رحلة فنية إلى القمر

روجيه عوطة

الإثنين 08/04/2019
بعد زيارة معرض "القمر"، والانصراف من صالاته إلى خارج الـ"غران باليه" (باريس)، يصير النظر إلى ذلك المضيء المعلق في السماء مختلفاً للغاية. فنتيجة تقديمه على مقالب شتى، منذ قرون حتى اليوم، يندرج، ومن وضعه السماوي، في سياق الأعمال الفنية عنه ليساويها أو بالأحرى ليتطابق معها. لكن هذا العمل، الذي تخيّله كتّاب وفنانون وعلماء قبل أن تضع "ناسا" حداً لخيالاتهم، محولةً إياه إلى مقصد الطلوع على المُتخيل وجعله واقعياً، هو عمل متعدٍ، ومرد ذلك الطرح الصيني الذي ينوي صناعة قمر ثان ينير الكرة الأرضية. كما لو أن القمر، الذي شغل المعرفة الإنسية، عاد، ومثلما كان، أسطورة، وقد غدت موجودة الحاجة إلى غيره ليكون نسخة عنه في علائه ووظيفته.

يمد المعرض تلك الأسطورة من القرن السابع عشر، وتحديداً من منام يوهانس كيبلر، الفلكي وعالم الرياضيات الألماني الذي كتب رواية باللاتينية بعنوان "الحلم"، وهو حلم بالقمر، وبالإطلالة منه على الأرض، وبهذا يكون أول من طلع إليه وأمضى وقتاً هناك. إلا أن خيال كيبلر، الذي غالباً ما يُشار إليه كرائد الخيال العلمي، سرعان ما لُحق بغيره، بحيث أن سيرانو دو برجيراك صعد إلى القمر، وقد أرخ كل رحلته في كتابه "التاريخ الكوميدي لدول وإمبراطوريات القمر". وبالتوازي مع كونه قِبلة التخيل، بدأ "الكوكب" الفضي يتحول إلى قِبلة للعلم. فغاليليو غاليلي، وبالاستناد إلى مرقابه، أو نظارته الفضائية، رصد القمر، واكتشف تضاريسه، وبهذا عارض أرسطو الذي قال بكماله، وبكمال كل الكواكب أيضاً.

كان القمر في مطلع اكتشافه الفضائي، بعيداً، فالسفر إليه، بالمعرفة المتخيلة والعلمية، هو قمة الرحلات. وعنها، كتب جول فيرن روايته الشهيرة "من الأرض إلى القمر"، واصفاً تفاصيلها. في ما بعد، بدا القمر أنه اقترب من الأرض، لكن هذا لا يعني أن وطأته، كمرئي وموحش، قد انخفضت أو اختفت. على العكس، فمن الممكن ملاحظة أن القرن العشرين، وحتى رحلة "ناسا" وبعدها، لم يتوقف عن الهجس به وبغزوه، ليكون بمثابة حاضرة أرضية. مرةً، تثير الفزع، لا سيما حينما تكون شبه متوارية أو حمراء دامية، كما في رسوم فيليكس فالوتون على سبيل المثال. ومرةً، تثير نوعاً من العبادة لها، لا سيما حين تكون ذهبية. ومرةً، يذوب القمر في الطبيعة، كما في رسوم الانطباعيين. لكن، وفي المرات كلها، تشكل ملاذاً لمن يريد أن يغادر المعمورة.

أشار مارك شاغال إلى قرب الحاضرة في لوحته "نور القمر"، التي يظهر فيها الوجه الحيواني والإنسي والجرمي. وشيئاً فشيئاً، نزل القمر إلى الأرض أكثر، فهو صحن حسبما وضعه فرنسوا موريليه، الذي شكّله بالبورسلين، مثلما أن مان راي أضفى عليه سوريالية جاعلاً منه خطوطاً. أما ميرو، وبالسورياليه نفسها، حوله إلى شكل أخضر، يدور نوره حوله كشخطات دائرية، لا تخفي بقعة حمراء داكنة في إزائه. في هذا السياق، لم يعد القمر ذلك "الجُرم" الذي يدل على مجهول سماوي، بل أصبح أرضياً إلى درجة تجريده من شكله.

لعبت رحلة "أبولو 11"، التي يتوقف المعرض عندها مطولاً، دوراً في "أرضنة" القمر. فمن بعدها، من المتاح الانتباه إلى أنها صارت موضوعاً فنياً أكثر من جرمها، لا سيما ببطلها نيل أرمسترونغ. وبالفعل نفسه، أدت "أبولو 11" إلى إشاحة النظر من القمر إلى باقي الكواكب، وعلى رأسها المريخ، بالتالي، ضمت الأرض قمرها إليها، وحققت ما تخيلته طوال جزء طويل من تاريخها. وبهذا الضم، صار القمر حقلها، أو مجالها الحيوي، الذي تتخيل منه رحلات جديدة في اللانهائي. وهنا، قد يكون المستقبليون في الثمانينات وبعدها، هم أفضل مَن عبّر عن ذلك الضم بمراحله المتبدلة التي أودت في النهاية إلى قَلب صلة القمر بالأرض: مدينة على الأول تطل على الثانية التي تكبره، وتحرسه، ولاحقاً تنأى عنه.


©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019