"جوكر": هل تدعو هوليوود لثورة؟ أم تتطهّر؟

المدن - ثقافة

الجمعة 11/10/2019
الجوكر، قد يصلح لأدوار عديدة في الوقت نفسه، لكنه في الحقيقة نكرة، ليس اسماً حقيقياً ولا هوية محددة، بل في مفهوم السلطة ومن يمثلونها، سواء حكومات أو شركات أو مؤسسات، مجرد مهرج، انسان فاشل، يخفي إخفاقه وراء قناع. يتنكر له الجميع، ولو قُتل لداسوه بالأقدام، وما ذكره أحد. في المقابل، فإن سفاحي البنوك، القتلة ذوي الدم البارد باسم سطوة المال أو الطبقة أو المؤسسة "النظام"، لا يتخفون وراء أقنعة، ولا يخفون سرقاتهم وتحايلهم على القوانين من أجل مزيد من النفوذ، والسلطة، سحقاً لكل قيمة وكل مبدأ، هؤلاء حين يتعرضون لأذى يبكي عليهم المجتمع ويندبهم الإعلام لأنه يتأثر لمصابهم، لغياب أقل فرد فيهم، بينما لا يطرف له رمش، حين يموت الآلاف من الجوع أو من الأوبئة أو نقص الخدمات.

الثورة هي الحل. ثورة من أسفل، بلا أيديولوجيا، يقوم بها المهرجون، المهمشون الذين يسحقهم المجتمع. حين يغضب الجوكر، ويقرر حينما تتاح له الفرصة التي يحلم بها، ليظهر قوته الحقيقية في الشاشة، ليس كمضحِك أو كوميديان، بل كشخص قوي صاحب قرار، وجد أنه قد حان الوقت لكي يتخلص من الإهانات والإذلال.

لكن السؤال هنا: هل حقاً يمكن أن تدعو هوليوود إلى ثورة مهمشين وجياع، على سلطة المال والسياسة؟ صحيح أن مدينة "غوثام" هي مكان خيالي، من وحي عالم الأبطال الخارقين، مثل "سوبرمان" و"باتمان"، لكن "وول ستريت" ليست كذلك. الإعلام الشرس الذي يتلاعب بعقول البسطاء، من خلال سطوة الضحك والسخرية، ليس فانتازيا سينمائية، بل هو واقع حقيقي، أحلام الملايين من المهووسين بالظهور في الشاشة ليقفوا إلى جوار نجومهم المحبوبين حتى لو كانوا يدركون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون، وهذه ليست وهماً.

هل يقدم الجوكر نوعاً من التطهير الهوليوودي؟ هل نحن أمام فانتازيا سينمائية؟ أم نذير بثورة تندلع شرارتها من قلب "وول ستريت" وسطوة عالم المال، على أيدي مهمشين يحلمون بالخلاص وأن يكون موتهم أكثر ربحاً لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه؟

يعتبر الفيلم مونودراما، يركز بالأخص على أداء مبهر لبطل أوحد هامشي مجنون، مشكوك في نسبه، وفي علاقته بأمه وأبيه، يعاني اضطرابات نفسية، وفي الوقت نفسه هو مرهف الحس والشعور. وهي مواصفات تركز أكثر جوانب الضعف لإبراز المفارقة حينما يفجر هذا الضعيف شرارة الثورة، في ما يشبه فتوة الغلابة بصورة أكثر هشاشة، خصوصاً أن رغبته في الانتقام شخصية، وليست قائمة على دافع إيديولوجي أو انحياز لفكرة.

مازال هيث ليدجر يُعتبر أفضل من قدموا شخصية الجوكر في الشاشة، والتي سبق وتناولها عمالقة أمثال داني دي فيتو وجاك نيكلسون. ورغم براعة خواكين فوينكس في تجسيد الشخصية والإلمام بأبعادها، حيث يرتدي أكثر من قناع تنسحق خلفها هويته وفشله وإحباطاته التي ستؤدي إلى الانفجار، إلا أن هذا الأداء قد يكون نمطياً إذا ما قورن بتكرار أدائه لشخصية المضطرب نفسياً في فيلم Her أو The Master، مرة داخل عزلة التكنولوجيا حيث يقع في غرام صوت أنثوي يحدثه عبر جهاز، وفي الثانية، كان سبب الاضطراب معاناة أهوال الحرب العالمية.
(*) مدونة كتبها المترجم طه زيادة في صفحته الفايسبوكية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019