أنطولوجيا للشعر العراقي.. ذكورية الأدب

منال الشيخ

الأربعاء 01/08/2018
لم أحصل على الكتاب، كالعادة، ولا أظن أنني في صدد الحصول عليه. فالعنوان والأسماء المطروحة فيه، وأقصد كتاب أنطولوجيا للشعر صدر مؤخراًِ بعنوان "تلويحة لأحلام ناجية" عن دار الرافدين/ بيروت، ويضم قصائد لتسعة شعراء عراقيين ذكور، يشار اليهم في الكتاب، بحسب التقارير الواردة، نشطوا بعد العام 2003 ومن "الجماعة التأسيسية" لما بعد 2003. 


لم أفهم.. "تأسيسية" لماذا ولمَن؟ ولم أفهم.. لماذا أنطولوجيا لمجموعة معينة، تدّعي ريادة النشاط الشعري بعد 2003 بحسب تقارير صحافية، رغم أن أكثر الشعر العراقي، الذي برز مؤخراً، قد نشط بعد الاحتلال الأميركي، وذلك لسبب بسيط وجليّ، وهو زوال الرقيب الأمني بسقوط القائد الضرورة.

المشكلة ليست في الأنطولوجيا ذاتها، والتي تضم أسماء تَعِدُ بالكثير، أمثال محررها والمشرف عليه حسام السراي، والشاعر صفاء خلف وعلي محمود خضير وعمر الجفال، الذين قرأت لهم جيداً في فترة ما. ولا تكمن المشكلة في تخصيص أنطولوجيا لفئة معينة، فالمعروف عن الأنطولوجيات والمختارات عموماً هو تميزها بمزاج وذوق المُعدّ في الانتقاء، وهذا ما واجهته شخصياً في انطولوجيا أعددتها مجاملة غير مبررة لأحد الأصدقاء قبل أكثر من عقد، وربما هو أكثر عمل أدبي أود لو أستطيع محوه من سيرتي الأدبية. لكن المشكلة تكمن في ترسيخ فكرة أن الأدب العراقي عموماً، والشعر خصوصاً، هو ذكوري بحت.

في أحد المقالات المعادية والمنتقدة للأنطولوجيا التي أعددتها العام 2007، كتب صاحب المقال أني، رغم عدم انتسابي لعالم الشعر العراقي والمعرفة به، حاولتُ قدر الإمكان الموازنة في وجود أكبر عدد من الشاعرات الإناث في مقابل الشعراء الذكور. وقتها استغربتُ التحليل، إذ لم يخطر في بالي قط أن أقصد هذه الموازنة، سوى لجهة رصد المشهد عموماً والأعمال والأسماء الناشطة في تلك الحقبة، وبالفعل كانت هناك أسماء عديدة لشاعرات. فلم استطع تجاهل الواقع الشعري في العراق لصالح الذوق، المزاج الشخصي فقط، وأنما انحزتُ لأسماء كانت فاعلة وناشطة في الثمانينات والتسعينات، سواء كانوا رجالاً أو نساء. منذ فترة، أتابع المشهد الشعري العراقي، علّي أعثر على التغيير والتقدم الذي أبحث عنه منذ دخولي الوسط بشكل احترافي في منتصف التسعينات. لكن المؤشرات كلها تقول إني أتقدم بالعمر في البقعة الراكدة ذاتها التي بدأتُ منها الانطلاق الأدبي.

وجود المرأة الكاتبة في وسط أدبي مثل الوسط العراقي، ما زال كمالياً لا يتعدى المجاملات على حساب الشكل والحضور والطائفة والأثنية. هذه الموازنة التي تقيد العمل الفني الأدبي بهيئة الشكل والمحاصصة ليست وليدة اليوم، بل هي سياسة بعثية خالصة بدأها صدّام حسين، ويبدو أنها تسري في دم الكثير من المثقفين والمبدعين العراقيين. أتذكر جيداً عندما كنت مدعوة لنشاط أدبي، وكنت لا أزال طالبة جامعية. صادفتُ هناك أول تعريف لتصنيف وتوزيع صفة الإبداع، بحسب المنطقة والأثنية والمذاهب والدين والجندرية. كنت مدعوة باعتباري قاصَّة وشاعِرة من الموصل، نقطة. فيما تم تقديم زميلة لي، ضمنياً، باعتبارها كردية من المدينة الفلانية، وأخرى شيعية من مدينة مقدسة، فيما قُدمت كاتبات راسخات بذِكر دينهن ومذهبهن. وهكذا كان على الساحة العراقية الأدبية، أن تجاهد في سبيل عمل هذا التوازن المتنوع على حساب النوعي. ويبدو أن هذه السياسة لم تزل سارية بحكم ظهور أسماء دون غيرها، فقط لأن أصحابها/صاحباتها ينتمون إلى فئة معينة من هذه التصنيفات غير العادلة في حق الإبداع والأدب.

لكن الحق يقال إنه ما من تصنيف كان مجحفاً في حق الأدب العراقي بقدر التصنيف الجندري له. وهذا ما تثبته غالبية المشاريع القائمة، والتي أوصلت بعض الأسماء الى العالمية، متكئة على الأسس والأسباب نفسها، من دون اعتبار لجودة العمل. حتى لو وجدنا بعض الأسماء الأنثوية التي حققت بعض الشيء من الظهور والشهرة، سنجدها مستقلة تماماً، أو مدعومة للأسباب أو التصنيفات ذاتها المذكورة أعلاه. وهذا ما كان عليه الأدب العراقي عموماً منذ عقود. إذ لا أفهم لماذا يعرف الغرب مثلاً، بدر شاكر السياب، كإسم رائد في الشعر الحر، ولا يعرف الكثير من الغربيين، نازك الملائكة، الاسم الذي اقترن بنشاط السياب والبياتي في الوقت نفسه. ولا أفهم كيف لم يعثر جهابذة الشعر والأدب العراقي على اسم انثوي واحد، كان وما زال ناشطاً بعد العام 2003؟ اسم واحد بدأ مع نشاط هؤلاء، على سبيل المثال، وعاش التجربة الشعرية في حقبة حساسة ومليئة بالإلهام وحرية التعبير؟

الأنطولوجيات والجوائز تسير، والأقلام تكتب بلا مبالاة لساحة متضخمة بالأنا الذكورية وتقاطع المصالح، والربح التجاري لدور نشر حققت الملايين باتباع سياسة الاقصاء والمحاصصة ذاتها. لكن العالم لا يعيش في زمن "البعث"، ولا سياسة الحزب الواحد، ولا راديكالية اليساريين الذين لم يحققوا أي تقدم منذ السبعينات. فالفردانية هي سمة العصر، بدأت تثبت أن فاعليتها ووجودها أكثر رسوخاً من فاعلية مؤسسة أو عُصبة. وهذا ما لا يستطيع أن يفهمه من اعتاد قوانين "القبيلة"، حتى وهو يكتب شِعراً متمرداً.

البعض لا يقدّر مخاطر هذه السياسة والتجاهل والاستخفاف في قراءة الساحة بشكل حيادي وعام، من دون الانحياز إلى قانون القبيلة. فنتيجة هذه السياسة، هي أننا ما زلنا نقرأ شعراً رومانسياً لا يمت بصلة الى الواقع العراقي، فقط لأن الشاعر/ة صنفوا كذلك منذ الثمانينات، وما زالت التي أُشير إلى دينها وعرقها في احدى الأمسيات، تكتب في الشأن العِرقي والديني وتربح منه الكثير، على ما يبدو، بغض النظر عن جودة ما تقدمه.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019