرّبها المتفرج بتمهّل عبر سيناريو يأخذ وقته كاملاً لبسط شخصياته أفقياً. مزارعون عُراة، ومعلّمون كحوليون أخلاقيون، وعصابات إصلاحية تائبة. بعد فترة وجيزة من الجنازة، يصل سياسي محلي، بأغذية منتهية الصلاحية ومستحضرات صيدلانية مريبة، في محاولة فاشلة لتهدئة غضب السكّان. يذكّر القرويين الحذرين بالانتخابات المقبلة، ويهرب من دون إجابة على أسئلة حول حرمان القرية من إمدادات المياه، قبل أن يتأكد من إجبار عاملة جنس محلية على دخول سيارته ذات الدفع الرباعي. غير أنه ليس أكثر الأشرار فظاعة ممن يهددون باكوراو، ففي غضون فترة قصيرة، تدرك مديرة مدرسة القرية أن البلدة مُحيت من جميع الخرائط الرقمية، وذُبحت عائلة من المزارعين المجاورين على أيدي مجهولين.

في أفلام الويسترن، تميل مواقعها الطبيعية إلى إنجاب بيئة حافلة بالتهديد والتهديد المضاد، يكاد يكون فيها الصراع على الخطوط الأخلاقية حادة الملامح شيئاً يستحيل تجنّبه، إلا أنه دائماً وعلناً صراع واضح يتجلّى في المجابهة الحتمية بين الشخصيات الخيّرة والشخصيات الشريرة. حتى مع أي تعديلات لاحقة على النوع، يبقى تأثيرها عادة في تطوير الصراع نفسه أكثر من تغييرها لطبيعته. أيضاً، تقترح بيئة الويسترن كمّاً ضخماً من أدوار النساء على حد سواء، مع حصر الأنشطة الحركية والفعّالة للرجال، بحيث تبقى النساء شيئاً جانبياً في الحبكة (في معظم أفلام النوع). لا يأخذ "باكوراو" كامل الكتالوغ القديم، بل يقدّم نسخة معاصرة ونَسَوية (تقريباً) من الويسترن، تحملها نبرة سردية ساخرة تحميها من الوقوع في مباشرات رمزية أو انفعالات عاطفية على طول طريقها الجامع بين أمزجة وأنواع سينمائية متباينة.


وكما في أي ويسترن كلاسيكي، تتحددّ بوضوح جبهات الصراع. مجموعة من مقاتلي المقاومة يصمهم التلفزيون الرسمي كإرهابيين مطلوب القضاء عليهم، بينما يحظون بتعاطف علني في القرية (وفي الفيلم). هؤلاء أيضاً هم أول من تُطلب مساعدتهم عندما تُكتشف الجثث فجأة عند أطراف القرية. مجتمع القرية المتخيلة، في اختصارها المجازي لجميع قرى البرازيل النائية والمنسية من خطط السياسيين، متنوع ومتغاير بقدر ما يمكن أن يكون، لكنه يتوحّد في الوقت الحرج حين يهددهم خطر خارجي غير محدد، سرعان ما نتبيّن ملامحه عندما يقوم المهاجمون بحذف القرية بشكل وقائي من الخرائط الرقمية وبرامج تحديد المواقع وقطعها عن شبكة الهاتف المحمول، في امتداد لقطع السياسي المحلي للمياه (لا يخفي الفيلم سرّاً حين يناظره مع الرئيس البرازيلي الشعبوي اليميني المنتخب حديثاً جايير بولسونارو). المهاجمون هم خليط من سياح بيض مسلحيّن يشكّلون فريقاً لصيد السكان المحليين من أجل المتعة، تظل دوافعهم غامضة، مثل مسوغات النيوليبرالية. فالمهم هو تلبية احتياجات الفرد الأعلى دون النظر لكلفة ذلك الهدف الأناني. في النتيجة، تنتصب القرية ساحة قتل جماعي كما في لعبة أدوار، تبدأ بمطاردة هؤلاء السيّاح للمزارعين وقتلهم بالمدافع الرشاشة وبنادق القنص، لتتغيّر نبرة الفيلم بالكامل ويدخل فصله الثاني المجنون والمسلّي.

نتيجة الاحتكاك بين هذين النسقين، معززاً بالأداء المتباين تماماً لأفراد المعسكرين (الغزاة وأصحاب الأرض)، لا ينبغي أن تفاجئ أحداً من أصحاب قلوب مرهفة لا تحتمل منظر الدم أو تأخذها المثاليات إلى استنتاج تأثير عنيف للفيلم في مشاهديه. ففي عالمنا الذي نحياه، تنتشر الجريمة ولا تتوقف، وتتوسّع مصحوبة بخطابة عقلانية طنّانية. وبسبب شيوع العنف الواقعي المعاصر من هذا الصنف المنطقي، فإننا نصبح في حاجة لفنّ حكي يركّز اهتمامه على طبيعة التهديد، أكثر من تركيزه على آثار نشاطه الحركي. بخلاف ذلك، أصبح تجسيد ما اعتبر -فرضاً وصدقاً- مرعباً لمتفرج معيّن، مجرّد تمرين إضافي في اختبار عنف خال من الرحمة، لكنه مفهوم ومستوعب، لمتفرج آخر. لاعقلانية العنف المعاصر أدت إلى خلق ذلك النوع، مثلما أذكت تباين ردود أفعال المتفرجين تجاهه. ينجح "باكوراو" في تعليل عنفه الزائد، على أرضية غزو/حصار مرعب تقع فيه الشخصيات العاطفية/الضحايا أسيرة وضع يائس، يجبرهم على النجاة بهجوم مضاد بذات القدر من العنف.

غير أن تضمين الفيلم بعض عناصر سينما الخيال العلمي، مثل نقل أحداثه لتدور في المستقبل القريب (وهو بالكاد يختلف عن الحاضر بزيادة العنصر النيوكولونيالي)، أو الدرون المموهة كطبق طائر لا يتوقف طنينه فوق القرية قبل الهجوم، والمبالغة عموماً في الإعداد المشهدي؛ ربما يرفع التوقعات إلى ما ليس موجوداً بالضرورة في الفيلم. باختصار، إن العناصر المرجعية هي السائدة: البيئة بأكملها، رغم محدداتها المستقبلية، أقرب لبيئة ويسترن كلاسيكي منها إلى مسرح سيناريو ما بعد أبوكاليبتي استعاري على غرار "ماد ماكس". ينطبق هذا على خطوط العناوين والتترات والموسيقى وفواصل القطع بين المشاهد وأبعاد الشاشة العريضة، وحتى اسم مدرسة القرية (جواو كاربنتيرو). أبعد من ذلك، يلمّح العنف المضاد للسكان المحليين إلى عصر لا يزال فيه الفرد معتاداً (أو مضطراً) على فصل رؤوس خصومه المهزومين لإنهاء الصراع.


في النهاية، هناك نوعان من العنف يحضران في الفيلم: العنف الفاسد الرأسمالي المتحالف مع الشعبوي المحلي الساعي لقتل الأبرياء، والعنف العضوي الراسخ تاريخياً، الكوموني، المُبَرَر أخلاقياً، على الرغم من تجاوزاته القديمة. سؤال الفائز في هذا الصراع معروفة إجابته سلفاً، بالوضع في الاعتبار التراث الويسترني، غير أن طريقة الإجابة تأتي من منبع آخر تماماً. لأنه من الواضح أن العنف في أميركا الجنوبية لم يُستورد من الغرب، وبالتأكيد ليس من خلال أفلام هوليوود، حتى لو تجلّت ملامحه المشابهة لتراث عنف الرجل الأبيض في أفلام امتدت من جون فورد إلى جون كاربنتر.

المرجع المركزي في مشهديات الماضي العنيف الذي يستحضره الفيلم كامن في السينما البرازيلية نفسها، وتحديداً حركة "سينما نوفو"، المستوحاة من الواقعية الإيطالية أواخر الخمسينيات إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي. ربطت الحركة الثورية سينما النوع بالمسألة الاجتماعية والهوياتية والسياسية، كما يبرز في أعمال أفضل منظّريها، غلاوبر روشا، ونيلسون بيريرا دو سانتوس، وخواكيم بيدرو دي أندرادي، بتناولها قضايا التحرر الوطني وإدامة الفقر وغياب العدالة والديكتاتورية العسكرية. كانت جميع أفلام هذه السينما تقريباً عدوانية من الناحية الجمالية ضد الاستعمار الغربي للبرازيل وضد الاستغلال والتهميش الاقتصاديين للشطر الشمالي من البلاد، حيث يعيش الأكثر فقراً وحيث تقع قرية "باكوراو" أيضاً. أفلام تصوّفية وعنيفة ومربكة في كثير من الأحيان، وهي واحدة من أبلغ الأمثلة على السينما الفطرية (أو السينما الثالثة)، التي لا تحاول العمل ضد جماليات المستعمرين، لكن تطوير أشكالها السينمائية الراديكالية الخاصة بها. جميع هذه السمات تقريباً تنطبق على "باكوراو"، ومن المثير بشكل خاص رؤية كيف أن سمات الويسترن التقليدي تجد تمثيلاتها أيضاً في رحلة الفيلم العنيفة لهزيمة المعتدي، مع عكس الأدوار واستبدال الهنود بالمزارعين البرازيليين وإفساح مجال أكبر لدور النساء.

أخيراً، إذا كان محكوماً بالفشل كل نداء واستغاثة يطلقها أنصار البيئة للحدّ من الوتيرة المتسارعة لانهيار الكوكب وتقّلص مساحاته المغذّية للحياة، وإذا لَجَمت ألسنة الغاضبين اعتبارات اللياقة والتأدب الدبلوماسيين، عن إطلاق شتائم، معتبرة بحق زعماء فاشيين جدد لا يبالون بحرائق الغابات المطيرة؛ فهذا الفيلم قطعة نادرة من الثقافة الشعبية تعاكس بوضوح الشياطين العازمين على نهب ثروات العالم الطبيعي وإبادة كل مَن يقاوم. في حكاية القرن الحادي والعشرين هذه، يهزم العراة والمنبوذون والفقراء تكنولوجيا الغزاة المسلحين. بالطبع يستلزم الأمر أكثر من مجرد فيلم يعطي شعوراً جيداً لمشاهده لإنقاذ سكان البرازيل الأصليين من القطع الجائر للأشجار وغابات الأمازون المحترقة، لكن "باكوراو" يصل مع ذلك كغوث مريح لأولئك الباحثين عن أي إشارة تخبرهم بأنهم ليسوا وحدهم من يختزنون بداخلهم غضباً هائلاً، أو ربما أن جميعنا مصاب بفساد حكومي معولم يزداد فساداً يوماً بعد يوم لا سبيل لدرء خطره سوى اجتثاثه.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019