"غولمات" عبدالرحيم إقبي.. الوفاء لأصولية فنية تسخر من المعاصرة

أيوب المزين

الأربعاء 01/09/2021
العالم نارٌ حيّة، تشتعل بقدْر وتخبو بقدر.
(هيرقليطس)

بعد سنوات من الصداقة المُترنّحة، بين اتفاق واختلاف، مازلتُ لا أعرف كيف بدأت حياة الفنان عبد الرحيم إقبي (مرّاكش، 1971) ولا كيف تُغيّر لوحاته جلدها وأحجامها قُدّام النهر. عبثاً استجديتُ بأدبيات مدارس القرن العشرين، واستدعيتُ تجارب عبّاس صلادي ومارسيل دي شون وجيريكو ودي غويا، مروراً بجون بالديساري، ذلك الأميركي البعيد عنه جمالياً وجغرافياً، لكن استدعاءاتي باءت بالفشل. تلك الاستدعاءات هي بالذات ما يمقته إقبي، ويعترض عليه، كلّما شبّه أحدهم أعماله وتجربته بتجارب الآخرين. قال لي صارخاً، كأنه لا يعرفني، قبل أن يصبّ البنزين على القماش: "طبعاً أعرف لوحات المُعلّمين الأوائل، لكن مقارنتي بهم تنقيص وليست تشريفاً". كان في صوته اعتراضٌ، ليس فقط على آراء تجعل منه سليل هذا أو ذاك، وإنّما على فكرة النّسل والسلالة، وعلى مجتمع فني غارق في المقارنة المجانية والمحاباة الرخيصة. هنالك، من داخل ثمالة ديوجينية طافحة، يطلّ الفنان على جريمته المتفرّدة، مبتعداً عن ثالوث العقل والنّسب والمحاكاة، إلى حيث يرتاح من صراخ الغوغاء وسياط المُضاربين الصّاعدين.

لقد اعتاد إقبي العزلة السعيدة والوفاء لأصولية فنية تسخر من المعاصرة في تجلّياتها الفجّة والبذيئة، وتحتفي براهن مرجأ أبداً، فعندما تلتئم طوائف الفنانين البصريين (وكم نظارة يحتاجون لإبصار العمى)؛ لمّا يجتمعون عند عتبات مشيختهم المعلومة بحيّ «جيليز»، للحديث عن صُفرة العِجل وعبادته، يكون الإقبيّ على بضعة أمتار، داخل مشغله، جالساً يحتسي الشراب الثقيل، يُصغي للشيخ إمام، وليو فيري، وهو يُفكّر في الألوان والأبجديّة، كما لو كان جمرة مشتعلة لا تنطفئ. بهذا المعنى، كما قال الآخر، لا نكون أبناء زمننا إلا ونحن نخالف ادعاءاته ونفارق راهنيّته. كذلك لا تتحقق الإحاطة بهذه المفارقة بغير ما يقترحه علينا إقبي: جوار الحرف والموقد والليل. إنّها لجوارات شاقة ووعرة للغاية، قد تودي بنا إلى المهلكة، بيد أننا نحتاجها للعبور إلى المستقبل رفقة زبانية الفنان، وفي ذهننا ألف استفسار واستفسار: أيُّ بطن أخرج تلك المخلوقات المكشوفة على سطح اللوحة؟ كيف للبشاعة أن تصير درباً للخلاص؟ ولماذا نُضرم النار في المسكن نهاية كل مساء، يا عبد الرحيم؟


الغولم ضد عزرائيل
في القرن السادس عشر، تحكي الأسطورة، أنّ حاخام براغ قد صنع مخلوقاً مُشوّهاً، وأودع فيه أسرار الحساب الأبجدي ليُجير اليهود من الفناء. يُدعى هذا المخلوق بالغولم، موشومةٌ على جبينه كلمة: حقيقة (אמת = إمت). تبتدأ الكلمة بحرف الألف (א)، وبمجرّد ما ينقلب المُخلّص إلى جلاّد يستبدّ بشعبه، يمحو الحاخام الحرف الناري لتصير الكلمة (מת = مِتْ)، فيخبو الغولم معها بلا رجعة. آدمُ نفسه، في سِفر المزامير 139-16، يتحدث عن كونه ذلك المخلوق المنقوص، ويحمد الرب بعدما نفخ فيه من روحه ليُقوّمه. ثم رددناه أسفل سافلين. لا مناص، ونحن نقلّب كنانيش إقبي، حيث يخطّ محاولاته بقلم الرصاص، أن يرتسم أمامنا طيف ذلك الكائن الطيني المتشبث بالمزلاج. يكتب باول سيلان: "لذلك المُتسمّر عند الباب،/ في ليلة ما:/ له/ فتحتُ كلمتي". تنطوي لوحة إقبي، مثل بيت سيلان الخارج من دهليز قديم، على قتامة مُفزعة وهندسة هذيانيّة: أشكال ممسوخة، صهباء وزرقاء، تتسلل بين الإطارات، منقوعة في رماديّ وهّاج. متراكمة كأطراف لحمية اجتزّت توّاً، تحملنا، من الغروب حتى الفجر، في موكب جنائزي يقطع الأطلسي نحو مدافن الآزتيك. 


ذهب بعض النقاد الفرنسيين، بالاعتماد على درس جيل دولوز الشيق عن فن الرسم وسؤال المفاهيم، وفي ذهنهم فرانسيس بايكون، لا شك، إلى اعتبار أعمال إقبي تحقيقاً لمراحل حدوث الكارثة. هنا، أتذكر أننا، عبدالرحيم وأنا، قد تحدثنا باستفاضة عن لوحة طوّافة قنديل البحر لجيريكو، واتفقنا على فُحشها الكارثي الجليل. ما يُمكننا تسميته «البشاعة المُخلّصة»، لدى جيريكو، نراه في شتى مخلوقات إقبي التي لا تحمل اسماً، وتريد تخليصنا، مع أنها لا تخلص حتى أنفسها من قبضته هو. إنها أكباش الفداء التي تُشكّل القول السياسي الأول للإيماءة التشكيلية عنده: عداء سيمولاكر الديموقراطية وخرافة الإيديولوجيات؛ فأولئك الذين خرج إقبي معهم العام 2011، في مظاهرات «الربيع العربي»، هم أنفسهم المُحنّطون في اللوحة. يمكننا الوقوف عند هذا التاريخ إذن كزمن قبليّ للكارثة، للخيبة التي سرعان ما استبدّت به وفجّرت زمناً ثانياً في علاقته باللون، وهو يتخطى السنين شاحباً، فاقداً أوهام التغيير، نحو عقده الخامس. ربما يكون أسلوب إقلبي (حركة يده، ضربة خطه وحظه) قد تبدّل بشكل جذري بعد تلك الخيبة، وبما أنّ "الخطّ أفضل من اللّفظ، لأنّ اللّفظ يفهم الحاضر فقط، والخط يفهم الحاضر والغائب"، فإنّ إقبي اختار حضوره في غياهب النار والرّماد...

برزخ من لا يمبوس له
كذلك تكتمل لوحات إقبي، مع انتهاء كل معركة جديدة بين الغولم وعزرائيل، وبينما نعتقد أن النيران قد خمدت، يطفو زمن ثالث ويترسّخ، زمن لا يتعلق بالكارثة باعتبارها هرجاً ومرجاً، وإنما بحضرة صوفية تجمع المُقدّس بالمُدنّس. عندئذ، يقف إقبي راقصاً، فرشاة ألوانه بيد، وفانوسٌ يُنير عتمة النهار بالأخرى. ومثل المُعلِّم فرنهوفر، في نص أونوريه دو بالزاك، يقوم الفنان قبيل الشفق لينتقم من/لنفسه، ويُدشّن رومنيطقية مدهشة تفرض علينا هذه القراءة الشعرية/الميتافزيقية التي نحاول تشكيلها. إنّ الإقبيّ، وإن كان يلتقي بمرجعيات تشكيلية غربية يُمليها التأويل البصريّ لظاهر إيروتيكي يجمع الأثداء بالأرداف، والأنوف المجدوعة بالبطون المبقورة، فإنه يبقى متصلاً بمخيال وثنيّ مغربي/إفريقيّ وعرفان إسلامي/عربي، يحمله في اسمه: التيس الأمازيغي الذي ينشد التضحية لبلوغ السكن إلى جوار الرحمن. يحدق فينا إقبي، من خلال مخلوقاته، ومن كل جهة، يطوّقنا بالنظر. يقول ابن عربي عن الإدراك المنامي للبرزخ: "وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته، فيرى الأعراض صوراً قائمة بنفسها، تخاطبه ويخاطبها: أجساد لا شك فيها".

يطوّع إقبي اللوحة لكي تتبدّى، في ظاهرها، كسطح عنيف تتكدّس فوقه دموية العالم وعفنه، لكنه ينسج خيوط حكاية تحتيّة، صافية ومتلألئة وغامضة في آن، يفقد ملامحها ومآلاتها تدريجيّاً، ونحن معه نتحول إلى رائين بعين الخيال، نصغي للناقور وقد تجذّر فينا اللغز، فـ"فاقد اللغز هو فعلاً إذن، وبشكل أبدي، مُلغز؛ فعلاً وبشكل أبدي غير متاح (...) إنّ النار التي لا نقدر إلا على حكايتها، واللغز الذي التُهِم تماماً داخل القصة، يقطعان عنّا الكلام الآن وينغلقان إلى الأبد في صورة"، هي صورة تبعث الأحياء في موضع آخر من الكون، في برزخ يجعل من النظر ورطة الناجين، كأننا في حوار غير منقطع مع لوحة تحليق الساحرات لدي غويار، معلّقين بين الأرض والسماء...

سبع سنوات من الصداقة، لم أر خلالها عبدالرحيم خارج مشغله، إلى أن أضرم النار في اللوحة ذات ليلة. اضطررننا للخروج، رفقة أخيه إبراهيم، كموسى ومن كان معه. قبل الحرق بقليل، جلست أنظر إلى بورتريهه الخاص، الذي نجا من الحريق، وبدا لي طيف إيغون شيلي حائماً في الأرجاء. في حقيقة الأمر، كان ممكناً اقتراح عتبة مختلفة لهذا النص. عتبة عزيزة، يقول فيها البسطامي، مُعلّلاً امتناعه عن الترحال: "لأنّ صاحبي لا يسافر وأنا معه مقيم". لقد كان لهذه العتبة أن تُكسب الكلام بريقاً مختلفاً، كأن تصير تحريضاً للفنان على الذهاب إلى طنجة أو الدار البيضاء، عُرس الذئب ونعاجه المتناسلة، لكن اللهيب قد أتى على كل الأسفار، وجعل من المكوث داخل المدينة الحمراء قدر الهارب من اللوغوس.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021