احتلال الأوديون كعصيان من أجل التمأسس

روجيه عوطة

الأحد 28/03/2021
ليس الحضور العصياني، الذي مارسه عدد من منتجي الثقافة في الأوديون في باريس، مجرد إقدام على احتجاج، حيال اقفال المسارح والسينماهات وباقي أمكنة انتاجهم، بل إنه بمثابة تأكيد على كون الاحتلال، أي احتلال المرافق على انواعها، يشكل ركيزة من ركائز المواجهة، أو الحراك على الأقل. إلا أن كل هذا، لا يمكن له الدفع إلى غض الطرف عن كون ذلك الحضور، وفي توجهه على شكل مطالبة من الدولة بتحقيق البغية منه، يبدو، وعلى مقالب منه، كأنه يهجر وقعه. ففي آثر هذا، يصير الحضور إياه، وبما هو احتلال بالطبع، كأنه مجرد طرز من أطرزة الرمي إلى الوجود في المؤسسة، أي رمي الى التمأسس، أو بالأحرى الى استئناف هذا التمأسس مثلما كان قبل الكورونا.
بالتالي، وحين يكون حضور المنتجين عصيانياً، فلا يكون عصيانهم هو عصيان للدولة، ولكن، على العكس، هو عصيان لعطل التمأسس، الذي يعيشون في ظله، والذي يطالبون الدولة بإنهائه. على هذا النحو، ليس العصيان هنا بمثابة تهديد بتعطيل التمأسس لسبب أو لآخر، إنما هو اعلان لابتغاء إطلاقه بعد تعطله. كما لو أنه عصيان ضد العصيان نوعاً ما، أو كأنه عصيان العصيان. وهذا، فعلياً، ما يؤدي الى ملاحظتين.

بدايةً، أن المحتجين يشيرون الى كون وجود انتاجهم الثقافي مربوط بالمؤسسة كرجاء له، بمعنى أن وجوده، ومن دون هذا الرجاء، هو وجود يشوبه خلل ما، أو حتى أنه وجود بلا معناه. إذ إن إنتاجهم يحتاج الى المؤسسة ليعيش، أما، حين يغدو من دونها، فهو يبدو كأنه يموت أو يحتضر. وفي هذه الجهة، ينسحب أمر الإنتاج على منتجيه بالطبع، بحيث أنهم، وحين يقفل ذلك الرجاء أمامهم، ويتعطل تمأسسهم، فهذا يعني تعليق أثرهم، أو انعدام أي تأثير لهم داخل ما يسمى "الفضاء العام". على هذا النحو، لا بد لهم من العودة الى ذلك الرجاء لأنهم، وفي حال لم يفعلوا ذلك، فلن يكونوا في "الفضاء العام"، عندها يبدون كأنهم فقدوا القناة التي تصرف أثرهم. ربما، هنا، يمكن الحديث عن صلة القناة بهذا الأثر، بما هو من صناعتها، بمعنى أن اقفالها يؤدي الى زواله.

مثلما ان علاقة الإنتاج ومنتجيه بالمؤسسة، برجاء التمأسس. تتصل بدورة الإنتاج أيضا. فذلك الرجاء، وفي وقت انه قناة صناعة وتوزيع اثرهم، هو قناة توفر لهم ما يعتاشون منه، قناة لبيع منتجاتهم وقبض ثمنها. على هذا المنوال، علاقتهم به هي علاقة لازمة من أجل تحقيق دورة الإنتاج تلك لبلوغ حصيلتها. فمن دون هذه العلاقة، لا حصيلة من إنتاجهم. لذا، حضورهم العصياني فيه هو حضور من أجل إعادة إطلاق دورة الإنتاج داخله. وفي هذه الجهة، هم يطالبون الدولة، ليس بما هي تقبض على الرجاء ذاته، أو تقفل هذه المؤسسة أو تلك، بل بما هي تضع يدها على دورة إنتاجهم ايضاً، يطالبونها ان تفك أسرها لكي تشتغل، ويصلون إلى حصيلتها. بعبارة أخرى، هم يطالبونها بحقهم داخل ذلك الرجاء، ولا يستطيعون الوصول إليه سوى عبر التمأسس، عبر استئنافه.

بعد هاتين الملاحظتين، نافل القول إن الإنتاج الثقافي، صحيح انه يبدو، في حضوره داخل الاوديون وغيره، حيوياً، ولكن، عصيانيته تبيّن، في نهاية المطاف، أنها لا تحمل إلى تحرير أثره وأثر منتجيه من قناة المأسسة، ولا افلات حقه وحقهم منها. إنما، فعلياً، هو مناشدة لعودة القناة، مناشدة موجهة إلى من تضع يدها عليها، أي الدولة، التي سرعان يندرج فعلها هذا في سياق تكريس التمأسس، وجعله الممكن الوحيد للإنتاج ومنتجيه. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021