غسان سلهب لـ"المدن": صُور الانتفاضة تحتاج بديلاً من التلفزيون

حسن الساحلي

السبت 21/12/2019
في أكثر من مرة، أثرت وسائل الإعلام سلباً في مسار الإنتفاضة، إن كان عبر الإعتراف بروايات الثورة المضادة وترويج خطاب "الشارعَين"، أو عبر تضخيم أحداث هامشية زادت المخاوف من الحرب الأهلية. 

من ناحية أخرى، ما زالت الإنتفاضة بعيدة من إفراز منصات إعلامية قادرة على تقديم بديل جماهيري من القنوات التلفزيونية، وما زال الإعتماد بشكل رئيس على وسائل التواصل الإجتماعي التي تمتلك بعض الإستقلالية تجاه السلطة، وتنشط فيها منصات ومواقع داعمة للثورة تحاول تقديم مادة بصرية بديلة.

وتناقش "المدن" هذه الشهادة مع المخرج غسان سلهب(*)، حيث نقدم أدناه شهادته بخصوص الأزمة التي تعانيها الصورة خلال الإنتفاضة، إن كان في الشق التلفزيوني الذي يخدم السلطة أو الذي يخرج من رحم الانتفاضة في وسائل التواصل الإجتماعي:

في البداية، لا يمكن الحديث عن صورتين، واحدة للسلطة وأخرى للإنتفاضة. فسلوكيات العاملين في الإعلام متشابهة بشكل عام أينما كانوا، وتتبع قوالب جاهزة تغلّب السرعة و"الفاعلية" Efficiency، على الهدوء وأخذ مسافة من الحدث. 

في السينما عندما تثبّت الكاميرا أمام شيء معين و"تعنّد" عليه، لا يعني هذا أنك لا ترى الأشياء الموجودة خارج الكادر Offscreen. أما في التلفزيون، فعندما تكون الكاميرا موجهة نحو شيء معين من دون أن تزيح عنه، ويحصل هذا خصوصاً عند تغطية أحداث عنيفة كما شهدنا أيام الإعتداءات على المنتفضين أو خلال الإشتباكات مع الأمن، يكون العالم بالنسبة للكاميرا محصوراً في داخل حدود الكادر، كأن كل شيء في الخارج غير موجود، وكأن الواقف خلف الكاميرا التلفزيونية لا يرى أو يسمع ما يحصل أمامه!

يعود ذلك أساساً إلى الإنشغال الدائم في البحث عن الحدث والإحاطة به، من دون إعطاء أي مساحة للتفاصيل التي تعتبر لب الموضوع في هذه الحالات، ما يحوّل التلفزيون إلى شيء يشبه مصاص الدماء الذي لا يشبع، ويريد دائماً المزيد، من خلال استهلاك أرواح وطاقات المشاهدين الجالسين على أعصابهم في بيوتهم، من دون أن يعطيهم اي شيء في المقابل.

بالطبع لا ننفي أن هناك أشخاصاً جيدين في التلفزيون، لكن هذا لا يغير شيئاً، لأن المشكلة ليست في الأشخاص بل في الطريقة التي يعمل بها هذا الوسيط بشكل عام. في حالة "فايسبوك" ووسائل التواصل الأخرى، الأمر مشابه، حيث تجد النزعة "الشمولية" التي تريد الإحاطة بكل شيء يحصل وإعطاء صورة متكاملة عن "الحقيقة". ينطبق هذا على المنصات الداعمة للثورة التي، تستعمل اللغة البصرية نفسها للتلفزيون، وتبدو دائماً من خلال محاولة شد انتباه المشاهد والمونتاج الكثيف الذي تستعمله، في سباق مع نفسها ومع الزمن.

هذا مع أن الإنترنت لا يجبرك بمدة زمنية معينة، ويوفر مساحة أكثر "ديموقراطية" تحتمل التنوع والإختلاف بشكل أكبر من التلفزيون. مع العلم أن الناس بدأت تسمع أكثر هذه الأيام، فتجدهم يجلسون لساعات لسماع أشخاص وندوات في خيم العازارية، ما يعني أنهم لن يمانعوا سماع الأشخاص أنفسهم لوقت طويل في حال قدّمتهم في فيديوهات، ومن دون أن تقوم بمونتاج للإيقاع أو تضيف موسيقى مثيرة...

من الضروري أن يكون هناك توجه جديد يبتعد عن هذه الرغبة الدائمة في إلتقاط "الحالة" والإحاطة embrace بكل شيء، لأننا نرتكب خطأ التلفزيون نفسه. ربما يجب أن نعيش الأشياء ونسمعها ونراها، لأنه كما يقول بول تسيلان "الشاهد لا يمكن أن يشهد سوى عن نفسه"، من دون أن ننسى أن الصورة لا يمكنها ان تدعي القدرة على أن تكون شاهداً أصلاً، حتى في حالة النقل المباشر الذي يريد إقناع الناس، أينما كانوا في بيوتهم أو المقهى أو أي مكان، أنهم موجودون في الحدث ويعرفون ما يحصل من خلال الصورة العامة (أو الخاصة) التي يريهم إياها والمقابلات مع الشهود التي يجريها المراسلون، وهنا اعتقد هو أصل الفشل الذي يعانيه التلفزيون، لأنه يجعل المشاهدين يظنون أنهم يرون الحقيقة ويشاركون في الحدث فقط من خلال مشاهدته!

يمكننا العودة في السياق نفسه، إلى السؤال الذي طرحه بودريارد على هامش حرب الخليج: "هل إذا صوّرت الشيء يعني أنه أصبح موجوداً، وإن تجاهلته يعني أصبح غير موجود؟". أرى كثير من الناس في لبنان، وتحديداً في المناطق البعيدة من بيروت، يطرحون هذا التساؤل، لكن هل إن قام التلفزيون بتغطية شيء في عكار وإظهاره امام الناس يعني أن هذا سيغير شيئاً؟ أم هو مجرد إراحة ضمير له؟

طبعاً لا أقول أن المنتفضين عليهم أن يصبحوا ثوريين مثل تزيغا فيرتوف، لكن ما أحاول قوله أن هذا الوسيط أثبت فشله في السابق وليس علينا الإستمرار فيه. كما أن الشكل مهم مثل المضمون، وحتى لو كنت تمتلك خطاباً مختلفاً عن عدوك، وهو السلطة في هذه الحال، لكنك تستعمل الشكل البصري نفسه، وهذا يعني أن هناك خللاً في مكان معين، حتى لو كان هذا (أي استعامل لغة السلطة) بحجة هدف جديد وثوري ومن أجل "الوصول للناس". فأنت تبقي المشاهد في مساحات التأقلم والأمان نفسها التي اعتادها سابقاً وتكيّف من خلالها. 

نعرف أن الإنتفاضة لا تزال في مرحلة مبكرة، وأكثرية الموجودين في الشارع ما زالوا غير ثوريين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وربما من المبالغة طلب كل هذا منهم، خصوصاً مع افتقارهم للقدرات التي تمتلكها التلفزيونات. لكنه لن يكون أمراً سيئاً أن نرى مادة إعلامية جديدة أيضاً، تكون مختلفة عما اعتدناه. 

 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020